منير شفيق

منير شفيق


تصويتان أُجريا في الجمعية العامّة لهيئة الأمم المتحدّة يذكّران بالتصويت الذي ألغى قرار الصهيونية شكل من أشكال العنصرية، أواخر العام 1991.
 
عندما ألغى التصويت في الجمعية العامّة قراراً صدر عن الجمعية العامّة نفسها قبل عقدين من الزمن، كان الوضع العالمي قد شهد انقلاباً في توازنه مع انهيار الاتحاد السوفيتي وانحلال حلف وارسو. وقد ارتعدت فرائص أكثر دول العالم الثالث خوفاً من أميركا وما ستفعله في الدول الأخرى بعد أن أصبحت القطب الدولي الأوحد.
 
"
الانفراد الأميركي يُعرّض مصالح الدول الكبرى الأخرى -بما فيها أوروبا والصين وروسيا نفسها، كما دول العالم عامّة- إلى أضرار فادحة
"
بدا الأمر في حينه مخيفاً فعلاً، وإن كان يحمل من اللحظة الأولى سوءاً في تقدير الموقف، أو مبالغة شديدة في قوّة أميركا. وذلك لسبب جوهري لم يكن مرئياً، في حينه، بالرغم من عدم استحالة رؤيته أو في الأقل توقع حدوث نهوض يعارض انفراد أميركا في التحكم في العالم. وذلك لأن الانفراد الأميركي يُعرّض مصالح الدول الكبرى الأخرى بما فيها أوروبا والصين وروسيا نفسها، كما دول العالم عامّة، إلى أضرار فادحة، فهذه الأضرار واقعة لا محالة مع انفراد أميركا في تقرير مصير الدول، أي تقرير أدوارها وحدود مصالحها ونفوذها. 
 
فأميركا دولة إمبريالية رأسمالية هيمنية لا حدود لجشعها وسطوتها وأنانيتها. وهذا ما يتعارض مع المصالح العليا للدول. الأمر الذي يؤدي إلى وقوعها بأزمات داخلية خانقة إذا ما استفردت أميركا في فرض مصالحها على الدول الأخرى. ومن ثم لا مفرّ من أن يتبدّد الارتباك الذي حصل مع انهيار القطب السوفيتي ومعسكره، فتبدأ مرحلة معارضة قيام نظام أحاديّ القطبية.
 
أما من جهة أخرى، فإن التدقيق في نتائج انهيار المعسكر السوفيتي يسمح بالقول إن أميركا أصبحت أضعف، عملياً، وليست أقوى كما بدا على السطح وفي الظاهر. وذلك بسبب بسيط وهو عدم قدرتها على الإمساك بالعالم كله والتحكّم في دوله الكبرى، فهذا فوق طاقتها وقدرتها.

على الرغم من التناقض بين المعسكرين في مرحلة الحرب الباردة إلاّ أنه حمل توافقاً على التحكم في النظام العالمي ذي القطبين، وهو ما سمح بإقامة هذا النظام على مدى نصف قرن تقريباً بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. فالدولتان الكبريان تمكنتا من التحكم النسبي في الوضع العالمي وقد بقي هنالك الكثير من الاختراقات والفوضى، فكيف حين يخرج الاتحاد السوفيتي من الميدان لتنفرد أميركا بإقامة نظام دولي جديد أي إخضاع العالم وضبطه.
 
من هنا يمكن القول إن أميركا أصبحت أضعف، بمعنى من المعاني، لأن الحِمْل أصبح فوق طاقتها وإمكاناتها. ولهذا كان لا بدّ من أن تنوء تحته ويفلت الزمام. وهذا ما أثبته الواقع العالمي منذ العام 1995، إذ بدأت تتعالى الأصوات التي تطالب بتعدّد القطبية. وقد تكرّست هذه المعادلة الآن وأصبحت أميركا أضعف كثيراً مما كانت عليه طوال القرن العشرين.
 
لهذا لا معنى أن تصوّت الجمعية العامّة في هذه المرحلة من التاريخ منقادة وراء إرادة أميركية كما فعلت في العام 1991.
 
تصويت أكثر من مائة دولة في مصلحة مشروع قرار دان إيران عملياً، وذلك بتأكيد ادّعاء جرمي يتعلق بالمحاكم المدنية قبل أن يقدَّم حتى إلى المحكمة المعنية، فالتهمة ما زالت في مرحلة الادّعاء ومن دون أن تقدّم أية دلائل ملموسة، ومع ذلك لم تحترم الدول التي صوّتت في مصلحة القرار المذكور نفسها وكرامتها وعقلها، إذ كيف يجوز دعم ادّعاء لم يثبته قرار المحكمة المعنية.
 
فإذا كانت الجمعية العامّة قد صوّتت عام 1991 تحت ضغوط الإرهاب النفسي من الدكتاتور العالمي القادم، فكيف يفسّر التصويت في وقت أصبحت فيه أميركا ضعيفة جداً. وأصبح بمقدور الدول أن تتحرّك باستقلالية أقوى من أيّة مرحلة سابقة.
 
"
أصبحت أميركا أضعف كثيراً مما كانت عليه طوال القرن العشرين, لهذا لا معنى أن تصوّت الجمعية العامّة في هذه المرحلة من التاريخ منقادة وراء إرادة أميركية كما فعلت في العام 1991
"
لا تفسير لذلك إلاّ حالة هزال عالمية ضربت بعشرات الدول فجعلتها تنقاد إلى تبعية ليس لها من أساس في ميزان قوى. فالهزال العالمي الذي يضرب بعشرات تلك الدول أخذ يشكّل حالة من الميوعة والسيولة وفقدان البوصلة على المستوى العالمي، الأمر الذي يسمح بالقول إن ضعف السيطرة الأميركية على العالم لم يؤدّ إلى ظاهرة استقلال عامّة تشمل الغالبية الساحقة من دول العالم الثالث، وإنما إلى بقاء نسبة الدول التي تحافظ على استقلالها وتعزّز من دورها الداخلي والإقليمي لم يتحوّل إلى غالبية عالمية بعد.
 
وبالمناسبة، قد تكون هذه المعادلة طريقاً لانتفاضات شعبية كما حدث ويحدث في البلاد العربية وفي عواصم الغرب ضدّ النظام الرأسمالي العولمي.
 
لقد عبّر عن ظاهرة هزال الدول آنفة الذكر قرارٌ آخر أخذته الجمعية العامّة ضدّ سوريا. كما قرار الجامعة العربية الذي اتخذ من المبادرة العربية الخاصّة بسوريا معبَراً لقرار تعليق عضويتها في الجامعة، ثم التوجّه نحو العقوبات والتدويل.

فبدلاً من الإفادة القصوى من ضعف أميركا عالمياً وإقليمياً أخذ ينشأ تهافت إلى طلب تدخلها عسكرياً أو سياسياً في الصراعات المتولّدة عن الانتفاضات والثورات العربية.
 
وهكذا عوضاً عن زيادة دول العالم الثالث عموماً والدول العربية خصوصاً من استقلاليتها وتحرّرها من الهيمنة السياسية والاقتصادية التي فرضتها عليها أميركا بالقوّة أو الاحتلال أو الابتزاز، برزت ظاهرة عالمية وعربية اتسّمت من قِبَل عدد غير قليل من الدول بالهزال والتبعية إلى حدّ الانقياد للموافقة على قرارات تُسيء لكرامة تلك الدول وعقولها.

وهنا يبرز السؤال، كيف تفسّر هذه الظاهرة حين تختار التبعية في ظروف فُقدت فيها أسباب التبعية التقليدية، أي قوّة أميركا وسطوتها وبطشها.
 
وكان هذا هو الحال بالنسبة إلى بريطانيا وفرنسا قبل ذلك؟
لعل أهم سبب لهذه الظاهرة يكمن في انتشار الفساد الشخصي للحكام وعائلاتهم وحاشيتهم. فعندما أصبح الفساد يصل إلى المليارات من الدولارات بل العشرات والمئات من المليارات، يُحتّم ذلك تصدير تلك المليارات إلى أميركا وأوروبا بحثاً عن الملجأ الآمن لأموال الفساد، في حين لا يضمن مستقبل البلد المعني بالتستر عليها، أو عدم وقوعها في أيدي أيّة ثورة أو أيّ انقلاب، وانتقال للسلطة.
 
من هنا أصبحت أموال الفساد سبباً رئيساً لاستمرار التبعية والخضوع المذّل. فالتبعية الراهنة لم تعد تبعية للسيد الدولي القوي وإنما تبعية للسيد الدولي وهو ينهار ويفقد سيطرته على مقاليد النظام العالمي، فالتبعية هنا نابعة من الفساد المالي للفاسدين الذي يودعون أموالهم بنوك الغرب وشركاته وعقاراته.

"
من أهم أسباب التبعية لأميركا -رغم أنها فقدت سطوتها وبطشها- هو انتشار الفساد الشخصي للحكام وعائلاتهم وحاشيتهم
"
طبعاً هنالك السبب الثاني الذي لا يقلّ أهمية، وهو الخوف من الداخل ولا سيما مع تجربة الثورات العربية وسقوط رؤوس من نمط زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمر القذافي.
 
على أن هذين العاملين للتبعية لا يشكلان أساساً متيناً قابلاً للديمومة، فكلاهما سيكون قصير العمر لأن الموجة الشعبية آخذة بالتحرّك بقوّة ضدّ الفساد الذي ولّدته العولمة كما هي ضدّ العولمة نفسها في عقر دارها.
 
ولأن الخوف من الداخل أصبح الآن تحت ضربات الثورات والانتفاضات، ومن ثم فإن المستقبل القريب لن يكون في مصلحة استمرارية التبعية لأميركا وهي على شفا هاوية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك