خالد المعيني

الاسم: خالد حمزة المعيني- المولد: 1960 بغداد - الحالة الاجتماعية: متزوج- التحصيل العلمي: دكتوراه فلسفة في العلوم السياسية - علاقات دولية


 
لم تحظ الأحزاب الدينية في العراق طيلة تاريخها السياسي بفرصة ذهبية للظهور على السطح بقوة كما أتيح لها في عراق ما بعد الاحتلال الأميركي, فقد طغى الإسلام السياسي على ملامح المشهد السياسي من خلال بروز وحضور وتحكم المؤسسات أو الأحزاب أو المرجعيات الدينية في السلطة والثروة، ساعد على ذلك عدة عوامل لعل أهمها التنسيق المبكر وتحالف الكثير من هذه القوى مع إدارة الاحتلال في محطات ما قبل الاحتلال من جهة، وكذلك تراجع وانحسار وشيخوخة معظم الأحزاب الأيدولوجية التقليدية القومية أو اليسارية وعجزها عن تقديم حلول عملية وواقعية لتناقضات المجتمع العراقي من جهة أخرى.
 
وفي سياق الرغبة العارمة لدى الفرد العراقي وحاجته للتغيير نتيجة وطأة الحروب المتكررة والحصار الخانق والكبت السياسي من جهة، والشعور المتراكم لدى بعض الشرائح لعقود طويلة بالمظلومية وهيمنة التخلف كنتيجة مباشرة لليأس والإحباط من جهة أخرى، وجد الملايين من العراقيين أنفسهم مباشرة بعد الاحتلال أمام مشهد جديد في الساحة السياسية، وهو مشهد الإسلام السياسي الذي تولى الحكم، مما دفع الكثيرين في بداية الأمر إلى التعامل والتعاطف مع هذه الظاهرة -كل حسب جذوره- والتفاعل معها على أمل أنها نمط جديد قد يجلب لهم العدالة والازدهار والاستقرار الذي طالما افتقدوه.
 
ومع أن التنوع الطائفي والمذهبي والديني في العراق أمر في غاية التعقيد مقارنة بالمجتمعات الأخرى, فإن هذا التعقيد انسجم تماما مع الفلسفة السياسية الجديدة لنظام الحكم والقائمة على أساس المحاصّة الطائفية والعنصرية.
 
"
التنوع الطائفي والمذهبي والديني بالعراق أمر في غاية التعقيد مقارنة بالمجتمعات الأخرى, وهذا التعقيد انسجم تماما مع الفلسفة السياسية الجديدة لنظام الحكم والقائمة على أساس المحاصّة الطائفية والعنصرية
"
لقد أدى التدمير المبرمج لمؤسسات الدولة العراقية على يد قوات الاحتلال الأميركي وحل كافة صمامات الضبط الاجتماعي المتمثلة في الجيش والشرطة ومؤسساتها، إضافة إلى الوهن في عناصر الوحدة الوطنية وعدم تبلور هوية وطنية موحدة.. أدى كل ذلك إلى تداعيات كانت أولى نتائجها ذلك البركان الهائل الذي أعقب الاحتلال والذي اتخذ من العباءة الدينية غطاء له وفرخ مئات الأحزاب والمنظمات والمليشيات الدينية، معززا بعشرات الفضائيات ذات التمويل الخارجي لترسيخ صورة عهد جديد أرخى ظلاله على العراق فأنتج مزيجا وخليطا عجيبا بين أحزاب دينية موغلة في القدم والغيبية مؤطرة مبرقعة بادعاءات وشعارات غربية ليبرالية.
 
وغالبا ما تتيح الظاهرة السياسية الدينية هامشا كبيرا من السماحات والذرائعيات غير المحدودة (Tolerance) تندرج بين حدود الترويج والتعامل والتعاون مع المحتل الكافر إلى حدود التطرف في كل شيء، ليس فقط ضد المحتل وإنما تمتد إلى تكفير واستهداف أبناء الوطن وتوغل أحيانا إلى داخل الطائفة أو المذهب ذاته.
 
لذا فإن هذه الظاهرة حملت منذ البداية جذور تدميرها الذاتي من خلال تناقضاتها، سواء عبر اعتماد معظم برامجها السياسية على أساس الطائفة والمذهب، أو عبر اعتمادها وسيلتي التعاون مع المحتل أو التطرف المذهبي طريقا لها في تكريس حقبتها السياسية الجديدة في العراق.
 
أضف إلى ذلك امتداد جذور معظم خيوط هذه القوى خارج حدود العراق، وأخيرا فشلها في تقديم أية رؤى سياسية واقعية لشكل الدولة نظرا لتناقض خلفياتها الأيدولوجية والعقائدية الغيبية التي تصل في بعض الأحيان إلى حدود الأساطير والخرافات البعيدة كل البعد عن الإسلام الحقيقي وجوهره السامي.
 
الإسلام السياسي المتطرف
أدى فتح حدود العراق على مصراعيها عقب احتلاله وحل قوات حماية الحدود إلى تحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة ومستباحة لكل من هب ودب, ووفرت مساحة وضعية انتشار جنود الاحتلال مناخا مثاليا لاستقطاب الكثير من المنظمات والخلايا والتنظيمات الدينية المتطرفة التي وجدت في العراق ساحة نموذجية لاستهداف واصطياد هذه القوات وتصفية الحساب معها كامتداد للحرب في أفغانستان وساحات أخرى من العالم.
 
وجسدت أفكار هذه التنظيمات المتطرفة تفكيرا وافدا على طبيعة الشخصية العراقية، ففي الوقت الذي انبثقت في العراق مقاومة إسلامية ووطنية، لم يكن العراق بالنسبة لهذه التنظيمات -بسبب من عقيدتها الأممية- أكثر من ساحة حرب. ولا شك في أن آلاف العمليات التي نفذها عناصر هذه التنظيمات قد بثت الرعب في صفوف قوات الاحتلال والعراقيين على حد سواء، ورغم قلة عدد هذه التنظيمات مقارنة بفصائل المقاومة العراقية فإن استخدام أساليب التخويف والتصفيات ووفرة الإمكانات المادية غير المحدودة جعل عملياتهم أكثر فتكا وأشد تأثيرا، وشكلت في نفس الوقت كارثة ومصيبة عندما تحولت بوصلة عمليات هذه التنظيمات باتجاه الشعب العراقي بصورة رئيسية، إلى حد تشكيلها عبئا ثقيلا على مشروع المقاومة وصل إلى حد التصادم والتصفيات.

"
أدت طروحات وسلوكيات الإسلام السياسي المتطرف في العراق إلى ردود أفعال سلبية وكارثية دفعت بالبلاد إلى شفير الحرب الأهلية
"
لقد ساهمت طروحات وسلوكيات الإسلام السياسي المتطرف في العراق إلى ردود أفعال سلبية وكارثية دفعت بالبلاد إلى شفير الحرب الأهلية، فقد حفزت بالمقابل على الطائفية والتشجيع على تقسيم العراق، لا سيما بعد إعلان هذه التنظيمات يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول 2006 "الدولة الإسلامية في العراق".
 
كما شكل التطرف والممارسات الغريبة عن منظومة قيم المجتمع العراقي إلى رد فعل معاكس من خلال بروز ظاهرة الصحوات كرد فعل اجتماعي أضر كثيرا بمشروع المقاومة الوطنية وقلص من مساحة عملها وأضعف حاضنتها الشعبية.
 
كما استفاد الاحتلال كثيرا من حدة هذا التطرف لتشويه صورة المقاومة وخلطها بالإرهاب، ونجح عبر ذلك من التقاط أنفاسه وتحقيق هدف "فتنمة الحرب" وتحويلها من حرب عراقية أميركية إلى حرب عراقية عراقية.
 
من جهتها تمكنت إيران -أسوة بإدارة الاحتلال- من اختراق وتوظيف الكثير من هذه التنظيمات، إذ بتواطؤ من مرجعيات داخل وخارج العراق هيأت شريحة كاملة من الرأي العام تمهيدا لاستقطاب وتمويل وتسليح وتدريب مليشيات طائفية ومجاميع خاصة بها لتستخدمها كورقة تحسن من خلالها شروط تفاوضها مع الولايات المتحدة.
 
يشمل هذا الصنف جميع الأحزاب والمرجعيات والشخصيات الدينية التي تعاونت وانخرطت مباشرة في مشروع الاحتلال وعمليته السياسية اعتبارا من تشكيل مجلس الحكم الانتقالي في يوليو/تموز 2003 الذي ترأسه حاكم الاحتلال المدني بول بريمر والذي أسس لمبدأ المحاصّة الطائفية والعنصرية كأساس لنظام الحكم في العراق ما بعد الاحتلال الأميركي وكذلك اعتبارها ليوم احتلال بغداد عيدا وطنيا.
 
"
تمخض تعاون بعض الأحزاب الإسلامية والشخصيات مع مشروع الاحتلال عن دستور مشوه ومفخخ يستند إلى تقاسم السلطة كغنائم بين الطوائف والمذاهب والقوميات فغابت هوية العراق
"
ومن الجدير بالذكر أن معظم هذه القوى تفاهمت مع الولايات المتحدة قبل الاحتلال، وهذا ما تشير إليه وثائق ما يسمى بالمعارضة العراقية التي كان يشرف على مؤتمراتها رسميا سفير خاص يسمى سفير الولايات المتحدة لدى المعارضة العراقية، والذي أصبح فيما بعد سفيرا لها في العراق، حيث بلغت نسبة ممثلي قوى الإسلام السياسي في مؤتمر لندن الذي عقد في ديسمبر/كانون الأول 2002 أكثر من ضعفي القوى غير الدينية إذا ما تم استثناء الأحزاب ذات النزعة العنصرية, وهي نفس القوى والأحزاب التي تتقاسم السلطة والثروة حاليا في العراق وتتناوب على حكمه، مما يدل على عمق ارتباط هذه الشريحة بالمخططات الخارجية وتعاونها المبكر مع هذه المخططات، وإعطائها الشرعية لإدارة الاحتلال عبر تعاونها وتعاملها الفوري والمباشر معه.

لقد تمخض تعاون هذه الأحزاب والشخصيات مع مشروع الاحتلال عن دستور مشوه ومفخخ يستند إلى تقاسم السلطة كغنائم بين الطوائف والمذاهب والقوميات، وغابت هوية العراق لتجعل من شرائح الشعب العراقي وجها لوجه، سائرين عبر هذا الدستور ونظام المحاصّة إلى تقسيم العراق وتفتيته إلى كيانات هزيلة متناحرة فيما بينها، ويعتمد كل منها على دولة أجنبية بحجة حماية المذهب أو الطائفة.
 
الإسلام السياسي الوطني
يقصد بقوى الإسلام السياسي الوطني تلك الهيئات والشخصيات والمرجعيات التي وقفت ضد الاحتلال الأميركي ومشروعه التقسيمي، وأدركت منذ البداية أن الصراع معه لا ينحصر بطائفة أو مذهب أو قومية بعينها، وأن حشد الطاقات ينبغي أن يتم على أساس وطني وليس من خلال الثقافات الفرعية الضيقة.
 
والحقيقة أن هذا الصنف من الإسلام السياسي رغم ندرته في العراق يمكن أن يوصف بأنه قدم الصورة المنشودة للإسلام السياسي، كما تميز بثباته على الموقف وتطابقه مع إرادة الشعب العراقي المتمثلة في المقاومة العراقية، إضافة إلى أنه لم يكن من لون واحد وإنما من كافة الألوان.
 
وتجسد خطاب هذا النمط فعليا وعمليا عبر معارك الفلوجة عام 2004 التي أعطت صورة رائعة عن جوهر ونسيج الوحدة الوطنية للشعب العراقي، وأثبت من خلالها أن التقسيمات والتنويعات السياسية الطائفية لا تمثل إلا أصحابها، وأنها محصورة في الطبقة والقشرة السياسية الوافدة مع الاحتلال والمتعاونة معه دون أن تمس معدن الشخصية العراقية البسيطة.
 
"
الإسلام السياسي الوطني قدم الصورة المنشودة للإسلام السياسي، كما تميز بثباته على الموقف وتطابقه مع إرادة الشعب العراقي المتمثلة في المقاومة العراقية
"
مما تقدم يتضح أن تجربة ثماني سنوات من تصدر قوى الإسلام السياسي للمشهد السياسي في العراق أفضت إلى نتائج عكسية، وأن الاحتلال نجح في حشرها في مأزق السلطة رغم عدم استعدادها وأهليتها له. ويعود السبب في اعتقادنا إلى أن معظم خلفيات هذه القوى محكومة بالبعد الطائفي والمذهبي، بل إن بعضها لا يمكنه -بسبب هذه الخلفيات- الاتفاق مع أقرانه داخل المذهب الواحد، مما يجعلها تعيش حالة من التخبط في مواقفها بسبب شدة التناقض والازدواجية بين عقيدتها من جهة وسلوكها من جهة أخرى.
 
كما يعود فشلها إلى براغماتيتها ونفعيتها العالية التي جعلتها تتلون وتتقلب بطريقة أفقدتها مصداقيتها، ليأتي السبب الرئيسي في هبوطها وكونها الآن في العراق قد أصبحت جزءا من المشكلة لا من الحل، هو عجزها التام عن طرح مشروع ورؤية وطنية يمكن أن توحد العراقيين لبناء دولة المستقبل، والانتقال بها من الدولة الثيوقراطية الدينية التي يرزح تحت حكمها العراق حاليا، إلى الدولة المدنية المعاصرة التي تعيش بقيم المستقبل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك