سيف دعنا

سيف دعنا


من التاريخ
خلل في السردية
من التاريخ مجددا

فيما يأتي طلب الدولة الفلسطينية (ما سمي استحقاق أيلول) في مجلس الأمن لخاتمته المتوقعة, يتكشف أكثر من أي وقت مضى مدى إفلاس الخطاب السياسي التسووي ومدى إفلاس البُنى والنخب السياسية التي تقود العمل السياسي الفلسطيني.
 
ليست هذه التجربة الأولى لهذا النهج وليس هذا أول الفشل. ومن أجل المضي قدما, يتوجب أولا نبذ طغيان فكرة الدولة ونهج التسوية على العقل السياسي الفلسطيني والإقرار بإفلاسهما, لأن ذات النهج سيعيد القضية الفلسطينية فعليا إلى مرحلة ما قبل انطلاقة الثورة. 
 
من التاريخ
يروي الشهيد صلاح خلف (أبو إياد) -أحد مؤسسي حركة فتح وعضو لجنتها المركزية- في "فلسطيني بلا هوية" أن فكرة القبول بدويلة في الضفة الغربية وغزة كان قد تم تداولها في أروقة القيادة الفلسطينية مبكرا ومنذ يوليو/تموز 1967, أي بعد حوالي شهر واحد فقط على هزيمة يونيو/حزيران 1967.

فلقد "تقدم فاروق القدومي" يقول أبو إياد, "من اللجنة المركزية في فتح بتقرير سياسي يعرض فيه الإستراتيجية والتكتيك اللذين يجب أن نتبناهما في حركتنا. وفي هذه الوثيقة الآنفة نجده يقترح علينا أن نعلن تأييدنا لقيام دويلة في الضفة وغزة في حال إعادة إسرائيل لهذه الأراضي التي كانت احتلتها لتوها" (فلسطيني بلا هوية, ص: 151).

"
تجربة الحرب الصهيونية على لبنان والثورة الفلسطينية في لبنان عام 1982 يمكن أن تشكل نموذجا لفهم الخلل البنيوي السياسي والعسكري والثقافي الذي عانت وتعاني منه التجربة الفلسطينية

"
وتبرير هذه الرؤية, كما جاء على لسان أبو إياد, أنه "كان من البديهي, أنه كائنا ما كانت انطلاقة وبأس حرب العصابات ضد الدولة الصهيونية, فإنها تظل في المدى المنظور, دولة لا تقهر ولهذا فإن عدم توقع المرور بمراحل مؤدية إلى الهدف الإستراتيجي الذي هو إقامة دولة ديمقراطية على كامل فلسطين, يكون أمرا من قبيل الوهم والخيال" (المصدر السابق, ص: 151). لكن, ولأسباب يبدو أنها جماهيرية وتنظيمية بالأساس "فقد قررنا," يقول أبو إياد, "إحالة تقرير القدومي إلى المحفوظات بانتظار مجيء أيام أفضل" (المصدر السابق, ص:151).

والأيام "الأفضل" جاءت فعلا بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973. فلقد كان السادات يتحدث عن ذهابه باتجاه التسوية, أو ما سماه "مؤتمر سلام", ويدعو القيادة الفلسطينية للاستعداد للمشاركة فيه حتى قبل الحرب (في لقاء جمعه مع أبو إياد وعرفات والقدومي في 9 سبتمبر/أيلول 1973) وأيضا بعد يومين فقط من وقف الحرب (في لقاء جمعه مع فاروق القدومي وأبو إياد في 26 أكتوبر/تشرين الأول 1973), كما روى أبو إياد (المصدر السابق, ص 132- 139). الأيام "الأفضل" جاءت, لكنها أثمرت إسقاط شعار التحرير (تحرير فلسطين) ورفع شعار "تحدي السلام" (عنوان الفصل السابع من مذكرات أبو إياد) وهو ذات المشروع الذي تبناه المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشرة في يونيو/حزيران 1974 في القاهرة.
 
لكن يبدو الآن من تفاصيل التاريخ اللاحق, أن هذه الفكرة (الدويلة كما سماها أبو إياد) التي طغت على العقل السياسي الفلسطيني, حتى قبل سيطرة فصائل المقاومة على مؤسسات منظمة التحرير, لم تكن محصورة في إطار الخواطر والخيالات, وبالتأكيد لم تبق في إطار التكتيك السياسي كما افترضت وثيقة القدومي. بل أصبحت إستراتيجية شاملة أعادت جذريا تشكيل صيغة وأداء البنية السياسية والعسكرية للثورة الفلسطينية وطالت بتأثيراتها حتى السردية الفلسطينية التي كانت تتحول مع كل تحول للنخبة الفلسطينية فتصنع من الهزيمة نصرا.

ففي تعليقه على نتائج الحرب الصهيونية على لبنان في عام 1982 لاحظ المفكر العربي صادق جلال العظم أنه "بدلا من أن تفجر بيروت 82 مناقشات مشابهة (لما حدث بعد حرب 1967 وأحداث أيلول 1970) أو تؤدي إلى محاولات مماثلة في صدقها النقدي أو نفاقها التمويهي, امتازت بتجاوز ذلك كله باتجاه مستوى جديد من الانحطاط قوامه الهستيريا الخطابية المديدة والكاسحة لا أكثر." (صادق جلال العظم: بيروت 82 والأسئلة الفلسطينية الصعبة, السفير اللبنانية, 20/6/1984).

وتجربة الحرب الصهيونية على لبنان والثورة الفلسطينية في لبنان عام 1982 يمكن أن تشكل نموذجا لفهم الخلل البنيوي السياسي والعسكري والثقافي الذي عانت وتعاني منه التجربة الفلسطينية.

فبرغم التضحيات الهائلة التي قدمها الشعبان الفلسطيني واللبناني, لم يُطرح بعد الغزو الصهيوني أي سؤال جدي حول تأثير الخيارات السياسية لقيادة المنظمة (التسوية) على دور وأداء البنية العسكرية للثورة الفلسطينية. فلم تُطرح أسئلة وأجوبة جدية حول أسباب "الانهيار القتالي والتنظيمي المفاجئ والصاعق في الجنوب ساعة بدء الاجتياح الإسرائيلي" و" الغياب المذهل لأي نوع من أنواع حرب العصابات المنظمة نسبيا والقادرة على النمو المتصاعد." بمعنى أن تبني مشروع التسوية استتبع إعادة تشكيل جذري للثورة الفلسطينية, وهو ما يفسر شكل البنية العسكرية وأداءها في حرب 1982 والتشويه الذي طال السردية الفلسطينية لتصبح في خدمة برنامج النخبة السياسية وتخنق بالتالي أي تساؤل.

خلل في السردية
هذا الاستنتاج أو التساؤل الجدي الذي طرحه المفكر السوري في أعقاب حرب لبنان جدير بالملاحظة والاهتمام في هذه الأيام. فجذور الفشل العسكري الفلسطيني في لبنان, كما رأى العظم, كانت سياسية بالأساس, لا عسكرية بحتة أو بسبب عدم استعداد الشعب الفلسطيني لتقديم التضحية التي قدم منها الكثير كما تدلل على ذلك أعداد الشهداء الكبيرة والبطولات الأسطورية للأفراد.

"
الخطأ في الخيارات السياسية الكبرى قد تكون له نتائج كارثية كما دللت تجربة المنظمة في لبنان. لكنها تصبح جريمة إذا أصر أصحابها عليها ثلاثين عاما أخرى مهما زَيّنوها ببطولات مزيفة وإنجازات وهمية
"
فمنظمة التحرير التي وافقت على نهج التسوية في عام 1974 لم تشكل جيشا تقليديا لمواجهة الغزو الصهيوني, ولم تشكل جيش عصابات ثورية لمواجهة الغزو أيضا كما يُفترض بحركة تحرر وطني تسعى لتحرير وطنها أن تفعل. بل, يبدو أن القيادة كانت تحاول بناء شبه جيش نظامي لنقله للضفة الغربية وغزة على اعتبار إمكانية نجاح التسوية (المصدر السابق). أن تقود إستراتيجية التسوية القيادة الفلسطينية, ومبكرا جدا, للعمل على تجهيز جيش لحكم شعبها المحتل, بدل الالتفات للتجهيز لمواجهة العدو لا يشير إلى حالة وهم فقط, بل إلى حالة طغيان للوهم على العقل السياسي الفلسطيني. لكن, كل هذا التجهيز لوهم الدويلة والإعداد لحكمها, تم, كما يشير العظم, تحت ستار شعار الكفاح الشعبي المسلح.

الخطأ في الخيارات السياسية الكبرى قد تكون له نتائج كارثية كما دللت تجربة المنظمة في لبنان. لكنها تصبح جريمة إذا أصر أصحابها عليها ثلاثين عاما أخرى مهما زَيّنوها ببطولات مزيفة وإنجازات وهمية.

هي جريمة ليس لأن البطولات المزيفة تصبح حقائق في الخطاب السائد, بل أيضا لأن الخلل المتنامي في السردية التي تحولت وتغيرت بتحول وتغير طبيعة النخبة السياسية والاقتصادية الفلسطينية أصبح يشكل خطرا وجوديا على المشروع الوطني برمته.

فمن خطاب التحرير في البداية إلى الانخراط في التسوية أُعيدت القضية الفلسطينية فعليا إلى مرحلة ما قبل انطلاقة الثورة عام 1948. فالاعتراف بالقرار 242, مثلا, ينقض فعلا كل ما حققته الثورة الفلسطينية ويسلب القضية طابعها الوطني الذي أُنجز بالدم.

التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر بحاجة لإعادة تركيب وإعادة سرد لتفسير الأسباب التي دفعت المشروع الوطني الفلسطيني إلى حالته الراهنة. فالسردية الفلسطينية الرسمية التي يغيب عنها أي إقرار جدي بالفشل في أي مرحلة من المراحل السابقة, أو حتى مجرد أشارة لأي مسؤولية عن هذا الفشل, لا تفسر شيئا (حتى لو كنا أمام كارثة طبيعية لكان يتوجب احتراما للعقل التعامل معها بطريقة أخرى). على العكس, فهذه الرواية طُبِعَتْ بأمجاد وانتصارات وإنجازات قيادية وأحيانا حزبية زائفة مَنَعَتْ وما زالت تمنع بهيمنتها وبتضليلها التعاطي مع الأسئلة الجدية التي أنتجتها كل مرحلة من مراحل التاريخ الفلسطيني.
 
من أجل المضي قدما, يتوجب أولا الاعتراف بإفلاس الخطاب السياسي الفلسطيني التسووي وإفلاس البنى والنخب السياسية التي قادت العمل السياسي الفلسطيني. وهذا يستتبع تغييرا جذريا في مسلمات الفكر السياسي الفلسطيني وبنية العمل السياسي والعسكري الفلسطيني, ويبدأ بنبذ طغيان فكرة الدولة ونهج التسوية على العقل السياسي الفلسطيني. 
 
من التاريخ مجددا
ربما يكون الكيان الصهيوني هو آخر حالات الاستعمار الاستيطاني في عصرنا, إلا أنه ليس المحاولة الأوروبية الوحيدة لاستيطان أراض خارج القارة العجوز وإقامة مجتمع أوروبي الطراز على حساب وجود وثقافة وتاريخ الشعوب ألاصلية. على العكس, فإن التجارب الاستيطانية الاستعمارية الأخرى (وجزء منها في الوطن العربي كما تشير حالتا الجزائر وليبيا) تمتعت بإسناد بلد أُم (بالمعنى الإثني أو القومي) وهو ما يفتقر له الكيان الصهيوني. فالمستوطنون الفرنسيون (والأوروبيون) في الجزائر والإيطاليون في ليبيا كان بإمكانهم التعويل على إسناد أبناء جلدتهم في البلد الأُم.

صحيح أن هناك دعما غربيا (وأميركيا تحديدا) كبيرا للمشروع الصهيوني في فلسطين يُعَوِض بعض هذا الخلل البنيوي في المشروع الاستيطاني الصهيوني, ولكن التجارب السابقة تفيد بأنه في اللحظة التي يتحول المشروع الاستيطاني لعبء كبير لا تستطيع النخب السياسية والاقتصادية في البلد الأُم تحمله, يتم التخلي عنه وينهار.

ومشاهد مغادرة المستوطنين الفرنسيين والأوروبيين المنحدر أغلبهم من واحدة من أقوى دول العالم حينها لأرض الجزائر العربية قبل خمسين عاما فقط, والتي يجب أن تشكل إلهاما حقيقيا لأشقائهم الفلسطينيين في سعيهم لتحرير أرضهم, لم تكن ممكنة لأن فرنسا جمعية خيرية, أو لأن قيم ثورتها تتنافى مع استيطان أراضي الشعوب الأخرى (تم استعمار الجزائر بعد أكثر من أربعين عاما على الثورة الفرنسية).

ورغم أن ثوار الجزائر لم يشترطوا مغادرة المستوطنين في اتفاقيات ايفيان, إلا أن المستوطنين فهموا أن انتصار الجزائر يعني نهاية وجود مبني على استنزافهم لأرض ومصادر ليست لهم.

"
المقاومة الجزائرية الطويلة والعنيدة لم تجعل فقط من المشروع الاستعماري الفرنسي عبئا ثقيلا على النخب الفرنسية في البلد الأم, بل حطمت حتى بعض الأفكار التي تم تداولها حول تقسيم الجزائر وإقامة ما يشبه كيان "إسرائيل" على قسم منها
"
المقاومة الجزائرية الطويلة والعنيدة لم تجعل فقط من المشروع الاستعماري الفرنسي عبئا ثقيلا على النخب الفرنسية في البلد الأم لدرجة عدم إمكانية تحمله فقط, بل حطمت حتى بعض الأفكار التي تم تداولها حول تقسيم الجزائر وإقامة ما يشبه كيان "إسرائيل" على قسم منها.

فلقد كان ديفد بن غوريون (أول رئيس وزراء للكيان الصهيوني) قد اقترح فكرة تقسيم الجزائر على الرئيس الفرنسي شارل ديغول في عام 1960 (ربما لأنه أدرك خطر تعميم النموذج الجزائري على مستقبل كيانه).

لكن ديغول وبسبب المقاومة الجزائرية العبقرية كان قد استنتج عقم مثل هذا الاقتراح, رغم أنه فعل كل ما يستطيع لمساعدة المستوطنين.

فلم يترك المستوطنون الفرنسيون "الأقدام السوداء" الجزائر بمحض إرادتهم. والتجربة الجزائرية تفيد أن انتصار الثوار العرب على خريجي الأكاديمية العسكرية الفرنسية برغم شح المصادر العسكرية والحصار الخانق يَدين بقسم كبير منه لإستراتيجية التحرير السياسية والجماهيرية الصلبة للثورة.

ليس في كل ما يفعله المستوطنون الصهاينة وكيانهم اليوم في فلسطين ما لم يُجَرِبْه المستوطنون الفرنسيون في الجزائر بحذافيره من إرهاب وقتل ومنظمات سرية (مثل منظمة الجيش السري أو أي إس) على أمل إطالة عمر مشروعهم الاستعماري.

لكن الروح الثورية للإمام عبد الحميد بن باديس القائل: "والله لو أنَّ فرنسا قالت لي: قل: لا إله إلا الله ما قلتها" هي التي انتصرت في النهاية. هذه خارطة الطريق التي تحتاجها فلسطين, وهذا استحقاق ما بعد أيلول.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك