غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


يطرح التحرك العربي تجاه سوريا، سواء ما تعلق منه بالمبادرة الهادفة إلى إيجاد مخرج للأزمة السورية، أو ما أفرزته من عقوبات اقتصادية، سؤالاً حول الجدوى والفاعلية المراد تحقيقها من وراء هذا الحراك، وهل كان بالأصل لدى الجامعة العربية قناعة بقدرتها على أن تكون طرفاً ذا فاعلية في الأزمة السورية؟
 
"
ترى سوريا أن معيار قومية سياسة أية دولة عربية هو مدى دعمها للسياسة السورية، وأن أي خلاف في التوجه والرؤى مع سوريا يعني التشكيك بمدى الالتزام القومي العروبي
"
يشير تاريخ التعامل السوري مع الجامعة العربية، وخاصة منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، إلى سعي القيادة السورية إلى تحويل طبيعة العلاقة بين الطرفين إلى علاقة وظيفية لمصلحة توجهات القيادة السورية وخدمة لسياساتها الإقليمية، وكان قد بدأ بهذا التحول عبر توظيف الجامعة في إصدار قرار يؤيد دخول قوات عربية إلى لبنان توكل قيادتها إلى الطرف السوري، ثم ليصار بعد ذلك إلى استحواذ سوريا على الوضع اللبناني حتى عام 2005، وما نتج عنه من استخدام لبنان كأحد أوراق القوة والضغط والتساوم في مواجهة العرب والعالم.
 
ولعل هذا التوجه السوري، في حينه، حمل في طياته قناعة ضمنية بجدوى التحرك المنفرد من أجل تحقيق الإستراتيجية السورية الإقليمية دون الإعلان على ذلك، بل على العكس، فقد بقي الخطاب السوري مفعماً بشعارات القومية العربية والدعوة إلى توحيد الجهود العربية، ولكن وفق الرؤية السورية التي تضع الأولويات وتحدد الأخطار والأعداء والحلفاء وترسم تالياً خطط وإستراتيجيات المواجهة، وكل ذلك دون الالتزام العملي بالمعنى الشمولي للأمن القومي، الذي لم يشمل، في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، العراق المهدد بالدمار على يد إيران الإسلامية الصاعدة.
 
وبناء على هذا التوجه سوف تدخل العلاقات السورية العربية في طور جديد يرتكز على حقيقة ذات جذر براغماتي صرف أدرج في سياسة اشتراكية راديكالية، مفاده أن كل سياسة عربية مؤيدة للتوجهات والرؤى السورية هي سياسة صحيحة من جهة وذات بُعد عربي وقومي من جهة أخرى، بمعنى أن معيار قومية سياسة أية دولة عربية هو مدى دعمها للسياسة السورية، وأن أي خلاف في التوجه والرؤى مع سوريا يعني التشكيك بمدى الالتزام القومي العروبي.
 
ومع أسف من أن النظام السوري استطاع تعميم هذه القاعدة عربياً، مستفيداً في ذلك من بعض الظروف العربية، خاصة تشدده تجاه الصلح المنفرد الذي عقدته مصر مع إسرائيل، وانشغال دول الخليج العربي بالحرب العراقية الإيرانية، حتى تحولت هذه القاعدة إلى نمط من الإرهاب السياسي الذي ينطوي على التخوين والتهديد لكل سياسة عربية مخالفة لسوريا أو ناقدة لأداء سياساتها الإقليمية في لبنان وفلسطين والعراق.
 
"
في عهد بشار الأسد، اتجهت السياسة السورية إلى اعتماد التحالف مع إيران أساساً وبديلاً إستراتيجياً نهائياً عن الإطار الأمني العربي، مع الإبقاء على الخطاب السياسي القومي كإضافة ديكورية
"
غير أن قاعدة العمل هذه كان من نتيجتها إرهاق العمل العربي برمته، وتدمير كل ممكنات التطور فيه، الأمر الذي كان له الأثر الواضح في إطار النظام الإقليمي العربي وتبعاً له العمل العربي المشترك برمته، والناتج عن إحساس الكثير من الأطراف العربية بعدم جدوى هذا الإطار طالما لا يتم الأخذ برؤاها وتصوراتها وحتى هواجسها ومخاوفها، وطالما أن الجامعة العربية قد جرى اختطافها -دون مسوغ واقعي- من قبل بعض "القومجيين" العرب، سوريا وليبيا القذافي، المتصارعتين مع نظام صدام حسين (جناح القومية الآخر)، والجزائر المتصارعة مع المغرب والمنكرة عليه قوميته وعروبته، الأمر الذي سينتج عنه ابتداع فكرة المجالس العربية القائمة على أساس الاتحاد والتعاون بين الدول على أساس إقليمي (مجلس التعاون الخليجي) و(اتحاد المغرب العربي) و(مجلس التعاون العربي الذي ضم العراق والأردن ومصر واليمن الشمالي). وبقيت سوريا خارج أي إطار عربي إقليمي، وحاولت تعويض ذلك عبر تشديد سيطرتها على لبنان وقسم من التنظيمات الفلسطينية.
 
ولاحقاً، وفي عهد الرئيس بشار الأسد، سوف تتجه السياسة السورية -وخاصة بعد الاحتلال الأميركي للعراق- إلى اعتماد التحالف مع إيران أساساً وبديلاً إستراتيجياً نهائياً عن الإطار الأمني العربي، مع الإبقاء على الخطاب السياسي القومي كإضافة ديكورية وليس خياراً إستراتيجياً.
 
بل سيتحول الاندماج السوري في الإطار العربي إلى مجرد حالة شكلية عند الانفتاح الإستراتيجي الكبير في العلاقات مع تركيا، حيث سيتم تكييف الخطط الإقليمية وتهيئة الواقع الجيوستراتيجي السوري، بما فيه الواقع الاقتصادي والإمكانيات اللوجستية والوضع الإستراتيجي برمته، بما يتناسب والرؤى التركية وتوجهاتها في الدخول إلى المنطقة العربية عبر البوابة السورية، وذلك في إطار المشروع الذي أطلق عليه في حينه (مشروع الربط الإستراتيجي للبحور الخمسة).
 
وبالرغم من حالة الانفتاح العربي على سوريا بعد حرب لبنان 2006 -والتي قادتها بعض دول الخليج العربي (قطر، الإمارات، الكويت) عبر الاستثمار الاقتصادي في سوريا والانفتاح السياسي على قيادتها- فإن هذه الحالة لا تعكس جهداً سورياً في هذا الإطار أو حتى مجرد مراجعة دبلوماسية وإستراتيجية ومحاولة إعادة تموضع جديدة تستفيد من المعطيات المتمثلة بالنهوض الخليجي الحاصل في السياستين الإقليمية والدولية، بقدر ما يعكس توجهاً إستراتيجياً خليجياً يسعى إلى إعادة دمج سوريا في الإطار العربي بهدف تعزيز التوازنات الحاصلة في المنطقة على إيقاع الأطماع الإيرانية الناهضة والاستدارة التركية باتجاه الشرق، فضلاً عن التعنت الإسرائيلي وتحديه المستفز للعالم العربي.
 
وبالطبع لم تشهد هذه المرحلة تخلياً نهائياً، من قبل سوريا، عن الإطار العربي، وإن جرى على الأرض تأسيس وقائع إستراتيجية تخالف ذلك، إذ طالما أدرك صانع السياسة الخارجية السورية أن الدور الوظيفي للإطار العربي ما يزال من الممكن استثماره، وخاصة لجهة إمكان تشكيل شبكة أمان عربية تحمي النظام من الأخطار التي تجسدت في فترات معينة من العقد الأخير، وتحميه من الاستهداف وخاصة بعد اتهام سورية بالضلوع في اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري وتشكيل محكمة دولية للتحقيق في هذا الأمر.
 
باستثناء ذلك، لم يكن للعرب أي تأثير سياسي أو دبلوماسي من وجهة النظر السورية، وبقيت قاعدة التعامل في هذا السياق قائمة على أساس أن المطلوب من العرب القيام بوظائفهم تجاه سوريا تنفيذاً لالتزاماتهم العربية والقومية، دون السماح بالتأثير في التوجهات والسياسات التي تعد شأناً داخلياً. من هنا  يبدو أن العتب السوري على العرب ناتج عن الإيمان بهذه القاعدة، إذ إن المطلوب عربياً تقديم المساعدة المادية والدبلوماسية في مواجهة (العصابات المسلحة)، على ما تمنى وزير الخارجية وليد المعلم، وترك قضية التعامل مع مطالب الشعب للإدارة السورية باعتبارها شأناً داخلياً محضاً.
 
"
يشير السلوك السوري تجاه بيئته العربية إلى حقيقة رؤية النظام للإطار العربي وتقديره لإمكانياته القائمة أصلاً على عدم الثقة بإمكانيات وقدرات النظام العربي
"
وفي واقع الأمر، يشير السلوك السوري تجاه بيئته العربية إلى حقيقة رؤية النظام للإطار العربي وتقديره لإمكانيات هذا الإطار القائمة أصلاً على عدم الثقة بإمكانيات وقدرات النظام العربي، الأمر الذي ينعكس سلباً على استجاباته للمطالب العربية، فإذا كان المطلوب تقديم أي شكل من أشكال التنازل في مواجهة الثورة الدائرة في سوريا فإن ذلك يستدعي تقديمها إلى أطراف دولية ذات فعالية أكبر.
 
كما أن التنازلات، فضلاً عن ضرورة إرفاقها بضمانات محددة، فإن مفاعيلها  يتوجب أن تتجه للمستقبل، بمعنى إعادة تأهيل النظام دولياً، والضغط على إسرائيل لإعادة الجولان، كي يظهر النظام وكأنه تجاوز (المؤامرة) بنصر مؤزر يشرعن بقاءه مديداً، وبغض النظر عن مدى شطح مثل هذه التصورات، هل يملك العرب ومبادرتهم الواقعية جداً مثل تلك المطامح والآمال!

المصدر : الجزيرة

التعليقات