محمد عباس ناجي

محمد عباس ناجي


 
ترقب إيران بدقة وحذر التداعيات المحتملة للقرارات الأخيرة التي اتخذتها تركيا تجاه العديد من الملفات الرئيسة التي تعد طهران قاسما مشتركا فيها. فقد قطعت أنقرة خطوط التواصل مع النظام السوري، حليف إيران الأساسي في الإقليم، واقتربت بشكل كبير من مواقف القوى الغربية الرامية إلى الضغط على النظام السوري من أجل التنحي.
 
كما سعت، وما زالت، لضمان موطئ قدم في الترتيبات السياسية والتوازنات الإقليمية الجديدة التي تشهدها المنطقة بفعل "الموجات الثورية" التي تتعرض لها العديد من الدول العربية، محاولة الترويج لنموذجها "العلماني" باعتباره الأنسب، في رؤيتها، للدول العربية التي شهدت سقوط أنظمتها السياسية، وتدعيم شراكاتها الإستراتيجية مع هذه الدول، وبدا ذلك جليا في الجولة التي قام بها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى كل من مصر وتونس وليبيا في سبتمبر/أيلول 2011.
 
لكن القرار الأهم الذي اتخذته تركيا وبات مثار قلق واضح من جانب إيران تمثل في موافقتها، في بداية سبتمبر/أيلول 2011، على نشر أجزاء من الدرع الصاروخية الأطلسية على أراضيها، وتحديدا في منطقة "كوريجيك" قرب محافظة "ملاطيا" في وسط تركيا، والتي تبعد حوالي 700 كيلومتر عن الحدود الإيرانية، وذلك بهدف رصد الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى التي قد تنطلق من دول في الشرق الأوسط وتحديدا من إيران.
 
موافقة أنقرة على نشر أجزاء من الدرع الصاروخية على أراضيها جاء بعد مباحثات ماراثونية عقدتها مع الدول الأعضاء في حلف الناتو قبل وأثناء قمة الحلف التي عقدت في لشبونة يومي 19 و20 نوفمبر/تشرين الثاني 2010، حيث وضعت شروطا عديدة للموافقة على طلب الحلف، كان أهمها حذف أسماء الدول المستهدفة من نشر المنظومة وعلى رأسها بالطبع إيران.
 
ورغم ذلك، فإن إيران بدت متوجسة إزاء الخطوة التركية، إذ اعتبرتها مؤشرا جديدا على اقتراب تركيا من المواقف الغربية ليس فقط تجاه سوريا، وإنما تجاه إيران أيضا، لا سيما أن الأخيرة تعتبر نفسها المستهدف الأول، إلى جانب روسيا، من نشر الدرع الصاروخية التي قد تحول دون وصول الصواريخ الإيرانية إلى إسرائيل في حالة تعرض إيران لضربة إسرائيلية بسبب برنامجها النووي.
 
"
رغم أن إيران بدت مرتاحة إزاء التوتر في العلاقات التركية الإسرائيلية، فإنها رأت أن حرص أنقرة على التصعيد تجاه تل أبيب في هذا الوقت تحديدا لا يرتبط فقط بالتحيز الملحوظ لإسرائيل، وإنما بهدفين آخرين
"
قرارات متزامنة وأهداف متعددة
الملفت للانتباه هنا أن قرار الموافقة على نشر أجزاء من الدرع الصاروخية على الأراضي التركية جاء متزامنا مع الضجة التي أحدثها التوتر التركي الإسرائيلي بعد الكشف عن تفاصيل تقرير "لجنة بالمر" الخاص بالتحقيق في الهجوم الإسرائيلي على قافلة "أسطول الحرية" في 31 مايو/آيار 2010 والذي أسفر عن مقتل تسعة أتراك.
 
فرغم أن التقرير انتقد إفراط إسرائيل في استخدام القوة، إلا أنه قال إن "حصار إسرائيل لقطاع غزة قانوني"، وأكد حق إسرائيل في منع كسر الحصار "حتى لا يتم تهريب أسلحة"، واعتبر الهجوم "عملية دفاع عن النفس"، مشيرا إلى أن "عناصر البحرية الإسرائيلية واجهوا مقاومة منظمة وعنيفة من مجموعة من الركاب الذين كانوا على متن سفينة مافي مرمرة".
 
ورغم أن إيران بدت مرتاحة إزاء التوتر في العلاقات التركية الإسرائيلية، فإنها رأت أن حرص أنقرة على التصعيد تجاه تل أبيب في هذا الوقت تحديدا لا يرتبط فقط بالتحيز الملحوظ لإسرائيل الذي اتسم به تقرير "لجنة بالمر" ورفض الأخيرة الاعتذار عن مقتل الأتراك التسعة في الهجوم على "أسطول الحرية"، وإنما يتصل أيضا بهدفين آخرين يحظيان باهتمام خاص من جانب إيران: أولهما، محاولة التغطية على قرار أنقرة نشر أجزاء من الدرع الصاروخية على أراضيها، والذي كان من الممكن أن يثير سجالا داخليا بسبب تأثيراته المتوقعة على علاقات تركيا مع كل من إيران وروسيا، لولا تعمد أنقرة الإعلان عن تدابيرها العقابية تجاه إسرائيل بالتزامن مع ذلك، وفي أثناء عطلة البرلمان.
 
ويبدو أن هذا الهدف قد تحقق بشكل جزئي، إذ إنه ما إن هدأت العاصفة التي أثارها تقرير "لجنة بالمر"، حتى بدأ الجدل يتصاعد في تركيا حول الدرع الصاروخية وهو ما بدا جليا في التظاهرات التي شهدتها منطقة "كوريجيك" التي ستنصب فيها الأجهزة الخاصة بالدرع تنديدا بالقرار، وفي طلب الاستجواب الذي تقدم به النائب عن حزب الشعب الجمهوري علي رضا أوزتورك بعد أن استأنف البرلمان أعماله في بداية أكتوبر الحالي.
 
وثانيهما، صرف الانتباه عن مأزق "البدائل الضيقة" الذي تواجهه تركيا في التعامل مع تطورات الأزمة السورية، خصوصا بعد فشل "نصائحها"، أو بالأحرى "تهديداتها" في إقناع النظام السوري بالتوقف عن استخدام آلة القمع تجاه المحتجين، وعجزها عن اتخاذ موقف حاسم إزاء ذلك، رغم اقترابها إلى حد كبير من مواقف القوى الغربية، بشكل يهدد فعلا طموحاتها في لعب دور إقليمي مميز في المنطقة.
 
من هنا اتجهت إيران إلى توجيه تهديدات مباشرة إلى تركيا جراء موافقتها على نشر أجزاء من الدرع الصاروخية على أراضيها، حيث حذر وزير الدفاع الإيراني الجنرال أحمدي وحيدي، في معرض انتقاده للخطوة التركية، من أن "أي اعتداء على إيران من أي جهة في المنطقة والعالم سيواجه برد مدمر"، وألمحت وسائل إعلام إيرانية إلى وجود خطط لإقامة درع صاروخية مشتركة بين إيران وروسيا والصين لمواجهة التهديدات المحيطة بهم.
 
لكن التهديد الأهم جاء على لسان الجنرال يحيى رحيم صفوي مستشار المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي للشؤون العسكرية، الذي لم يكتف بتأكيد أن تركيا ارتكبت ثلاثة أخطاء إستراتيجية في المنطقة هي: نشر أجزاء من الدرع الصاروخية على أراضيها، والتعاون مع الولايات المتحدة وإسرائيل لزعزعة الاستقرار في سوريا، ومحاولتها الترويج للإسلام العلماني في مصر خلال زيارة أردوغان للقاهرة، وإنما حذر تركيا علانية من أنها "إذا لم تسارع إلى تصحيح أخطائها فإنها تجازف بفقدان شراكتها الاقتصادية مع إيران".
 
"
إيران لا تمتلك ترف المجازفة بخسارة علاقاتها المميزة مع تركيا في هذا الوقت تحديدا لأسباب عديدة، أولها أن تركيا بالنسبة لإيران حليف مهم وظهير إقليمي حاولت إيران الاستعانة به لتقليص الضغوط الدولية
"
حدود الخيارات الإيرانية
لكن التمعن في قراءة حدود الخيارات المتاحة لإيران للتعامل مع الخطوات التركية التي تراها طهران مهددة لمصالحها، يكشف عن حقيقة مهمة مفادها أن إيران لا تمتلك ترف المجازفة بخسارة علاقاتها المميزة مع تركيا في هذا الوقت تحديدا لأسباب عديدة: أولها، أن تركيا بالنسبة لإيران حليف مهم وظهير إقليمي حاولت إيران الاستعانة به لتقليص الضغوط الدولية التي تتعرض لها، مثلما حدث عندما وقعت مع تركيا والبرازيل على "الاتفاق النووي الثلاثي" في مايو 2010، والذي سعت من خلاله الدول الثلاث إلى التوصل لتسوية سلمية لأزمة الملف النووي الإيراني، ومثلما حدث عندما امتنعت تركيا عن تأييد قرار مجلس الأمن رقم 1929، الصادر في يونيو/حزيران 2010، والذي فرض عقوبات موسعة على إيران بسبب عدم استجابتها لمطالب مجلس الأمن الخاصة بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم، رغم أنها التزمت بعد ذلك بتطبيق بنوده.
 
وربما يمكن القول إن أهمية تركيا بالنسبة لإيران سوف تزداد تدريجيا بسبب ما تشهده الدول العربية من ثورات واحتجاجات باتت تؤرق الأخيرة خصوصا أنها وصلت إلى حلفائها، وعلى رأسهم النظام السوري. وبالطبع فإن إيران التي باتت مهددة بفقدان حليفها الرئيس في المنطقة ليست في وارد فقدان قوة إقليمية أخرى. فضلا عن أن إيران لا يمكنها أن تعوض بسهولة شراكتها الاقتصادية المتميزة مع تركيا، حيث وصل حجم التبادل التجاري إلى أكثر من 10 مليارات دولار مع توقعات بارتفاعه إلى 30 مليارا في عام 2015.
 
هذه الأهمية المتزايدة لتركيا لدى إيران انعكست في عدد من المؤشرات المهمة التي يمكن القول إنها جاءت معاكسة للتهديدات الأخيرة التي جاءت على لسان العديد من المسؤولين الإيرانيين. فقد اقترحت إيران، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2011، على لسان وزير التجارة والصناعة والتعدين علي أكبر محرابيان، مبادرة ثلاثية للتعاون مع تركيا ومصر، وهو مؤشر لا يوحي فقط باهتمام إيران بتطوير العلاقات مع تركيا، بل بطموحها في تدشين شراكة مع مصر، وربما منافسة تركيا في ذلك، خصوصا بعد القفزة التي شهدتها العلاقات الاقتصادية بين تركيا ومصر في أعقاب زيارة أردوغان للقاهرة، والتي انعكست في الجهود التي تبذلها الدولتان بهدف زيادة حجم التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، وفي دعوة أردوغان رجال الأعمال الأتراك إلى زيادة حجم الاستثمارات التركية في مصر من 1.5 مليار دولار إلى 5 مليارات دولار.
 
وفضلا عن التنسيق والتعاون المستمر بين الطرفين لمواجهة مسلحي حزب العمال الكردستاني وحزب الحياة الحرة (بيجاك) في شمال العراق، وإن كانت إيران تحاول استثمار قدرتها على استخدام الورقة الكردية لمساومة تركيا والضغط عليها لتغيير موقفها تجاه الأزمة السورية، أعلنت إيران، في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2011، أنها مستعدة لزيادة صادراتها من الغاز الطبيعي إلى تركيا بعد أن أنهت شركة "بوتاش" التركية عقدا مع شركة "غازبروم" الروسية بسبب خلافات بشأن السعر.
 
إلى جانب ذلك فإن تلويح إيران بإمكانية تدشين شراكة مع روسيا لإقامة درع صاروخية مقابلة لنشر أجزاء من الدرع الصاروخية الأطلسية على الأراضي التركية، ربما لا يتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض التي تؤكد على اعتبارات عديدة: أولها، أن العلاقات بين روسيا وإيران لا تدخل في نطاق التحالف، كما أنها ليست من النوع شديد الصلابة خصوصا أن الخلافات القائمة بين الطرفين ليست ثانوية ولا يمكن تسويتها بسهولة.
 
وثانيها، أن روسيا لم تكن صديقا دائما لإيران في أي وقت مضى، بل على العكس، كانت في بعض المراحل، أحد مصادر تهديد الأمن القومي الإيراني، خصوصا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وخلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.
 
وثالثها، أنه رغم ما تمثله إيران من أهمية إستراتيجية بالنسبة لروسيا، فإن الأخيرة لم تتوانَ عن التلويح بعلاقاتها مع إيران في تفاعلاتها مع الغرب. بعبارة أخرى، يمكن القول إن روسيا تحاول استثمار تعاونها العسكري والنووي مع إيران كـ"ورقة ضغط" لمواجهة التحديات التي يفرضها الغرب، خصوصا فيما يتعلق بتوسع حلف الناتو في شرق أوروبا ونشر الدرع الصاروخية على مقربة من حدودها.
 
"
روسيا لم تكن صديقا دائما لإيران في أي وقت مضى، بل على العكس، كانت في بعض المراحل أحد مصادر تهديد الأمن القومي الإيراني، خصوصا في القرنين 18 و19 وخلال الحربين العالميتين الأولى والثانية
"
هذا السبب الثالث بالتحديد دفع إيران إلى عدم التعويل كثيرا على "الصديق الروسي" في مواجهة الضغوط الغربية، خصوصا بعد الخطوات التي اتخذتها روسيا وأضرت من خلالها بمصالح إيران. فقد أيدت روسيا قرار مجلس الأمن رقم 1929 الصادر في يونيو/حزيران 2010 بفرض عقوبات موسعة على إيران،
كما تأخرت كثيرا في إتمام مفاعل بوشهر النووي، وفوق ذلك قامت بإلغاء صفقة صواريخ "إس 300" للدفاع الجوي بعد ثلاث سنوات من إبرام العقد الخاص بها الذي بلغت قيمته 800 مليون دولار بحجة مخالفته لقرار مجلس الأمن رقم 1929.
 
وقد أدى ذلك إلى حدوث توتر كبير في العلاقات بين الطرفين، لا سيما عندما اندفع الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى توجيه انتقادات لاذعة إلى نظيره الروسي ديمتري ميدفيديف بسبب إلغاء الصفقة، واصفا إياه بأنه "أصبح الناطق باسم الخطط المدبرة ضد طهران".
 
هذه الاعتبارات في مجملها تشير إلى أن إيران لن تجازف، في هذه اللحظة تحديدا، بخسارة صديقها التركي، لأن ذلك ربما ينتج تداعيات سلبية على مصالحها وأمنها القومي، تماما مثلما يمكن أن يحدث بعد أن تنتهي الموجات الثورية الحالية التي تجتاح العديد من الدول العربية والتي ستنتج حتما توازنا إستراتيجيا جديدا في الشرق الأوسط، سوف يدفع كل الأطراف إلى إعادة ترتيب حساباتها وأوراقها الإقليمية،ى وعلى رأسهم إيران.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك