عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني


 
بينما تخرج هذه السطور إلى حيز النشر، يكون رئيس الحكومة الإسرائيلية "بنيامين نتنياهو" قد بدأ زيارة إلى عدد من الدول الأفريقية، بينها أوغندا وكينيا وإثيوبيا وجنوب السودان، لترميم العلاقات التاريخية معها، ومحاولة إيجاد موطئ قدم إسرائيلي في هذه القارة، في الوقت الذي تعصف بالمنطقة العربية تطورات متلاحقة لا يقوى على متابعتها وقراءة نتائجها صناع القرار في تل أبيب، ورغبتهم في إعادة صياغة التحالفات الإقليمية الجديدة.
 
دلالة التوقيت
بات من الواضح أن "الربيع العربي" فرض على إسرائيل وضعاً صعباً للغاية على المستويات الأمنية والسياسية والعسكرية والاقتصادية، وبدأت تنهار نظرية الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة العربية، رغم عدم تغير شيء ملموس على أرض الواقع حتى الآن.
 
إلا أن قراءة الساسة والعسكر في تل أبيب للمشهد الإقليمي، أوصلتهم إلى نتيجة مفادها أن الفضاء العربي الذي كان مستباحاً أمامهم، بات يضيق شيئاً فشيئاً، مما تطلب منهم في ظل هذا الوضع المعقد البحث عن صياغة خطوات عسكرية وأمنية وسياسية على المستوى الإستراتيجي، بدأت تظهر ملامحها في التوجه الإسرائيلي نحو الدول الأفريقية المسيحية خصوصاً، وهي ما تُعرف بدول منابع ومجرى النيل.
 
وفي ضوء ذلك يأتي لقاء "نتنياهو" وعدد من وزراء حكومته وأركان جيشه وأجهزته الأمنية، برئيس الوزراء الكيني والرئيس الأوغندي خلال زيارتهم لإسرائيل، وتوقيع عدد من الاتفاقيات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، إثر نجاح تل أبيب في عقد لقاء مصالحة بينهما بعد خلاف دام 20 عاماً، بعد أن اجتمع "نتنياهو" مؤخراً بالرئيس الجديد لجنوب السودان، حيث إن إسرائيل من الدول الأولى التي اعترفت بها.
 
"
توقيت تجدد العلاقات لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار أن السياسة الإسرائيلية تجاه أفريقيا تعود إلى واحد من أقدم أعمدتها الإستراتيجية، التي رأت أن حصر المعركة مع العرب في الجبهة الحدودية الضيقة لا يخدم إسرائيل
"
مع العلم أن توقيت تجدد هذه العلاقات لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار أن السياسة الإسرائيلية تجاه أفريقيا تعود إلى واحد من أقدم أعمدتها الإستراتيجية، التي رأت أن حصر المعركة مع العرب في الجبهة الحدودية الضيقة، لا يخدم إسرائيل لأسباب كثيرة، ولذلك لا بد من توسيع هذه الجبهة.
 
مما يعني أن التوجه الإسرائيلي الجديد نحو أفريقيا نابع من إدراكها المتزايد لأهميتها، كونها ساحة هامة من ساحات إدارة الصراع العربي الإسرائيلي نظراً لعدة أمور، أهمها:
 
1- ثقل الصوت الأفريقي في الأمم المتحدة.
2- إمكانية التأثير عبر دولها على عدد من الدول العربية ذات الموقع الإستراتيجي كمصر والسودان المعتمدتين على نهر النيل كشريان حياة أساسي يمدهما بالماء.
3- إمكانية التأثير على معظم الدول العربية الأفريقية من خلال تفعيل القلاقل فيها، عبر مد بعض القبائل بالمال والسلاح، وجعلها تنشغل بأوضاعها الداخلية.
 
وكل ذلك يظهر متفقاً مع ما تدركه إسرائيل من أهمية للقارة الأفريقية، فهي قارة كبيرة جغرافياً، وغنية بثرواتها الطبيعية، وتعتبر عمقاً إستراتيجياً للعالم العربي، ولهذا تسعى إسرائيل لاختراق دولها أمنياً واقتصادياً، الأمر الذي قد يفسر أن العلاقات الثنائية تشهد تطوراً متنامياً، وتخضع لاعتبارات متعددة، تبدأ بفتح قنوات جديدة لتعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية، في مجالات الطاقة والزراعة والري والبنى التحتية والأمن، ولا تنتهي عند تسويق السلاح، ومحاولة احتواء الدور الإيراني المتزايد فيها.
 
وهو ما قد يشرح ضمنياً مسوغات مرافقة جميع الزيارات السياسية الرسمية الإسرائيلية لدول أفريقيا لوفود كبيرة من الخبراء والمستشارين السياسيين والعسكريين والأمنيين، وعدد كبير من التجار ومندوبي مصانع ومعامل وشركات إسرائيلية كبرى، بالإضافة إلى ضباط أمنيين وعسكريين متقاعدين.
 
الملفات الثنائية
إسرائيل الدولة القائمة على ضلعي الجيش والأمن، تكثف جهودها العسكرية والاستخبارية في القارة الأفريقية، ولذلك كانت أولى الخطوات الإسرائيلية جنوباً على النحو التالي:
 
1- إنشاء قاعدة جوية في ولايتي "الوحدة وأعالي النيل" جنوب السودان، مما أثار مخاوف من أن يتطور تعاون عسكري بين الطرفين مما يشكل خطراً على السودان والدول المجاورة، وذلك بعد أيام قليلة على زيارة وفد إسرائيلي لمدينة "جوبا" لمناقشة تطوير العلاقات الدبلوماسية وتنفيذ مشروعات مشتركة.
 
2- تكثيف المساعدات الاستخبارية والتدريبات العسكرية في مجال تدريب قوات الشرطة والحرس الرئاسي، بحيث يتم نقل المهارات التقنية عن طريق برامج تدريبية معينة، وتزويد الدول الأفريقية بخبراء إسرائيليين، وإنشاء شركات مشتركة لنقل الخبرات والمهارات الإدارية للشركات الأفريقية.
 
3- عقد صفقات بيع الأسلحة، للمساهمة في استمرار واقع الصراعات والحروب الأهلية في الدول الأفريقية، وفي المقابل يدر مبالغ طائلة تنعش الخزينة الإسرائيلية بمليارات الدولارات.
 
"
تسعى إسرائيل إلى بلورة تحالف أمني عسكري لتشكيل حزام في مواجهة الإسلام الصاعد في دول شمال أفريقيا في ظل الربيع العربي
"
4- بلورة تحالف أمني عسكري لتشكيل حزام في مواجهة الإسلام الصاعد في دول شمال أفريقيا في ظل الربيع العربي، مما يعني أن "التحالف الإسرائيلي الأفريقي" يشكل أهمية بالغة لإسرائيل لجملة من الأسباب:
 
أ‌- تشكل تلك الدول المخرج الجنوبي لإسرائيل جواً وبحراً، وتسيطر على ممرات الملاحة إلى إيلات، وقريبة من مصر والسعودية.
 
ب‌- هذه الدول معنية بالتكنولوجيا الإسرائيلية في المجال الأمني لمواجهة الخلايا الإسلامية المتماثلة مع تنظيم القاعدة، وتنشط في أفريقيا عامة.

ت‌- مصلحة إسرائيل بوقف التغلغل الإيراني في دول القارة الأفريقية.

ث‌- وجود مصالح اقتصادية إسرائيلية في الزراعة والاتصالات والبنى التحتية، والتصدير الأمني وصادرات السلاح.
 
إلى جانب ذلك، فقد أمر رئيس الأركان الإسرائيلي، "بيني غانتس"، بإعداد قوة بحجم لواء يتشكل من منتسبين إلى وحدة "كركيل"، التي تعني "قط الصحراء"، لإرسالها إلى جنوب السودان بناء على طلب من رئيس الأركان هناك، "جيمس هوث"، وسيعمل على تدريب وتأهيل قوات دولة الجنوب على أساليب الحرب النظامية، وخوض المعارك الخاصة ضد جيش نظامي.
 
مع العلم، أن قدرة إسرائيل على "إغواء" أفريقيا تعود إلى عدة عوامل مهمة، ومنها:
 
1- انعكاسات التغيرات الإقليمية على النظامين الإقليميين العربي والأفريقي، مما أدى لاستفادة "إسرائيل" بدرجة أكبر من غيرها من الأطراف الإقليمية، حيث قادت إسرائيل صراعاً دبلوماسياً بهدف كسر حدة العزلة الدولية التي فرضتها عليها الدول العربية والدول المؤيدة لها، بمعنى أن أي مكسب دبلوماسي لإسرائيل في أفريقيا، يعني في المقابل القضاء، أو على الأقل تحييد مصدر محتمل لتأييد الدول العربية.
 
2- السعي لتحقيق متطلبات الأمن الإسرائيلي من حيث تأمين أمنها، وضمان هجرة اليهود الأفارقة إلى إسرائيل وفقاً لقانون العودة، والحيلولة دون أن يصبح البحر الأحمر بحيرة عربية، بالإضافة إلى التوسع على حساب متطلبات الأمن القومي العربي في المنطقة.
 
يتضح جلياً أن الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بالقارة الأفريقية له دلالات وتبعات تتعلق بالخارطة "الجيوستراتيجية" في المنطقة، والوجود العربي فيها، لا سيما وأن الموقع الإستراتيجي للقارة يجعلها تطل على البحرين الأحمر والمتوسط والمحيط الأطلسي، وبها أهم ثلاثة مضائق لها تأثيرها على حركة التجارة العالمية، ولهذا فإن من الأهداف الإسرائيلية غير السرية في الذهاب تجاه أفريقيا العمل على شلّ الوجود العربي فيها، ومحاصرة المصالح المشتركة بين الدول العربية.
 
ولعل أهم الأهداف التي سعت إسرائيل لتحقيقها في القارة الأفريقية، هو ضمان بقائها ووجودها وحفظ أمنها، فقد أتاحت لها البيئة الأفريقية مجالاً لكسر حاجز عزلتها العربية، والطوق المفروض عليها سياسياً واقتصادياً، والخروج منه إلى ما وراء أفريقيا، وهو ما كان يهمها في سعيها للحصول على تأييد دولي أكبر، إضافة إلى أهدافها في تطويق الأمن المائي العربي، وتهديد أمن مياه النيل، عدا عن السيطرة على الملاحة في البحر الأحمر عبر السيطرة على موانئه، كما تدخل قضية السيطرة على اقتصادات الدول العربية ضمن هذا الهدف لعرقلة نموها، وخلق تيارات مناهضة للعرب، ومؤيدة لإسرائيل في أفريقيا.
 
مع العلم أن السلوك العربي تجاه التمدد الإسرائيلي في أفريقيا، ينبغي أن يكون محكوماً بخطورة البحر الأحمر، الذي تتقاسم حدوده عدد من الدول العربية مجتمعة، كونه لا يزال ماثلاً في ذهن القيادات الإسرائيلية المتعاقبة، لأن إسرائيل بدون هذا المنفذ البحري، ستصبح منقطعة الصلات بينها وبين أفريقيا وآسيا، ولعلها اكتشفت هذه الحقيقة في حرب 1973 عندما تم إغلاق باب المندب في وجهها.
 
"
السلوك العربي تجاه التمدد الإسرائيلي في أفريقيا ينبغي أن يكون محكوماً بخطورة البحر الأحمر، الذي تتقاسم حدوده عدد من الدول العربية مجتمعة، كونه لا يزال ماثلاً في ذهن القيادات الإسرائيلية المتعاقبة
"
ونظراً لغياب قواعد عربية واضحة تحكم أمن البحر الأحمر، ومع استقلال إريتريا عام 1993، وابتعادها عن النظام العربي، فإن إسرائيل في ظل العلاقات المتجددة مع أفريقيا، ستضمن تلبية مطالبها الأمنية الخاصة بالبحر الأحمر، وانطلاقاً من ذلك ستحاول جاهدة الاستفادة لأقصى درجة من أجل تدعيم احتياجاتها الخاصة بالهيمنة والتوسع.
 
كما أن طبيعة الموقف العربي من استدراج إسرائيل للدول الأفريقية المجاورة لها، لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار رغبة تل أبيب بإعادة ترتيب التوازن الإقليمي في المنطقة، المرتبط حتماً بالأمن القومي العربي عموماً، والمصري تحديداً، على ضوء العلاقات الصومالية الإثيوبية الإريترية، لا سيما أن الوجود الإسرائيلي في المنطقة يساعد على تحقيق متطلباتها الأمنية.
 
في هذا السياق، لا بد لدول الجوار العربي مع نظيراتها الأفريقية، أن تكون على دراية واسعة بالموقف الإسرائيلي منها، وسعي إسرائيل لتحقيق أكثر من هدف واحد، إذ إنها تقدم نفسها للعالم الغربي بوصفها المدافع الأول عن القيم الديمقراطية العلمانية في مواجهة الحركات الإسلامية، ومن جهة أخرى تحاول مساعدة الدول الأفريقية في ميادين الاستخبارات والتدريبات العسكرية.
 
أخيراً.. فإن التغلغل الإسرائيلي نحو القارة الأفريقية يحمل في طياته الكثير الكثير من الدلالات الخطيرة، لا سيما مع تغير تحالفاتها القديمة مع الأنظمة المتساقطة، وتحولها من "دول جوار" إلى "دول سوار"، تضيّق الخناق عليها، مما يحتم على صناع القرار الإسرائيلي البحث عن حلفاء جدد، هم في أمس الحاجة لها في المجالات الاقتصادية والأمنية والعسكرية، وفي المقابل يضع أسئلة كبيرة مكلفة على الجوار العربي للأفارقة، بضرورة التنبه والتيقظ لما قد تخبئه المرحلة القادمة التي قد تحمل في طياتها نفوذاً إسرائيلياً غير مسبوق على حدودهم الجنوبية والشرقية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك