ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني


قبيل المؤتمر الصحفي الذي عقداه على هامش مؤتمر قمة العشرين، التقط الصحفيون حوارا صريحا بين الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي، حيث لم يكن الرئيسان يعتقدان أن "الميكرفونات" مفتوحة.
 
في الحوار قال ساركوزي لأوباما: "لا أطيق رؤية بنيامين نتنياهو..، إنه لا يكفّ عن الكذب أبدا"، فما كان من أوباما سوى الرد بالقول: "لا تطيق رؤيته؟ أنت محظوظ..، ماذا عنّي وأنا أتعامل معه بشكل يومي؟!".
 
"
ساركوزي لأوباما:
"لا أطيق رؤية بنيامين نتنياهو..، إنه لا يكفّ عن الكذب أبدا".
فرد عليه أوباما:
"لا تطيق رؤيته؟ أنت محظوظ..، ماذا عنّي وأنا أتعامل معه بشكل يومي؟!"
"
قبل أوباما وساركوزي كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تنتقد نتنياهو وتصفه بالكاذب، ولكن علنا هذه المرة، وقد حدث ذلك بعد إقراره لبناء مئات الوحدات الاستيطانية الجديدة في مستوطنات القدس الشرقية، ولنا أن نتخيل ما الذي قالته ميركل "أوف ريكورد" عن المذكور إذا كانت قد وصفته علنا بالكاذب.
 
ولكن كيف يمكن تفسير هذه الظاهرة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية، ومثلها في العلاقة الأوروبية الإسرائيلية، خاصة محاورها الكبرى، أعني فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا. هل يمكن لأصحاب نظرية الدولة الوظيفية أن يواصلوا التأكيد على نظريتهم، والتي خلاصتها أن أميركا هي التي تستخدم الدولة العبرية لتحقيق مصالحها في المنطقة؟!
 
لا خلاف على أن إنشاء الكيان الصهيوني كان جزءاً لا يتجزأ من إستراتيجية الغرب أيام الإمبراطورية البريطانية في التخلص من مشكلة اليهود في أوروبا، إلى جانب فصل مصر عن المشرق العربي، واستخدام الكيان الصهيوني في إضعاف الأمة واستمرار تمزيقها.
 
على أن العقود التالية ما لبثت أن حملت تطورات جديدة ازدادت وضوحا خلال العقد الأخير من القرن الماضي، ثم اتضحت أكثر خلال الألفية الجديدة (في فرنسا وبريطانيا كانت واضحة قبل ذلك)، وتتمثل تلك التطورات في تصاعد نفوذ اللوبيات الصهيونية على نحو جعل اللعبة السياسية الداخلية رهينة رغبات الصهاينة الذي يتحركون على إيقاع مصالح دولتهم الأم.
 
وفي حين تعيش فرنسا تحت وطأة اللوبي الصهيوني منذ عقود، مع نفوذ أقل وضوحا لذلك اللوبي في بريطانيا (تصاعد أكثر فأكثر خلال الألفية الجديدة)، فإن الوضع في الولايات المتحدة صار محسوما على نحو لم يعد يسمح لأي زعيم مهما كان أن يخالف رغبات ذلك اللوبي.
 
لا ننسى بالطبع أن جزءاً من المواقف الأوروبية يأتي على خلفية الخضوع، وأحيانا المجاملة لمواقف الولايات المتحدة، لكن البعد المتعلق بنفوذ اللوبي الصهيوني في عدد من تلك الدول يظل حاضرا بقوة، لاسيما أنه لوبي يتجاوز السياسة إلى دوائر المال والإعلام.
 
وفي حين كان الحزب الديمقراطي الأميركي هو الأكثر تعبيرا عن الأقليات في الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم اليهود، مما يفرض تأييدا للدولة العبرية، فقد انسحب ذلك على الحزب الجمهوري قبيل انتخاب جورج بوش مطلع الألفية الجديدة إثر سيطرة الكنائس المعمدانية الجنوبية على الحزب الجمهوري، وهذه ترى في دعم الكيان الصهيوني جزءاً لا يتجزأ من معتقدها الديني، فبحسب اعتقاد تلك الكنائس على اليهود أن يعودوا جميعا إلى فلسطين، وذلك كي تندلع معركة "هرمجدون" الفاصلة التي تنتهي بقتل بعضهم وتنصُّر البعض الآخر، وهذه المعركة هي المقدمة الضرورية لعودة المسيح المخلص.
 
في ضوء هذا التحول سيطر اللوبي الصهيوني عمليا على الحزبين، وبالتالي على الكونغرس بمجلسيْه، مما جعل من مقاومة رغباته نوعا من المغامرة المحسومة النتائج بالنسبة لأي رئيس، سواء أكان جمهوريا أم ديمقراطيا.
 
"
أذل نتنياهو أوباما بشكل واضح خلال العام الحالي والماضي. وحتى في عامه الأول رفض أن يمنحه ورقة وقف الاستيطان، لكن الأخير لم يكن بوسعه غير كيل المديح للرجل المحب للسلام
"
ومن تابع تحولات خطاب أوباما منذ مجيئه إلى السلطة سيكتشف هذا البعد، وكيف أصبح الرجل مجرد دمية في يد اللوبي الصهيوني فيما يخصُّ سياسات الشرق الأوسط، خاصة المتعلقة بمصالح الكيان الصهيوني. وإذا قيل إن ذلك يأتي من أجل انتخابه لولاية ثانية، فإن السؤال يظل قائما فيما يخصُّ مواقفه خلال الولاية الأولى، والتي لم تمنح العرب والفلسطينيين سوى معسول الكلام، مقابل الدعم العملي للدولة العبرية في طبعتها الأكثر تطرفا في ظل يمين اليمين المتحالف مع الأصوليين المتطرفين.
 
لقد أذل نتنياهو أوباما بشكل واضح خلال العام الحالي والماضي. وحتى في عامه الأول رفض أن يمنحه ورقة وقف الاستيطان من أجل استئناف المفاوضات، ولم يمنحه أي فرصة لحفظ ماء الوجه، لكن الأخير لم يكن بوسعه غير كيل المديح للرجل المحب للسلام. كيف لا يفعل وهو يرى أعضاء الكونغرس يقفون له مصفقين عشرات المرات في كل مرة يخطب فيها أمامهم، لكأنه معشوق الأميركيين وليس زعيم دولة صغيرة تبعد آلاف الأميال عن الولايات المتحدة؟!
 
لعل ذلك هو تحديدا ما يفسر عدم حرص السياسة الصهيونية طوال العقود الماضية على استهداف يهود الولايات المتحدة ويهود أوروبا الغربية بدعوات الهجرة إلى الدولة العبرية، وبالطبع لأن اللوبي الصهيوني الذي يستخدمهم يشكل بالنسبة إليها رصيدا أفضل بكثير من تحولهم إلى مجرد مواطنين في الدولة، مع العلم بأن كثيرا منهم يحملون الجنسية الإسرائيلية إلى جانب جنسيتهم الأخرى.
 
من هنا كان من الطبيعي أن يتعامل المخلصون بكثير من الاستخفاف مع أي إستراتيجية تعول على الولايات المتحدة والتغير المحتمل في سياستها بين رئيس وآخر، بل وحتى سياسات الدول الأوروبية الكبيرة التي لا تتجاوز في مواقفها بعض المجاملات للفلسطينيين لكي يواصلوا تبني إستراتيجيات لا شكل تهديدا عمليا للدولة العبرية، وبالطبع لأن قادة تلك الدول ليسوا في وارد خوض مغامرات سياسية مع اللوبي الصهيوني عندهم، فضلا عن إغضاب الولايات المتحدة الخاضعة بدورها لرغباتهم.
 
وإذا اعتبر البعض أن تصويت فرنسا لصالح قبول فلسطين في عضوية اليونسكو يشكل تحولا، فلينظروا إلى موقفها فيما يتعلق بالدولة، وليتذكروا أن الأخيرة في حالة حرص استثنائي على تقديم نفسها بصورة جديدة للعرب بعد موقفها من ليبيا الذي جاء لاعتبارات اقتصادية معروفة، مع ضرورة التذكير بأن فرنسا لم تعرف في تاريخها رئيسا يحب "إسرائيل" ويحرص عليها مثل ساركوزي، كما يقر بذلك الساسة الصهاينة بكل ألوانهم.
 
وها هي رسالة ساركوزي الحميمية لنتنياهو (بمناسبة وفاة والد زوجته!!) تؤكد هذا البعد، حيث حاول من خلالها محو آثار كلماته التي فضحها الميكرفون المفتوح.
 
نشير على الهامش إلى النهاية التي انتهت إليها حكاية إحراج الولايات المتحدة ودفعها لاستخدام "الفيتو" فيما يتعلق بالتصويت في مجلس الأمن لصالح قبول فلسطين كدولة عضو في الأمم المتحدة، حيث عجز القرار عن الحصول على الأصوات التسعة اللازمة لعرضه على المجلس، وهي فضيحة لأصحاب هذا النهج، مع رفضنا المبدئي له كإستراتيجية نظرا لتنازله المجاني عن 78% من أرض فلسطين التاريخية (قرار التقسيم الأممي رقم 181 يمنح الفلسطينيين 44% من فلسطين)، وإبقاء ما تبقى تحت الاحتلال من دون رؤية لتحريره سوى استمرار التنسيق الأمني مع الاحتلال من أجل تمدد مناطق السلطة إلى ما كانت عليه قبل اندلاع انتفاضة الأقصى نهاية سبتمبر/أيلول من عام 2000، وصولا إلى دولة الجدار التي ستغدو في حالة نزاع حدودي مع جارتها لا أكثر ولا أقل، الأمر الذي يشكل تصفية للقضية لو نجح، وهو لن ينجح بسبب وعي الفلسطينيين وإرادتهم وليس بسبب حرص قادة السلطة على ما يسمونه "الثوابت".
 
"
زعماء الغرب مضطرون للخضوع للوبي الصهيوني، لاسيما أنه لا يترتب عليهم ولا على بلادهم ثمن مباشر جراء ذلك الموقف
"
خلاصة القول هي أن زعماء الغرب مضطرون للخضوع للوبي الصهيوني، لاسيما أنه لا يترتب عليهم ولا على بلادهم ثمن مباشر جراء ذلك الموقف (يشكل ذلك إدانة للأنظمة العربية من دون شك)، لكن ما ينبغي التذكير به هنا هو أن هذا الطغيان الصهيوني على القرار السياسي في الولايات المتحدة والغرب لن يلبث أن يرتد كراهية عليه وعلى ما يمثله، وعلى دولته أيضا، وليشكل ذلك جزءا من معادلة حسم الصراع مع ذلك العدو بعد وقت لن يكون طويلا بإذن الله، وما الربيع العربي سوى بشارة أولية.
 
يبقى القول إن الصهاينة لا يلتفتون كثيرا للمشاعر الكامنة، وإن تمنوا أن تكون ودية، بقدر عنايتهم بالمواقف العملية، وهم لذلك لم يتوقفوا كثيرا عند كلام الميكرفون العابر، حتى قبل اعتذار ساركوزي، تماما كما رحبوا بموقف المسيحيين الأصوليين في الحزب الجمهوري، حيث قال أحد كتاب الصهاينة (بلسان حالهم جميعا كما قال) إن "طروحات تلك الكنائس موغلة في اللاسامية، ولكن دعونا نستمتع بدعمها السياسي لدولتنا، وعندما يأتي أوان المعركة المشار إليها، فلكل حادث حديث!!".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك