نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري


 

الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الأحمر مات أو قل: احترق سياسيا يوم الجمعة الثالث من يونيو/حزيران الماضي، وانطوت صفحته الشخصية نهائيا بحيث لا يُرجَى له أوبة ولا عودة، وذلك حين حاول مجهولون من خصومه -الذين صنعهم "ذكاؤه" السياسي المفرط- اغتياله جسديا أثناء صلاة الجمعة في حادث مؤسف يُسأل عنه الضحايا كما يُسأل عنه الجناة.
 
نعم، يبقى الجاني المباشر في مثل هذه الحوادث متفَقًا على تحميله قسطا من الخطيئة، إلا أن ضحاياها ليسوا أبرياء من الدفع في اتجاهها أيضًا، فربما اغتر الناس بأن المشهد الأخير من محاولة الاغتيال الشهيرة لعلي صالح تم بيد هذا الطرف أو ذاك من خصومه، لكن الحقيقة هي أن تعنت "الرئيس الراحل المحترق" علي عبد الله صالح، وإصراره على تفجير الساحة اليمنية من أجل نفسه هو السبب الأول وراء الاعتداء على المسجد والمصلين فيه.
 
مهما يكن، فإن حادث الثالث من يونيو/حزيران لم يفلح في قتل صالح تماما، لكنه أصابه إصابة جعلته أشبه برئيس راحل منه برئيس قائم، والآن كلما جاءتنا الأخبار بأن الرئيس اليمني "صالح" وافق على التفاوض، أو قرر أن يتنحى، أو انتقد، أو امتدح، أو صرح، أو أعلن، فلا ينبغي أن نفهم ذلك على أنه حقيقة قُصِد بها لفظها، بل مجاز لغوي، فلا أراهم يقصدون عبد الله صالح الذي كان قبل الحادث المذكور، ولكن قناعا يقف وراءه كثيرون ممن يرون أن السيطرة على المشهد اليمني لن تتحقق إلا باللعب من خلف "الجثة السياسية" لعلي صالح.
 
دعنا إذا نرى من يلعب من وراء قناع علي صالح، ويسعى إلى إحراق اليمن كله، وتحويل الثورة الشعبية المسالمة إلى مأساة لا ينجو منها أحد.
 
"
إذا كنا رأينا فلولا خلفتها الثورة المصرية وأخرى خلفتها الثورة التونسية، ففي مرآة هؤلاء رأت فلول الثورة اليمنية نفسها قبل أن تسقط
"
الفلول المفترضة
حظ الثورة اليمنية العاثر أنها جاءت في أعقاب نجاح الثورتين التونسية والمصرية في إزاحة حاكميهما بعد أن تفتحت عيون الأنظمة والدول الذاهلة على المشهد العربي الذي سيظل يدهشنا ويدهشهم زمنا، حتى يجود الزمان علينا بأعجوبة أخرى من أعاجيب التاريخ البشري.
 
وإذا كانت الثورات العربية قد أثبتت أن القوة الكامنة في الشعوب كبيرة جدا بحيث يمكنها أن تجتاح وتجتاز كثيرا من العقبات الكؤود والموانع الخطرة، فإن طول الأمد الذي تحرك فيه الفساد فوق ساحاتنا العربية وفي حجور الجبارين، قد مكن لجذوره أن تخترق طبقات أرضنا حتى تتعمق فيها تعمقا لا يتيسر معه اقتلاعها.
 
وتلك هي مشكلة الفلول، أو "فضلات" الجيش العرمرم التي تتبقى بعد انتصار الثورات على الجلادين، وإذا كنا رأينا فلولا خلفتها الثورة المصرية وأخرى خلفتها الثورة التونسية، ففي مرآة هؤلاء رأت فلول الثورة اليمنية نفسها قبل أن تسقط، وقارنت السلطة التي تقبع في كراسيها، والأمر والنهي الذي تملكه، بالصعوبات الجمة التي تلقاها من ثورة اليمن وأبطالها الأشاوس، ففضلت الوضع القائم الثائر على الانكسار والذلة التي تكسو وجوه وزراء وكبراء في بلاد شقيقة حولت الشعوب سجونها سجنا لهم، وآثرت الفلول اليمنية المفترضة حالها هذا حتى على الهروب إلى النسيان في قصر ضيق خارج الوطن.
 
إنها إذا ليست فلولا بالفعل، ولكنها فلول مفترضة، وربما مساجين مفترضون، ولولا عبث العابثين لكانت الآن مختبئة في دروب القبيلة، أو لاجئة إلى قلل الجبال وشعافها، أو قابعة خلف القضبان الغليظة، لكنها آثرت إكمال "المشوار" الذي صار محفوفا بالثورات، والبقاء في كرسي الاستبداد الذي كانت تحلم بوراثته، ولو دفعت اليمن كله ثمنا لهذا الحلم الآثم.
 
وخطورة هذه الفلول هو تمركزها في مواقع قيادية في حياة البلاد المدنية والعسكرية على السواء، بحيث إنها تمركزت في شرايين الدولة اليمنية تمركزا قد يؤدي إلى انسدادات قاتلة في حال قررت التضحية بالجميع، حتى إن انشقاق رتبة عسكرية كبيرة مثل اللواء علي محسن الأحمر –قائد المنطقة العسكرية الشمالية الغربية وقائد الفرقة المدرعة الأولى وأحد أكبر أركان النظام– عن النظام وتأييده للثورة لم يمثل ولو تحولا كبيرا في مسار الثورة، وإن كان له أثر فقد كان التأثير محدودا بالقياس إلى حجم الرجل وموقعه الخطير في دولة الرئيس "المحترق".
 
"
التجييش القبلي هو من أجل حماية الفلول المفترضة التي تمسك بجثة صالح، وتصدرها في المشهد، حتى يبدو النظام القديم وكأنه قائم
"
وتتجاوز المسألة طبيعة المناصب التي يشغلها قائد الحرس الجمهوري والقوات الخاصة أحمد علي عبد الله صالح وأبناء عمه "محمد عبد الله" وكثير من أصهار أبيه الرئيس، تتجاوز المسألة هذا كله إلى الطبيعة القبلية التي ما زالت سائدة في المجتمع اليمني، حيث التشبع بروح العصبية للأقرب فالأقرب، مما تحول سياجا جماهيريا مصطنعا لحماية النظام من السقوط، وساترا من القوى البشرية لصد السخط الجماهيري العام، وإظهار الصورة وكأنها صراع بين قوى ثورية تريد التغيير، وكتلة جماهيرية كبيرة تؤيد الوضع الراهن.
 
وحقيقة الوضع هي التجييش القبلي من أجل حماية الفلول المفترضة التي تمسك بجثة صالح، وتصدرها في المشهد، حتى يبدو النظام القديم وكأنه قائم، وما هي إلا مرحلة الفلول في صورة معكوسة تعكس خصوصية الحالة اليمنية، ولو أنصف المجتمع الدولي ثوار اليمن لحُلَّت العقدة، ولظهرت هذه الحقيقة أجلى من الشمس في رابعة النهار.
 
أصابع عابثة
السياسة القائمة في العالم لا دين ولا مذهب لها حتى في أكثر أنحاء عالمنا العربي والإسلامي، وتلك عادة قديمة لا تتجلى لنا فقط حين نرى سنة العراق أعداء لأميركا وشيعتها أصدقاء لها، وشيعة لبنان أعداء لأميركا وسنتها حلفاء لها، بل يتجلى هذا التناقض أكثر في الثورات العربية الأخيرة التي ظهرت فيها إيران حليفا للنظام الحاكم في سوريا وعدوا للشعب بحجة أنه "نظام مقاوم"، وفي اليمن وغيرها من الدول الثائرة بدت طهران –ولو على المستوى النظري- على العكس من ذلك نصيرا للشعوب وعدوا للأنظمة.
 
وقل مثل هذا تماما عن النظام الدولي والنظام العربي القديم في تناقضاتهما، فهم مع الثورة في سوريا وليبيا، ويعبثون بها في اليمن، سعيا إلى سيناريو مناسب لمصالحهم، ولو صارت اليمن وشعبها خبرا يحكيه التاريخ كما يحكي أخبار أسلافهم من التبابعة والسبئيين والمعينيين.

ويبدو أن السياسة الدولية تجاه اليمن تعتمد على ثلاثة أسس هي: الإنابة، والإيهام، والتغطية.

أ‌- أما الإنابة: فإن الأميركيين وحلفاءهم لا يريدون أن يشغلوا في الوضع اليمني الجديد منصب أعداء الثورة التي أشعلها الشعب ضمن سلسلة الانتفاض العربي في عام 2011. ويبدو أن درس الثورة الإيرانية حاضر في أذهان الساسة الغربيين، حين تبنوا قبل أكثر من ثلاثة عقود موقف المؤيد المطلق للشاه، فاتخذت الثورة الإيرانية موقفا حادا من واشنطن وحلفائها.
 
ومن هنا فضل الموقف السياسي الغربي أن يتوارى خلف ستار، وينيب عنه في اليمن الأنظمة التي تخشى أن تسري عدوى الثورة إلى شعوبها. ولكن كيف توهمت الأنظمة أن سقوط علي صالح سيتبعه زلزلة تطيح بها هي الأخرى؟
 
ب‌- وهذا هو الأساس الثاني: الإيهام الذي أدخلوه على الأنظمة العربية التي تخشى الثورة في بلادها، وكأن مصيرها مرتبط بمصير "صالح"، فلا يبعد مصيرها عن مصيره إلا بضع خطوات، فنابت عن الغرباء في تأزيم الوضع اليمني على وهم خادع ما أبعده عن الحقيقة، وبدلا من اختيار سياسات إصلاحية حقيقية تحتوي على تعاط عاقل مع الثورات العربية وفق ميزان عادل، إذا بنا نستمر في مواقعنا الأولى، مع إدخال تعديلات شكلية في الداخل لا تكفي لتصلح ما أفسد الدهر.
 
"
ساد في كثير من الدول العربية المتحسبة من ثورات شعوبها أن بقاء علي صالح في كل الأحوال، وعدم خلعه بيد الثوار، هو النقطة الثابتة التي لا ينبغي تجاوزها, أما تحكم الجماهير بإيقاع المشهد فهو مرفوض
"
ج- وأما التغطية فهي وظيفة الأمم المتحدة، التي تبدو أكثر حياء تجاه قضايانا الثورية، ولا تريد أن تظهر منحازة ضد الشعوب وثوراتها، ومن هنا تتخذ وستتخذ مواقف ناقدة للنظام الحاكم في اليمن، ولكن دون أن تكون حاسمة إلا إذا دفعها الكبار إلى موقف محسوب تكون فيه مصلحتهم أقرب من مصلحة الشعب اليمني.
 
لقد ساد في كثير من الدول العربية المتحسبة من ثورات شعوبها أن بقاء علي صالح في كل الأحوال، وعدم خلعه بيد الثوار، هو النقطة الثابتة التي لا ينبغي تجاوزها ولا التنازل عنها، فليكن تغييره بالانتخاب أو تنازله لأحد أتباعه، لكن تصدير الجماهير بحيث تحدد إيقاع المشهد، وترسم بريشتها معالمه مرفوض، مع أن ربط الأنظمة مصيرها بمصير علي صالح يضر بها أكثر مما ينفع، خاصة أمام شعوبها التي تخشى انتفاضها.
 
ويبدو الحل الصحيح –والصعب أيضًا- جليا أمام عقول العقلاء، وهو أن نتحمل مسؤوليتنا التاريخية، ونحس بمفصلية اللحظة، ونرى مواقفنا في ضوء النواميس الاجتماعية، ونأخذ الدروس مما سبق لنا من عقود وسنوات في كراسي الحكم، ونقرب أهل العقل المخلصين للوطن والهوية، حتى نعبر إلى أفق يحوِّل الثورات العربية إلى ربيع حقيقي تصنعه الشعوب في دول، والحكام والشعوب معا في دول أخرى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك