ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني


دعونا نعترف أننا إزاء مشهد مركب تعيشه منطقتنا العربية والشرق الأوسط عموما، وهو يحتمل الخلاف بهذا القدر أو ذاك، وإن اعتمد الأمر على طبيعة النوايا، إذ يتوزع من يأخذون هذا الموقف أو ذاك بين من يجتهدون لما يرونه مصلحة الأمة، ومن يتخذون المواقف لاعتبارات قطرية أو طائفية أو مذهبية أو إقليمية أو حزبية لا صلة لها بالقيم ولا بالمبادئ التي يرفعونها تبريرا لمواقفهم.
 
"
قبل الربيع العربي كان ثمة محور اسمه محور المقاومة والممانعة، في مقابل محور الاعتدال الذي تتصدره الشقيقة الكبرى بقيادة حسني مبارك الذي هبط بمصر إلى أسوأ وضع عاشته منذ عقود
"
قبل الربيع العربي كان ثمة محور اسمه محور المقاومة والممانعة، يتشكل من عدد من الدول (إيران وسوريا وقطر، مع دول أخرى تقترب من ذات الخط بهذا القدر أو ذاك)، إلى جانب حركات مقاومة في مقدمتها حزب الله وحماس والجهاد، ومعها عدد كبير من القوى الإسلامية والقومية واليسارية، فضلا عن نشطاء مستقلين ومنظمات مجتمع مدني ونقابات وجمعيات.
 
في مقابل المحور المذكور كان ثمة محور آخر تتصدره الشقيقة الكبرى بقيادة حسني مبارك الذي هبط بمصر إلى أسوأ وضع عاشته منذ عقود، ومعها عدد من الدول العربية الأخرى التي انسجمت بدرجات متفاوتة مع المشروع الأميركي، غالبا لاعتبارات تتعلق بمصالح الأنظمة ونخبها الحاكمة أكثر من أي شيء آخر (ينطبق ذلك بوضوح على نظام مبارك الذي باع البلد من أجل التوريث وللمحافظة على مصالح نخبته الفاسدة).
 
خلال الألفية الجديدة سجل محور المقاومة ورغم الهجمة الأميركية الغربية الصهيونية الشرسة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، انتصارات كبيرة لا ينكرها سوى جاهل، فقد تمكن من إفشال مشروع الغزو الأميركي للعراق (الغياب العربي هو ما أوقع البلد أسير الهيمنة الإيرانية)، وحوله من محطة لإعادة تشكيل المنطقة كما صرح بذلك القائمون عليه، إلى محطة لإضعاف القوة الأميركية، فيما كانت مقاومة حركة طالبان تكرر نفس النجاح بإفشال مشروع الغزو لأفغانستان الذي كان ينبغي أن يساهم هو الآخر في تكريس "القرن الإمبراطوري الأميركي الجديد" بالامتداد في آسيا الوسطى، حسب أحلام المحافظين الجدد، وفي مقدمتهم الصهاينة والمتصهينون في الساحة السياسية الأميركية.
 
صحيح أن الجزء الأول من الألفية الجديدة قد شهد إجهاضا لانتفاضة الأقصى، ومن ثم اغتيال قادة الشعب الفلسطيني الكبار من الشيخ أحمد ياسين والرنتيسي إلى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ومن ثم وضع الملف الفلسطيني (السلطة وفتح ومنظمة التحرير) بيد فريق أكثر انسجاما مع التوجهات الأميركية الصهيونية، لكن ذلك الإنجاز لم يلبث أن تبدد بسبب التطورات التالية في المنطقة، وفي مقدمتها الفشل في العراق، وبعده الهزيمة الإسرائيلية في حرب يوليو/تموز 2006، ومن ثم الهزيمة الأخرى في قطاع غزة نهاية 2008 ومطلع 2009، وكانت النتيجة أن ما عوَّل عليه الصهاينة بعد تلك المرحلة من فرض لحل مشوَّه على الشعب الفلسطيني لم يسجل نجاحا يذكر، وها هو خيار المفاوضات يعلن فشله من الناحية العملية، وإن أصرَّ قادة فلسطين الجدد على المضي فيه إلى ما لا نهاية، الأمر الذي لا زال يمنح الكيان الإسرائيلي هدوء واستقرارا لم يعرفه منذ عقود مكنه من تجاوز الأزمة المالية العالمية على نحو جيد إلى حد كبير.
 
مع نهاية العام الماضي ومطلع العام الجديد وقع تطور لم يكن في حسبان أي من القوى الكبرى، ولا حتى القوى الإقليمية أو العربية تمثل في اندلاع ما يعرف بالربيع العربي الذي أطاح خلال شهور قليلة بالنظام الذي يمثل رأس محور الاعتدال، وقبله نظام له حضوره في الخدمات الأمنية والسياسية للغرب والصهاينة (نظام بن علي في تونس).
 
بعد ذلك تلاحقت الأحداث وجاءت المحطة الليبية التي أثارت ولا زالت تثير الكثير من الجدل إثر تدخل الناتو لصالح الثوار. وهنا اندلع الخلاف حول ذلك التدخل، وما إن كان مشروعا أم لا، وهل يصب لصالح حراك الأمة ضد الظلم والطغيان، وتاليا لصالح قضاياها الكبرى أم يصب لصالح القوى الغربية؟
 
كان الخلاف مستساغا بعض الشيء فيما خصَّ التدخل الغربي، لكن الواضح أيضا أننا إزاء تدخل لم يأت نتاج مؤامرة كبرى ضد الأمة، بقدر ما جاء نتاج حسابات معقدة ذات صلة بصراعات الدول الكبرى على مواقع النفوذ والقوة والثروات في ظل ضعف الولايات المتحدة إثر خسائرها في العراق وأفغانستان، فضلا عن حقيقة أن الشعب الليبي هو من فجَّر الثورة وصنع الانتصار، وقبل ذلك حقيقة أن نظام القذافي صار خادما للمصالح الغربية خلال الألفية الجديدة، خاصة الاقتصادية منها (دعك من السياسية مثل تدخلاته في السودان التي ساهمت بقوة في الانفصال وفي حرب دارفور).
 
كل ذلك لم يكن ليثير الكثير من الغبار، فقد كانت الانتصارات التي تحققت في مصر وتونس تصب لصالح محور المقاومة، وكان بوسع نظام الأسد أن يدير العجلة لصالحه وصالح المحور برمته لو نفذ إصلاحات حقيقية ترضي الشعب السوري الذي كان يتطلع للحرية مثل سائر الشعوب العربية؛ هو الذي عاش طوال عقود في ظل نظام أمني تفوح منه رائحة الطائفية، وإن لم يجد الكثير من الخلاف معه بخصوص المواقف القومية، بل فيما إذا كان مقاوما وممانعا بالفعل أم لا (يتحدثون عن جبهة الجولان الهادئة والتحاقه بمحور حفر الباطن ومطاردة المقاومة الفلسطينية في لبنان، فضلا عن تشكيك قطاع منهم في نواياه)، الأمر الذي يمكن تفهمه في ظل حقيقة أن من يتعرض للظلم سيكون من الصعب عليه الاعتراف بأي حسنة لمن يمارس الظلم بحقه.
 
"
الشارع العربي الذي وقف إلى جانب معسكر المقاومة والممانعة, لم يجد بدا من مساندة إخوانه السوريين في تطلعهم للحرية، تماما كما فعل مع إخوانه المصريين والتونسيين واليمنيين والليبيين
"
باندلاع الثورة السورية أخذ الجدل يحتدم أكثر فأكثر، فالشارع العربي الذي وقف إلى جانب معسكر المقاومة والممانعة رغم محاولات ثنيه عن ذلك عبر إثارة الحساسيات الطائفية، لم يجد بدا من مساندة إخوانه السوريين في تطلعهم للحرية، تماما كما فعل مع إخوانه المصريين والتونسيين واليمنيين والليبيين، لكن انحراف الوضع نحو الخطاب الطائفي كان طبيعيا إلى حد كبير، ليس فقط لأن أصابع السياسة كانت واضحة في سياق الحشد، وبالطبع لأن هناك دولا عربية تبدو معنية بذلك من أجل التخويف من إيران ومن الشيعة حتى يكف مواطنها عن المطالبة بالإصلاح السياسي، وإنما أيضا لأن ردة فعل النظام كانت عنيفة ودموية إلى حد كبير.
 
طبعا كانت رعونة إيران، وكثير من القوى الشيعية في علاج ملف البحرين واضحة (عبر جعله أولوية كبرى رغم ضعف الحراك الذي لا يخفي عدالة الكثير من مطالبه)، وساهمت بقوة في الحشد المذهبي، والسبب أن عاقلا لا يمكنه التبشير بإمكانية إسقاط النظام في البحرين (بشكل مباشر أو غير مباشر) في ظل المعادلة الخليجية والإقليمية القائمة (دعك من الدولية ووجود الأسطول السادس)، وكان بالإمكان تأجيل هذا الملف لبعض الوقت، أو التعامل معه بمنطق مختلف ريثما تتغير الأوضاع عربيا نحو معادلة مستقرة تعلي من شأن المواطنة والتعددية بعيدا عن الحساسيات المذهبية. واللافت هنا أن جمعية الوفاق التي تقود حركة الاحتجاج الشيعي في البحرين كانت أكثر عقلانية في خطابها من إيران والقوى الشيعية في الخارج.
 
ومع استمرار الحشد الطائفي جاء الموقف الإيراني المناهض لثورة الشعب السوري، ومعه موقف حزب الله، وتاليا موقف الحكومة العراقية الواقعة تحت هيمنة القوى التابعة لإيران من الناحية العملية ليزيد في أجواء الحشد الطائفي، وليلقي بمقولات المقاومة والممانعة في مؤخرة العقل الجمعي للجماهير، بينما كانت تركيا تسجل اختراقا كبيرا في المنطقة بخطاب أردوغان القوي حيال الكيان الصهيوني بعد قصة سفينة مرمرة، وقد حدث ذلك رغم أننا إزاء دولة عضو في الحلف الأطلسي وتقيم علاقات سياسية وأمنية وعسكرية مع دولة العدو (قطعت الأمنية والعسكرية). وجاء موقف الحكومة التركية من الملف السوري ليزيد في الحضور التركي في الأوساط الشعبية مقابل خسائر كبيرة لإيران وحزب الله وحشد طائفي يتصاعد بالتدريج.
 
اليوم، وفي مقابل موقف تركي محسوم من النظام السوري، مع تردد عربي وآخر غربي لم يذهب بعيدا في مطاردة النظام، يحضر الموقف الإيراني الداعم له (بلا حدود) بالمال والسلاح، إلى جانب آخر عراقي يقدم المدد اللافت، لاسيما بعد سيطرة الحكومة العراقية على الأجواء، فضلا عن سيطرة حزب الله العملية على الحكومة اللبنانية.
 
في ضوء ذلك كله لا يشعر نظام الأسد بقرب النهاية، لا سيما أن إستراتيجيته في القتل والاعتقال بالتقسيط، مع الانتشار الكثيف للجيش والأجهزة الأمنية، لا زالت تؤتي أكلها في تخويف الناس والحيلولة دون المسيرات الضخمة (هنا يكمن سر فشل المبادرة العربية لأن توقف آلة القتل سيخرج الناس بالملايين إلى الشوارع ما يدحرج الموقف نحو إسقاط النظام)، فضلا عن حقيقة أن الحشد الطائفي قد منحه تأييد كتلة كبيرة من السكان الخائفين من البديل، بخاصة العلويين والدروز والمسيحيين.
 
ضمن هذه الأجواء انقسم الناس، ومالت الغالبية الساحقة من الجماهير العربية إلى تأييد الثورة في سوريا رغم وقوفها السابق مع تيار المقاومة والممانعة، ليس فقط بسبب ميلها الفطري لمطالب الحرية والتعددية بعد زمن طويل من القمع، بل أيضا بسبب السمة الطائفية للجزء الأكبر من حالة التأييد للنظام السوري، معطوفا على تأييد أقليات أخرى (مواقف الجنرال عون والبطريرك الماروني مثالا).
 
هنا أخذ مؤيدو النظام يصرخون بأن محور المقاومة والممانعة في خطر وأنه يتعرض لمؤامرة، فيما رأى الآخرون أن سقوطه سيوفر الأجواء لاستمرار الثورات العربية، وصولا إلى وضع يسيطر فيه المزاج الشعبي المنحاز ضد الإمبريالية الأميركية والغطرسة الصهيونية على المنطقة، الأمر الذي سيغير ميزان الصراع برمته، مستدلين على ذلك بالذعر الذي يجتاح الأوساط الصهيونية، فضلا عن حقيقة أن محور المقاومة لم يكن يتقدم كثيرا في صراعه مع العدو بسبب وجود المحور الآخر، وبسبب حسابات أنظمته الكثيرة والمعقدة.
 
"
مؤيدو النظام السوري يصرخون بأن محور المقاومة والممانعة في خطر وأنه يتعرض لمؤامرة، فيما يرى الآخرون أن سقوطه سيوفر الأجواء لاستمرار الثورات العربية
"
صحيح أن الوضع الجديد سيحتاج بعض الوقت حتى يتبلور. وصحيح أن بعض قوى المعارضة المنخرطة في الربيع العربي تمارس بعض الغزل مع أميركا والغرب (لم يعد الموقف الغربي موحدا، كما لم تعد أميركا بقوتها القديمة)، لكن الثورات العربية لن تفرز في نهاية المطاف غير قوىً تطلب ود الشارع الذي يثق المخلصون ببوصلته الصائبة في رفض الإملاءات الخارجية، والأهم بتصديه للعدوان الأجنبي، خاصة الصهيوني على الأمة.
 
المعادلة هي إذن بين من يثقون بأن الجماهير التي فجرت هذه الثورات بروحية المقاومة التي استلهمتها من فلسطين والعراق ولبنان، لن تكون في معسكر غير معسكر الوحدة والمقاومة للغطرسة الخارجية، ولن تسمح بسرقة ربيعها مهما كان الثمن، وبين الفريق الآخر الذي يثق في نظام بشار الأسد الدكتاتوري الفاسد ومؤيديه على أسس طائفية، ومعهم الحالمون بالتمدد والنفوذ كما هو حال إيران، ويعد هم الأكثرين حرصا على فلسطين وقضايا الأمة، ومن هؤلاء فريق تعشش فيه روح المؤامرة ويرى أن أميركا هي رب الكون الذي يحركه كيف يشاء.
 
نحن مع الفريق الأول من دون تردد، وبالطبع لأن نثق بالروح الجمعية للأمة أكثر من أي نظام مهما كان، كما نثق بقدرة الشعوب على الفعل وإفشال مخططات الأعداء، ولكل بعد ذلك أن يختار معسكره ويحدد موقفه في ظل اختلاط المواقف وارتباك الرؤى وتعقيدات المشهد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك