ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني


نقلت صحيفة ديلي تلغراف عن مسؤولين في وكالة الاستخبارات الأميركية قولهم (لصحيفة واشنطن بوست الأميركية) إن غارات الطائرات بدون طيار وعمليات القوات الخاصة قضت على معظم قادة تنظيم القاعدة، مضيفة أن الناجييْن الوحيدين من قيادات التنظيم هما أيمن الظواهري وأبو يحيى الليبي.
 
ونقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي قوله إن سلسلة انتصارات من بينها اغتيال اليمني الأميركي المولد أنور العولقي في سبتمبر/أيلول الماضي لا تعني أن الولايات المتحدة ستخفف برنامج غارات الطائرات بدون طيار، مشيرا لسرعة إعادة تجمع عناصر القاعدة بعد 2001.
 
تطرح هذه المعلومات الأميركية سؤالا مشروعا حول معركة أميركا على ما تسميه الإرهاب، وبالضرورة حول الوضع الذي انتهى إليه تنظيم القاعدة بعد اغتيال عدد من كبار قادته خلال السنوات الأخيرة، أكان في العراق، أم في أفغانستان وباكستان، أم في اليمن (أبرزهم أنور العولقي)، وفي مقدمتهم بالطبع مؤسس التنظيم وشخصيته المركزية أسامة بن لادن رحمه الله.
 
"
من العسير القول إن تنظيم القاعدة بطبعته الأولى كان تنظيما بالمعنى الواقعي للكلمة، إلا أن المرحلة التي تلت انتقال بن لادن إلى أفغانستان من جديد بعد طرده من السودان عام 1996 ربما منحته صفة التنظيم بالفعل
"
وفي حين يبدو من العسير القول إن التنظيم بطبعته الأولى كان تنظيما بالمعنى الواقعي للكلمة، أعني أيام التجمع الأولى في أفغانستان وباكستان خلال الثمانينيات، إلا أن المرحلة التي تلت انتقال بن لادن إلى أفغانستان من جديد بعد طرده من السودان عام 1996 ربما منحته صفة التنظيم بالفعل بعد اللقاء الذي تم بين بن لادن وأنصاره وبين مجموعات تابعة لتنظيم الجهاد المصري بقيادة أيمن الظواهري، والذي أفضى إلى إعلان ما عرف بتنظيم قاعدة الجهاد، وتاليا الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين عام 1998 مع مجموعات أخرى، وصولا إلى تنفيذ سلسلة من العمليات التي منحت التنظيم سمعته الدولية وجاذبيته بين قطاع من الشباب المسلم (تفجيرات السفارات الأميركية في نيروبي ودار السلام عام 1998م, وتفجير المدمرة "يو أس أس كول" في ميناء عدن عام 2000، وأخيرا هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001).
 
قبل هذه المرحلة كانت هناك محطة أخرى انحصر فيها فعل التنظيم في المملكة العربية السعودية تحت شعار "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب"، وهو ما أفضى عمليا إلى تفجيرات الرياض عام 95، وتفجيرات الخبر عام 1996 (هناك خلاف حول مسؤولية القاعدة عن الأخيرة)، مع ضرورة الإشارة إلى مرحلة أخرى في تاريخ بن لادن تمثلت في نشاطه السياسي السلمي ضمن ما عرف بهيئة النصيحة والإصلاح خلال أعوام ما بعد حرب الخليج وصولا إلى خروجه من السودان عام 1996.
 
بعد هجمات سبتمبر/أيلول، وما إن تم احتلال أفغانستان بعدها بشهور حتى تشتتت عناصر التنظيم في أمصار كثيرة، بينما قتل الكثيرون منهم، وتحول التنظيم في نواته الأصلية إلى نموذج سياسي ومعسكر للتحريض، ولم يتمكن عمليا من تنفيذ أية عملية مؤثرة ضد المصالح الأميركية.

لكن هذا الوضع الجديد بعد احتلال أفغانستان ومعركة تورا بورا لم ينه التنظيم، بل زاد من حضوره وأنصاره، وإن تحول إلى فكرة ونموذج، فقد جاءه المدد من حيث لا يحتسب، وصار بحسب تعبير مسؤول أمني أميركي أشبه بشبكة "ماكدونالدز" التي تمنح فروعها فرص التحكم بالمنتجات التي تقدمها للزبائن، خلافا لمايكروسوفت.
 
في الحالة الجديدة نُفذت باسم التنظيم ومن دون صلة مباشرة مع قيادته (في أكثر الأحيان) عمليات كثيرة أبرزها هجمات مدريد (2004) ولندن (2005)، فضلا عن محاولات كثيرة تنوعت في نهاياتها، لكن الجانب الأبرز في هذه المرحلة هو انضمام مجموعات كاملة للتنظيم ومبايعتها لقيادته ممثلة في الشيخ أسامة بن لادن.
 
وإذا كانت أكثرية الجماعات التي بايعت القاعدة إشكالية من حيث الرؤية والممارسة، وتختلف مع النهج الذي انطلق على أساسه التنظيم (قتال العدو البعيد، ممثلا في الولايات المتحدة)، فإن واحدة منها كانت تلتقي بقوة مع الهدف الأساسي الذي انطلقت على أساسه المرحلة الجديدة، أعني جماعة التوحيد والجهاد بقيادة "أبو مصعب الزرقاوي" التي تحولت إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بعد بيعتها لبن لادن.
 
من الصعب القول إن المجموعات الأخرى مثل حركة الشباب المجاهدين في الصومال، وتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي قد قدمت خدمات جليلة للتنظيم، بل لعلها أساءت إليه، إذ لم تشتبك عمليا مع "العدو البعيد"، بل قامت بتنفيذ عمليات داخلية أساءت للتنظيم وسمعته (تفجيرات الدار البيضاء 2003 مثالا)، الأمر الذي ينطبق على فرع التنظيم في الجزيرة العربية واليمن، باستثناء عملية المدمرة "كول" المتميزة، التي سبقت هذه المرحلة.
 
كانت غالبية العمليات التي نفذتها فروع التنظيم الجديدة عبئا عليه، وإن أبقته في دائرة الاهتمام الإعلامي، لكن الوضع بدا مختلفا في الحالة العراقية، حيث اشتبك التنظيم مع القوات الأميركية والغربية، وأوقع في صفوفها خسائر كبيرة لا يمكن لأي مراقب منصف إنكارها.
 
وللأمانة فقد كان تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين (التوحيد والجهاد سابقا) هو صاحب الفضل في إطلاق منظومة الجهاد ضد الاحتلال الأميركي للعراق، وهو الذي دشّن مسيرة إفشال مشروع الغزو، ولا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا إن ذلك سيُسجل بوصفه الإنجاز الأكبر للتنظيم في تاريخه كله، حتى لو قيل إن هجمات سبتمبر/أيلول هي التي منحت جورج بوش ذريعة الغزو، الأمر الذي تنفيه دوائر أميركية (مدير المخابرات الأميركية الأسبق جورج تينيت قال في مذكراته إن بوش دخل البيت الأبيض وقرار غزو العراق في جيبه)، لا سيما أن المقاومة العراقية لم تفشل مشروع الغزو الذي استهدف إعادة تشكيل المنطقة برمتها فحسب، بل كبدت الولايات المتحدة خسائر بشرية ومالية باهظة دفعتها خطوات إلى الوراء على صعيد القوة والنفوذ الدولي أيضا، مما يشكل مصلحة كبيرة للمسلمين الذين عانوا أكثر من التفرد الأميركي بالعالم أكثر من سواهم، في ذات الوقت الذي يطرح سؤالا مشروعا حول المنتصر والمهزوم في حرب أميركا مع بن لادن والقاعدة، مع التذكير بأننا نتحدث عن تنظيم صغير في مقابل أكبر إمبراطورية عرفها التاريخ البشري.
 
"
إفشال مشروع الغزو الأميركي للعراق لا يُحسب لتنظيم القاعدة وحده، وإن تميز بفضل الانطلاقة، إذ إن قوى المقاومة العراقية انخرطت في المواجهة وساهمت فيها بدور رائع عبر بطولات وتضحيات مشهودة
"
من المؤكد أن إفشال مشروع الغزو الأميركي للعراق لا يُحسب لتنظيم القاعدة وحده، وإن تميز بفضل الانطلاقة، إذ إن قوى المقاومة العراقية (الإسلامية منها على وجه الخصوص) لم تلبث أن انخرطت في المواجهة وساهمت فيها بدور رائع عبر بطولات وتضحيات مشهودة، مع العلم أن الجزء الأكبر من عناصر قاعدة العراق كانوا عراقيين أيضا.
 
لم يدُم ربيع التنظيم في العراق طويلا، إذ ما لبث بعد حوالي ثلاث سنوات أن دخل ضمن حسابات خاطئة (بعد إعلان دولة العراق الإسلامية) في معارك عبثية استهدفت المدنيين الشيعة، ثم اشتبك تاليا مع القوى السنية المنخرطة في العملية السياسية، وانتهى إلى معارك مع قوى المقاومة أيضا، وحتى العشائر (مد ذراعه إلى الخارج أيضا في عمليات أساءت للتنظيم كما هو حال عمليات الفنادق في العاصمة الأردنية عمان 2005)، وهو ما أدى في المحصلة إلى فقدانه الحاضنة الشعبية التي كانت تمنحه فرصة الفعل والتأثير.
 
لم يكن فقدان الحاضنة الشعبية العراقية هو السبب الوحيد لتراجع التنظيم، إذ هناك أيضا جفاف منابع الدعم الخارجي (الشعبية التي حوصرت عربيا أو تراجعت قناعتها بما يجري)، في حين لم يعد النظام السوري تبعا لاعتباراته السياسية والأمنية الخاصة يتسامح مع تدفق المال والمقاتلين، والأهم قناعة العرب السنة بمسار الانخراط في العملية السياسية، وظهور أو إنتاج "الصحوات" التي اشتبكت مع التنظيم فأوجعته، وفعلت ذات الشيء مع سائر قوى المقاومة، والنتيجة هي تراجع قوة التنظيم وحضوره.
 
وإذا كان بوسعنا القول إن تنظيم (القاعدة) كان بمثابة الرافعة للتيار السلفي الجهادي الذي حضر منذ الغزو السوفياتي لأفغانستان، ثم أصبح له حضوره في أكثر الدول العربية (وبعض الإسلامية أيضا)، تماما كما حضر بصيغة تيار يتوزع رجاله على ساحات جهادية عديدة بعد خروج القوات السوفياتية من أفغانستان (الصومال، والشيشان، والبوسنة، والفلبين) فإن الموقف الشعبي من هذا التيار لم يعد كما كان عليه، وهو ما دفع وسيدفع المجموعات السلفية الجهادية نفسها إلى إعادة النظر في طريقة عملها، حيث نتابع منذ مدة مراجعات للحالة الجهادية في الأردن (يتصدرها منظر التيار الشيخ أبو محمد المقدسي)، سبقها توقف فرع الجزيرة العربية عن تنفيذ أية عمليات (قيل إن ذلك تم بأمر من بن لادن).
 
المهم أن القاعدة كتنظيم لم يعد فاعلا كما كان عليه في مراحل سابقة، لكن الأهم هو أنه فقد جاذبيته كنموذج، وقد جاء الربيع العربي ونجاحه في المحطتين التونسية والمصرية، ومن ثم الليبية وربما اليمنية، جاء ليساهم بقوة في إقناع الشارع بوجود مسار أكثر قابلية لإحداث التغيير من خلال الحراك السلمي للجماهير.
 
هل يعني ذلك أن القاعدة قد انتهت كتنظيم وكفكرة؟.. كلا بالتأكيد، فهناك مجموعات لا تزال تعمل بذات الاسم أو باسم آخر مصحوبا بإعلان الانتماء لقيادته، كما هو الحال في الصومال والمغرب الإسلامي واليمن، وربما في قطاع غزة وإن لم تنجح الأخيرة في فعل شيء نظرا لطبيعة الحصار الذي يعيشه القطاع، وعموما فإن تأثير هذه المجموعات يبدو محدودا.
 
أما التنظيم في العراق، فهو وإن لم ينته عمليا، بدليل قدرته على تنفيذ عمليات كبيرة بين حين وآخر، إلا أنه لم يعد بذات القوة القديمة. وبخروج القوات الأميركية نهاية هذا العام سيغدو فعله محصورا في الداخل، أكان ضد القوى الشيعية والأهداف الحكومية، أم ضد القوى السنية المنخرطة في العملية السياسية، وهي أعمال لا تلقى قبولا في الإطار الشعبي، مما يحرمها من الحاضنة الشعبية، ويكشفها ومخططيها بمرور الوقت.
 
"
البعد الأكثر وضوحا هو تراجع الجاذبية السياسية لبرنامج العنف الداخلي لتنظيم القاعدة, ومن ثم إمكانية انخراط عناصره وأنصاره في مسار جديد، بل ربما كان كثيرون منهم جزءًا لا يتجزأ من الثورات العربية
"
تبقى مهمة التحريض التي يقوم بها أيمن الظواهري، وهنا يمكن القول إن خطابات الأخير لا تبدو بذات المستوى من التأثير الذي كانت تحظى به خطابات أسامة بن لادن، فضلا عن أن احتمالات الوصول إليه خلال وقت قد لا يطول، ويزداد هذا الأمر وضوحا في ظل الربيع العربي، وفي ظل انخراط سائر القوى الإسلامية في العملية السياسية، بمن فيها تلك التي كانت تراها حراما، كما هو حال العديد من القوى السلفية. ولا ننسى أن أسامة بن لادن في رسالته الأخيرة قد أظهر تأييدا واضحا للثورات السلمية العربية.
 
يبقى القول إن هذا الوضع الصعب الذي تعيشه القاعدة (تنظيما أو فكرة أو نموذجا) لا يعني النهاية، ليس فقط لوجود مجموعات لا تزال تتحرك هنا وهناك ضمن ذات الإطار، بل أيضا لأن إمكانية تجدد الأجواء التي أدت إلى ظهوره واتساع حضوره يمكن أن تتكرر، وإن بدا ذلك مستبعدا في المدى القريب (ثمة إمكانية لانخراط التنظيم في العمل المسلح في سوريا عبر نقل ما تبقى له من قوة في العراق). ولا ننسى بالطبع أن هناك جيلا ثالثا قد يستلهم النموذج من خلال أدبياته المنشورة ويتصرف منفردا كما فعل النيجيري عمر فاروق والضابط الأميركي الفلسطيني نضال حسن.
 
لكن البعد الأكثر وضوحا هو ذلك الذي يشير إلى تراجع الجاذبية السياسية لبرنامج العنف الداخلي برمته، ومن ثم إمكانية انخراط عناصره، والأهم أنصاره في مسار جديد، بل ربما كان كثيرون منهم جزءًا لا يتجزأ من الثورات العربية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك