محمد علوش

محمد علوش

إعلامي وكاتب سياسي لبناني


 
في الوقت الذي كان المراقبون يحصون فيه عدد الساعات المتبقية للرئيس نجيب ميقاتي في رئاسة الحكومة، مع دنو المهلة التي ضربتها المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رفيق الحريري للحكومة اللبنانية كي تقوم بالتزاماتها المالية تجاه المحكمة قبل أن تتوجه الأخيرة إلى مجلس الأمن لإخباره بتنصل لبنان من واجباته، فاجأ نجيب ميقاتي الجميع بخروجه في صبيحة ليلة ملبدة بالتشنجات السياسية أمام وسائل الإعلام اللبنانية، ناقلاً لهم خبر تحويل حصة لبنان من تمويل المحكمة، لأن التمويل "قرار وطني، ويحمي لبنان من تداعيات ما يحصل حوله"، على حد قوله.
 
مفاجأة لم تكن تخطر على بال أحد باستثناء أولئك الذين كانوا ينشطون على خط الوساطة بين حزب الله وميقاتي، وفي مقدمتهم نبيه بري رئيس مجلس النواب الذي هندس عملية الخروج لحزب الله من الموقف الحرج الذي وضع نفسه فيه أمام أنصاره وخصومه، حيث الحزب لم يترك مناسبة دون أن يؤكد فيها على رفض التمويل وأن أي حكومة ستتشكل في لبنان لن تكتفي بقطع التمويل فقط بل ستعمد إلى سحب القضاة اللبنانيين منها.
 
"
تمويل المحكمة كان مفاجأة لم تكن تخطر على بال أحد، باستثناء أولئك الذين كانوا ينشطون على خط الوساطة بين حزب الله وميقاتي، وفي مقدمتهم نبيه بري، لإخراج حزب الله من الموقف الحرج
"
والحقيقة أن الحرج لم يقف عند أعتاب الضاحية الجنوبية، بل امتد إلى سلالم عين التينة حيث يقطن نبيه بري الذي لم يألُ جهداً في اكتشاف القطبة المخفية التي تُخرج حزب الله من حرجه أمام جمهوره، عبر اقتراح تفتقت عنه قريحته يقضي بقيام ميقاتي بتمويل حصة لبنان في المحكمة من أموال "الهيئة العليا للإغاثة"، وهي هيئة تتبع مباشرة لرئيس الحكومة.
 
واللغز في تحرك بري أنه سعى جاهداً لإسناد الحكومة كي لا تسقط أرضاً، وهو نفسه الذي أقفل مجلس النواب عامي 2006 و2007 بوجه إقرار النظام الأساسي للمحكمة، الأمر الذي أدى إلى إصدارها عن مجلس الأمن تحت الفصل السابع آنذاك!
 
أما الحديث عن التيار الوطني الحر، الشريك الآخر في الحكومة، ففيه الكثير من الشجون، إذ إن التيار حتى اللحظة الأخيرة كان يزايد على حزب الله في التهجم على المحكمة والتأكيد على عدم تمويلها، وقد بلغ الحماس برئيسه ميشال عون أن قال قبل أيام قليلة فقط: "إذا أراد ميقاتي أن يمول المحكمة فليموّلها من جيبه وجيب أخيه، فهما يملكان مليارات الدولارات ولا يضرهما التبرع ببضع ملايين".
 
ليس جديداً على التيار الوطني الحر أن يذهب إلى أقصى يمين حزب الله ثم يعود إلى حدود ما يرسمه الحزب في لعبة المد والجذب، مقابل تحصيل امتيازات جديدة في الوزارات وداخل المؤسسات الرسمية تضمن له تفوقاً على منافسيه السياسيين، وهو الذي يستعد بكل ما أوتي من قوة للحفاظ على أكبر تمثيل للمسيحيين في الانتخابات النيابية القادمة.
 
ميقاتي الرابح الأكبر
من الممكن القول إن الوحيد الذي خرج منتصراً في معركة التمويل من قوى 14 آذار و8 آذار هو الرئيس نجيب ميقاتي، حيث قوى 14 آذار كانت تراهن على إسقاط حكومة حزب الله (كما يسمونها) مع اقتراب استحقاق التمويل، إضافة إلى تعرية الرئيس ميقاتي سياسياً وإحراجه أمام جمهوره السني بالتفريط بدم الرئيس الحريري، في حين مُني حزب الله وحلفاؤه بخيبة أمل كبيرة مع إصرار ميقاتي على التمويل أو الاستقالة. وهكذا استطاع الرئيس ميقاتي أن يكسب بالنقاط ما يلي:
 
• سحب البساط من تحت أقدام من يحرضون عليه ويتهمونه بالخضوع لحزب الله، وظهر كندٍ واضح لحزب الله عصيٍّ على العصر تحت أي ضغط سياسي.
 
• منحته عملية التمويل مصداقية داخل الساحة السنية، حيث يحرص على تعزيز صورته داخلها وتحديدا في مدينته طرابلس حيث الثقل السني المؤيد للمحكمة الدولية، فضلاً عن ظهوره بصورة "الوسطية" وهي صفة لطالما تغنى بها في بلد تقتله الانقسامات السياسية.
 
•  اكتساب مصداقية عربية ودولية، وتجنيب لبنان مواجهة حالياً مع المجتمع الدولي.
 
حزب الله يخسر
لا شك أن جمهور حزب الله صُدم بعدم عرقلة الحزب لتمويل محكمة يقول إنها محكمة إسرائيلية تفتري على حزب الله للنيل من المقاومة، ولم يفهم بعد الأسباب التي دفعت الحزب إلى "التطنيش" عن موضوع التمويل؟
 
وللتخفيف من تداعيات هذه الأسئلة المتدحرجة على صورة الحزب، كان لا بد من خروج السيد نصر الله شخصياً ليؤكد في خطاب طويل مليء بالإرباك والتشنج، أن الحزب لم يكن راضياً عن التمويل ولا عن الطريقة غير الدستورية التي تم بها، مطالباً ميقاتي بإعادة فتح ملف شهود الزور من جديد، مذكراً في الوقت ذاته أن حزبه رفض سابقاً عرضا تركيا قطريا بخصوص تسوية ملف المحكمة حرصاً على الوحدة الوطنية، وهو اليوم لم يرد أن يفتعل مشكلة حرصاً على الاستقرار الداخلي.
 
وهنا يحق لنا أن نتساءل، إذا كانت المحكمة أميركية إسرائيلية -كما تعتقد وتؤكد دائما- فهل يجوز شرعاً ووطنياً تمويل أداة تقوي العدو لضرب لبنان والمقاومة؟ ثم هل يجوز البقاء والمشاركة في حكومة تدعم العدو في التآمر على المقاومة، وتضفي عليه الشرعية من خلال تمويل أداته الوحيدة لضرب المقاومة وهي المحكمة؟
 
وإذا كان الحرص على الاستقرار حال دون عرقلة التمويل، فأين كان ذلك حين تم إسقاط حكومة سعد الحريري بإشارة من الحزب بعد أن انسحب 11 وزيراً له ولحلفائه منها. وقد جاء في بيان الاستقالة للوزراء الذي تلاه جبران باسيل آنذاك في 12 يناير/كانون الثاني 2011، أن سبب الاستقالة هو رفض سعد الحريري عقد جلسة لمجلس الوزراء لمناقشة سحب لبنان كل أشكال التعاون مع المحكمة الدولية الخاصة.
 
"
خطاب نصر الله زاد من تأجيج المشهد السياسي العام أكثر مما هدأه، حتى داخل مكونات الحكومة التي تخطو خطوة وتتعثر بخطوتين مما قد يعجل بوفاتها
"
أما الحديث عن رفض الوساطة التركية القطرية، فيعزو كثير من المراقبين رفض الحزب لها -وقبلها إفشال الحوار السعودي السوري- إلى وجود بند في التسوية ينص على إنهاء المظاهر المسلحة داخل المدن وخارجها والتعهد بعدم تكرار استعمال السلاح في حل الخلافات السياسية كما حصل في 7 مايو/أيار 2008.
 
بل أكثر من ذلك أن خطاب نصر الله الذي توجه فيه بالنقد للرئيس ميقاتي ومطالبته إياه -بما يشبه الإملاءات- بتنفيذ مطالب التيار الوطني الحر وإعادة تفعيل ملف شهود الزور، فضلاً عن تحذير تيار المستقبل من العودة لما كان عليه قبل أحداث 7 مايو/أيار، زاد من تأجيج المشهد السياسي العام أكثر مما هدأه، حتى داخل مكونات الحكومة التي تخطو خطوة وتتعثر بخطوتين مما قد يعجل بوفاتها.
 
الأسباب الحقيقة لتمرير التمويل
ربما من خيبات حزب الله أنه يدير السلطة في لبنان في وقت ربما كان المناسب له أن يكون خارج الحكم إذا ما أراد أن ينأى بنفسه عن أي ضغط.
 
ولعل الحزب حين اتخذ قرارا بالانقضاض على حكومة الحريري والسير بحكومة يكون هو فيها الآمر الناهي لم يدر في خلده -ولو للحظة- أن تسونامي كبيرا سوف يضرب سوريا فيجعلها معزولة عن محيطها العربي والإقليمي. ومن هنا فإن الأحداث التي تمر بها سوريا اليوم ضيقت من خيارات الحزب في المناورة، كما أن وجوده في السلطة أملى عليه إعادة حساباته في التعاطي مع الداخل والخارج.
 
إزاء ذلك لم يعد بمقدور الحزب المجازفة بحكومة ميقاتي وهو اليوم أحوج ما يكون إليها لتمرير الوقت حتى تسفر الأيام القادمة عن مصير المعركة القائمة في دمشق بين النظام ومعارضيه، ولخشيته في حال سقطت الحكومة أن تعم الفوضى وتنتشر على الحدود اللبنانية السورية مما يسهل عمليات عبور المقاتلين والسلاح إلى المدن السورية، فضلاً عن أن بقاء الحكومة يساعد النظام السوري في فك عزلته والتنصل من العقوبات المفروضة عليه عربيا ودولياً.
 
أما على الصعيد الداخلي، فللحزب اعتبارات لا تقل أهمية عن الاعتبارات الخارجية، فالأفضلية التي يتمتع بها حالياً قد لا تتوفر له في أي حكومة قادمة. كما أن استقالة ميقاتي تعني عودة سعد الحريري وبقوة لتزعم الساحة السنية مما يشكل ضربة قاصمة للحزب الذي يسعى إلى تبديد شعبية الحريري داخل بيئته السنية.
 
"
التمويل حمل خفيف مقابل العبء الثقيل الذي يترتب على انهيار الحكومة، ليس أقله عجز الحزب عن مواجهة الإجراءات السياسية والاقتصادية التي قد يفرضها مجلس الأمن على لبنان
"
ثم إن الحكومة الحالية منوط بها سنّ قانون انتخاب تمهيداً للانتخابات النيابية القادمة، ومن مصلحة حلفاء حزب الله وجود قانون يكفل عودتهم كأكثرية برلمانية. ولعل أبرز ما تتجلى هذه الغاية هي عند الجنرال عون الذي يواجه منافسة قوية من خصومه المسيحيين في المناطق المسيحية.
 
وهكذا يصبح التمويل مجرد تفصيل وحمل خفيف مقابل العبء الثقيل الذي يترتب على انهيار الحكومة، ليس أقله عجز الحزب عن مواجهة الإجراءات السياسية والاقتصادية التي قد يفرضها مجلس الأمن على الدولة اللبنانية.
 
تمويل المحكمة لم يطو صفحة الاشتباك الداخلي كما كان يريد حزب الله، بل فتح ملفاً جديداً في حربه مع خصومه الذين يرون أن المصداقية والمبدئية -التي يدّعي الحزب أنه يتمايز بها عن الأحزاب السياسية التي تحركها لعبة المصالح- قد سقطت سقوطاً مدوياً بل أصبحت مثالاً للتندر.
 
ويبقى من تداعيات موقف الحزب أن الأخطر في الموضوع لم يأت بعد ولا يستطيع الحزب لجمه، وهو تجديد البرتوكول الموقع بين الدولة والحكومة وما يتلوه من خطوة تعاون الحكومة في تسليم المطلوبين للعدالة الدولية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك