عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني


تثور بين الحين والآخر فكرة حل السلطة الفلسطينية، ويبدأ الناس عموما والمثقفون خصوصا بتناولها جدلا ونقاشا بين مؤيد ومعارض وغير مكترث. ولا يخلو الأمر من مسؤولين فلسطينيين يدلون بدلوهم، ولا من فصائل فلسطينية تعبر عن موقفها حيال الأمر. تثور الفكرة على مدى سنوات، لكن السلطة ما زالت مكانها، والأسباب التي تدفع باتجاه حلها ما زالت على ما هي عليه.
 
لم تتغير الأحوال الفلسطينية، ولم يحصل أي تقدم فيما يتعلق بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ويبدو أن الجسد الفلسطيني برمته يعاني من حراك ضعيف جدا، والعقل الفلسطيني لا يقوى على الإحاطة بما هو كائن بشأن القضية الفلسطينية، ولا بشأن ما يجب أن يكون.
 
إذا أحسن المراقب الظن، هناك تيه فلسطيني، وضعف في الإحساس بالمسؤولية، ورغبة متدنية في البحث عن مخارج. تعاني القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني من مآزق سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ومالية كبيرة وخطيرة، ولا يلوح في الأفق أن مخارج صادرة عن إرادة فلسطينية حرة على وشك الانبلاج. ويبدو أن حل السلطة الفلسطينية هو أقوى خيار يناقشه الفلسطينيون، إن لم يكن حقيقة باب الهروب من واقع مؤلم. يحاول هذا المقال تحليل هذا الطرح، وتقديم رؤية لما يمكن أن يكون عليه المخرج.
 
"
السلطة قامت كنتاج لمحادثات غير متوازنة ولم تنتزع صلاحياتها انتزاعا، وإنما حصلت عليها منحة, والمرء يتحكم عادة بما ينتزعه, لكنه لا يملك الحرية ذاتها عندما تكون الصلاحيات ممنوحة له
"
الأساس المتموج للسلطة الفلسطينية
لا يكون البنيان متينا إلا إذا قام على أساس متين، وهذا ما لم تقم عليه السلطة الفلسطينية. لم تنبثق السلطة الفلسطينية عن إرادة فلسطينية حرة، ولم تكن نتاج عملية تحرير وفق ما نص عليه برنامج النقاط العشرة عام 1974.
 
قامت السلطة كنتاج لمحادثات غير متوازنة بتاتا، ولم تنتزع صلاحياتها انتزاعا، وإنما حصلت على صلاحيات ممنوحة. والمرء يتحكم عادة بما ينتزعه من صلاحيات، ويتمكن من تطويرها وتحسينها وتعديلها وتوسيعها وفق إرادته الحرة، لكنه لا يملك الحرية ذاتها عندما تكون الصلاحيات ممنوحة له، وتبقى إرادة المانح هي سيدة الموقف.
 
عملت إسرائيل منذ عام 1968 على إقامة سلطة عربية أو فلسطينية في الأرض الفلسطينية المحتلة/67 وذلك لسببين هما: التخلص من صورة الدولة التي تمارس الاحتلال على شعب آخر، والتخلص من إدارة شؤون الناس اليومية والمدنية. لم ترغب إسرائيل في أن تكون دولة محتلة في زمن انتهاء الاستعمار، ورأت في إدارة شؤون الناس المدنية عبئا ليست بحاجة إليه.
 
لم تنجح إسرائيل في مسعاها هذا إلا عام 1993 مع توقيع اتفاق أوسلو. لقد أبقت على الاحتلال، وأقامت سلطة فلسطينية ذات إدارة مدنية لكنها منزوعة الإرادة سياسيا وأمنيا واقتصاديا وماليا، وحولت الاحتلال إلى احتلال غير صارخ وبتكاليف قليلة. ولهذا لم يكن من المتوقع أن يملك الجانب الفلسطيني حرية اتخاذ القرار أو حرية العمل، وبقي معلقا بالشروط الأمنية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والتعليمية للاحتلال، ووجدت السلطة الفلسطينية نفسها مشلولة وغير قادرة على مواجهة شعبها بالحقائق.
 
لكن لا بد من التأكيد هنا على أن العديد من الفلسطينيين حذروا من عواقب الاتفاقيات مع إسرائيل مرارا وتكرارا، وكان نصيب بعضهم الملاحقة والسجن وتخريب الممتلكات. وبما أن الحصاد من جنس البذار فإن من غير المتوقع أن يؤدي بنيان لا يقوم على أسس وطنية إلى نتائج وطنية.
 
توريط الفلسطينيين
لم تقتصر المسألة على اتفاق أوسلو وما تبعه من اتفاقيات تعمدت تجزئة الشعب الفلسطيني، وحصر القضية الفلسطينية بسكان الضفة الغربية وقطاع غزة، وإنما امتدت إلى تدابير وإجراءات من شأنها توريط سكان الضفة الغربية وغزة حتى لا يقوون على الاستمرار بالمطالبة بالحقوق الوطنية الثابتة لكل الشعب الفلسطيني.
 
كان لا بد من ربط حياة الناس في الضفة الغربية وغزة بخيوط تحولهم إلى مجرد أدوات بيد إسرائيل والدول الغربية لكي يبتعدوا عن التفكير بالإفلات من قبضة أوسلو وما ترتب عليه، ويترددوا مرارا وتكرارا قبل أن يقرروا الخروج من مأزق السلطة الفلسطينية وما ترتب عليها من مسؤوليات أمنية تجاه إسرائيل. وهنا أوضح أبرز تدابير وسياسات التوريط:
 
"
يوجد حوالي 180 ألف وظيفة حكومية، وعلى كل من يفكر بحل السلطة الفلسطينية أن يفكر بمصير رواتب هؤلاء, إذ لا يستطيع أي مسؤول أن يدير ظهره للعائلات التي اعتادت على هذا الراتب
"
أ‌- الوظائف العمومية
أرادت الدول الغربية وإسرائيل حشر الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة في زاوية لقمة الخبز من خلال الرواتب، فشجعت انتفاخ الوظائف الحكومية، ورصدت الأموال من أجل المساهمة بصورة فعالة في صرف الرواتب. ولم ترفض السلطة الفلسطينية مثل هذا التشجيع لأنها كانت معنية برفع التأييد الشعبي لها من خلال التوظيف.
 
لقد تضخم الطاقم الإداري في الضفة الغربية وغزة بصورة جنونية وفوق الضرورة الإدارية بكثير. هناك الآن حوالي 180 ألف وظيفة حكومية، وعلى كل من يفكر بحل السلطة الفلسطينية أن يفكر بمصير رواتب هؤلاء. لا يستطيع أي مسؤول أن يدير ظهره للعائلات التي اعتادت على الراتب، ويحملها مسؤولية القبول بوظيفة عمومية يأتي راتبها من الغرب مقابل الإرادة السياسية.
 
ب- المؤسسات العامة
هناك مؤسسات عامة في الضفة الغربية وغزة كثيرة وفي مختلف المجالات مثل المدارس والمستشفيات وترخيص السيارات وتسجيل الأراضي والمحاكم وأجهزة الأمن المدني مثل الشرطة والدفاع المدني، وهي تعمل على تنظيم حياة الناس العامة ولو بالحد الأدنى، وتسيير أعمالهم اليومية والمدنية. تشكل هذه المؤسسات عبئا كبيرا، ولا بد من وجود من يعمل على إدارتها واستمرارها في العمل.
 
ج- ثقافة الكسل والاستهلاك
من المؤسف أن الشعب في الضفة الغربية خاصة قد قبل بثقافة الكسل والاستهلاك من خلال سياسات عامة تم اعتمادها عبر السنوات السابقة. لقد تم ضرب الكثير من الأعمال الإنتاجية، وتحول الناس إلى معتمدين على رواتب من الخارج ومؤسسات دعم، ومنظمات غير حكومية. تقول تقارير البنك الدولي إن هناك زيادة في النمو في الضفة الغربية، لكن مصادرنا تقول إن هناك نموا في الكسل وفي شراء السيارات والحصول على قروض من المصارف، وتقلصا في الإنتاج الزراعي نسبة لتزايد عدد السكان... إلخ.
 
أغلب الموظفين الحكوميين لا يعملون، أي لا يقدمون خدمات حقيقية للناس خاصة الذين يعملون في الأجهزة الأمنية عدا الشرطة، وأغلب قطاعات الإنتاج مثل الزراعة وصناعة الأحذية والنسيج والخياطة والأثاث قد شهدت تقلصا في المنتجين لحساب المستوردين.
 
اقتصاد الضفة الغربية مؤهل لتوفير استهلاك متواضع للناس، لكن ما نراه في الشارع الفلسطيني مختلف تماما، وواضح أن هناك أموالا طائلة يتم إنفاقها ببذخ من قبل أفراد ومؤسسات حكومية وغير حكومية. تقديري أن الهدف هو إغراق الناس بنعم الحياة الدنيا لكي يبتعد تفكيرهم في النهاية عن مواجهة إسرائيل واستعادة الحقوق الوطنية الثابتة. اقتصادنا الحقيقي يؤهلنا لاستهلاك الزعتر وزيت الزيتون بكثافة، أما الاقتصاد المزيف القائم على الدعم الخارجي يؤهلنا لإلقاء طعام في القمامة.
 
لا مفر أمام من يبحث عن الخروج من مأزق السلطة الفلسطينية بحلها إلا أن يفكر في هذه الورطة التي تواجهها الضفة الغربية. لقد أفلت قطاع غزة من المأزق ولم يعد لاتفاق أوسلو تأثير واضح على الناس، وقررت غزة أن تسير بطريق مختلف تماما عن الضفة الغربية، وهي تدفع ثمن ذلك باهظا. وحقيقة لا يوجد أمام من يريد وطنا سوى تقديم التضحيات، ومن لا يريد تقديمها تبقى شعاراته الوطنية مفرغة من محتواها.
 
عودة الإدارة الإسرائيلية
هناك من يظن أن حل السلطة الفلسطينية يعني عودة الإدارة الإسرائيلية إلى الضفة الغربية، وبهذا لن يكون هناك فراغ إداري يؤدي إلى فوضى في الحياة اليومية وإلى انهيار المؤسسات المدنية العامة. يندرج هذا الظن ضمن دائرة الوهم بأن إسرائيل تخلت عن إدارة شؤون الناس اليومية لتعود إلى ذلك في وقت لاحق.
 
"
هناك من يظن أن حل السلطة الفلسطينية يعني عودة الإدارة الإسرائيلية إلى الضفة الغربية، وهذا الظن يندرج ضمن دائرة الوهم بأن إسرائيل تخلت عن إدارة شؤون الناس اليومية لتعود إليها في وقت لاحق
"
لقد أشرت سابقا إلى أن إسرائيل كانت معنية مع بداية احتلال عام 1967 بتسليم إدارة الأراضي المحتلة لجهة عربية أو فلسطينية، وقد وجدت ضالتها في اتفاق أوسلو. إسرائيل معنية بأمرين هما: المحافظة على أمنها والاستمرار في تهويد الضفة الغربية، ولديها الاستعداد للتدخل إداريا فقط بالأمور التي تخدم هذين الأمرين. من الناحية الأمنية، هي لم تخرج من الضفة الغربية، بل عززت وجودها الأمني من خلال التنسيق الأمني مع الفلسطينيين والأميركيين، ومن ناحية التهويد، فتح اتفاق أوسلو أمامها مجالا رحبا لتكثيف البناء الاستيطاني، وهي لن تتدخل بشؤون الناس اليومية إلا إذا رأت أن مصالحها تتطلب ذلك.
 
ولهذا لن تعود إسرائيل باحتلالها الصارخ ثانية إلى الضفة الغربية، لكنها ستعمل على منع تلك الفوضى الناجمة عن الفراغ الإداري التي يمكن أن تؤثر عليها أمنيا.
 
بديل حل السلطة
ليس من الحكمة حل السلطة وترك فراغ إداري يؤدي إلى فوضى في الشارع الفلسطيني، ويقود إلى انهيار اقتصادي ومالي. قد تكون نتائج الفراغ الإداري وخيمة جدا على حياة الناس، ومن المحتمل أن يدفعهم إلى الاستنجاد بالاحتلال مما يضفي شرعية على احتلال بثوب جديد ومقبول عالميا لأنه يستند إلى طلب جماهيري.
 
طبعا كان الأجدر بالشعب الفلسطيني ألا يقبل اتفاق أوسلو، وأن يرفض الترتيبات الأمنية والاقتصادية والمالية والثقافية التي ترتبت عليه، لكن بما أنه قبل راغبا أو راغما، وتورط الشعب -خاصة في الضفة الغربية- بأوحال متنوعة فإن البحث عن حل يشكل واجبا وطنيا. المهمة ثقيلة، لكن إدارة الظهر وترك الناس وشأنهم سيجعل من المهمة أكثر تعقيدا وأشد وطأة.
 
وعليه أرى أن البديل هو إنشاء هيئة وطنية من مهنيين وطنيين مستقلين لا علاقة لهم بدول أو تنظيمات فلسطينية تقوم على إدارة شؤون الناس اليومية والمدنية، وبإمكان الفصائل الفلسطينية بالتعاون مع أكاديميين ومثقفين ومفكرين فلسطينيين العمل على تشكيل هذه الهيئة. يقتصر عمل هذه الهيئة على إدارة شؤون الناس اليومية والمدنية ولا تتدخل في القضايا السياسية والأمنية والعسكرية، لكنها تبقى مسؤولة عن الأمن المدني.
 
بتشكيل هذه الهيئة، يتخلص الشعب الفلسطيني من أمرين: اتفاق أوسلو وصراعات الفصائل على السلطة. وبذلك تتوحد الضفة الغربية وغزة تحت قيادة إدارية وليست سياسية.
 
يصار في هذه الأثناء إلى إعادة الهيبة للأمن الوطني المستند على مقاومة ذات تحصين أمني محكم، وإلى إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس جديدة وبطريقة تشارك فيها كل الفصائل والقوى الفلسطينية، وتصبح بعد تشكيلها القيادة العليا الفلسطينية التي تشرف على كل الملفات التي تخص الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة. بهذا يكون الشعب الفلسطيني قد خطا خطوة كبيرة نحو الوحدة، ونحو صياغة برامج عامة يتمسك بها نحو تحقيق الحرية والتحرير والاستقلال.
 
"
بديل السلطة هو إنشاء هيئة وطنية من مهنيين وطنيين مستقلين لا علاقة لهم بدول أو تنظيمات فلسطينية، تقوم على إدارة شؤون الناس اليومية والمدنية، وبإمكان الفصائل الفلسطينية التعاون على تشكيل هذه الهيئة
"
لن يترك الاحتلال الفلسطينيين يقررون بحريتهم، وسيعمل على قمع أي هيئة وطنية لإدارة شؤون الناس في الضفة الغربية وغزة. هذه أمور جربها الشعب الفلسطيني في السابق بطرق مختلفة منها الإدارة العامة والسياسية التي قادها رؤساء بلديات الضفة وغزة من خلال لجنة التوجيه الوطني بعد الانتخابات البلدية عام 1976.
 
سيكون هناك قمع وملاحقة وعراقيل من قبل إسرائيل وأميركا، لكن لا يوجد أمام من يقع تحت الاحتلال إلا التضحية. ومن الخبرة، نعي تماما أن التضحيات توحد الشعب وتمنع الفوضى، وتصنع الرؤية الواضحة.
 
وإذا كانت الفوضى قد دبت في الضفة وغزة حينا، وغاب الحس الجماهيري بالمسؤولية فذلك لأن التضحيات قد تراجعت أمام المغريات، وما من شعب تمرد على الاسترخاء إلا كانت في انتظاره الأمجاد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك