مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

 


بين الغزوتين
غزوة الحرية في نيويورك
مطالب ديمقراطية للأميركيين

وفي وول ستريت سهمٌ للعرب

ما الذي كان بالإمكان أن يدور في خلَد ساسة المحافظين في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش أو قيادات مجلس الأمن القومي الأميركي أمام ذلك الحشد الغاضب لحركة –احتلوا وول ستريت– بالقرب من ضاحية مانهاتن في نيويورك؟

وما هو أقصى قَدْر من التشاؤم الذي لم يكن يتوقعه أحدهم حين يستمع إلى هتافات الشباب الأميركي من الجنسين وهم يتزايدون ويمتد احتجاجهم إلى لوس أنجلوس وعواصم عالمية أخرى والإصرار على المحافظة على فعاليتهم حتى الشتاء القادم رغم حلقات التوقيف التي نُفذت ضدهم, وهم يعلنون في هتافات استقوها من الربيع العربي بنص تصريحاتهم المتعددة في التلفزة الأميركية -الشعب يريد إسقاط نظام وول ستريت- ويبررون ذلك بأن هذا النظام يُشكّل قاعدة الظلم الاقتصادي واحتلال السوق ومصادرة الثروة وهو إذا في رؤيتهم نظام لبرنامج مصادرة حق الفقراء وتكريس البطالة في المجتمع الأميركي والعالم.

هي مفارقة أمام البيت الأبيض الذي صرح زعيمه أوباما عند بداية الاحتجاج بمقولة تتفهم: ذلك الغبن التاريخي الذي يعانيه الشباب من صلف سوق المال الأميركي -قبل أن يتراجع الرئيس عنها في مواقف لاحقة- لكنّ حديثنا هنا في معنى اللوحة الأخرى للمشهد التي لها إسقاطها المعبر لعلاقتها التاريخية بأحداث 11 سبتمبر/أيلول والعرب, فالولايات المتحدة الأميركية اعتمدت صورة مانهاتن الضحية إثر العملية الإرهابية التي أطلقت عليها القاعدة غزوة مانهاتن والتي جرت في سبتمبر/أيلول وسقط فيها قرابة الثلاثة آلاف ضحية بريئة, وقدمها البنتاغون والإعلام الأميركي كمبرر متواصل لم ينقطع لاتهام العرب ولحروب واشنطن, فقتل الجيش الأميركي عبر تلك الصورة لبرجي مانهاتن أكثر من مليوني ضحية في العراق وأفغانستان واحتلت الولايات المتحدة دولتين ولا تزال.

 فهنا كان العالم الآخر المُعنّف من الغرب يَعتبر تلك الحروب إرهابية وفقاً لمعادلة واشنطن ذاتها مع الضحايا المدنيين, على الأقل بحسب ميزان العدالة بالمماثلة في قتل المدنيين, وأما ميزان عدد الضحايا فقد كان دائماً لا يَعتمد الإنسان في الجنوب مقابل إنسان الغرب بل بضربه في عشرة أو مائة وربما يزيد في قياس عنصري لا تقره أي شريعة, ومع ذلك لا تزال ماكينة الإعلام الأميركي تعتصر تلك الصورة لتبرير نهر القتل الذي لا يتوقف.

"
فلسفة احتلال العالم عبر الاقتصاد بذات التعبير تعود ولكن عبر الشارع الأميركي وإن اختلفت نماذج الضحايا لسوق المال التي يهتف باسمهم محتجو حركة وول ستريت إلاّ أنها من ذات المنطلق
"
بين الغزوتين
هنا المفارقة أنّ الشيخ أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة الراحل لم يكن ضمن طرح مبرراته لمشروعه المقاوم قتل المدنيين كمدنيين في استهداف المركزين العالميين للاقتصاد الأميركي إنما وبحسب خطاباته أنه كان يستهدف -قاعدة الاحتلال الاقتصادي للعالم- التي تتمركز في مانهاتن النيويوركية, والتي في تبريره كانت تدعم حكومات المصالح الأميركية في العالم الثالث وتخنق الشعوب المحتلة والمقهورة وخاصة فلسطين.

وها هي أي فلسفة احتلال العالم عبر الاقتصاد بذات التعبير تعود ولكن عبر الشارع الأميركي وإن اختلفت نماذج الضحايا لسوق المال التي يهتف باسمهم محتجو حركة وول ستريت إلاّ أنها من ذات المنطلق. رفض تسخير المال للظلم وسحق الإنسان, ومع أنّ العالم الجنوبي وثقافة الفكر الإسلامي الأصيل واليسار المناهض للإمبريالية رفض ولا يزال القتل الذي تمارسه القاعدة ضد المدنيين إلا أنّ التعاطف عند أول الأحداث بعد 11 سبتمبر/أيلول مع فكرة المقاومة الإستراتيجية للمال السياسي الدولي كانت حاضرة لدى مثقفي الجنوب والرأي العام الشعبي إلى درجة الهتاف باسم بن لادن ورفع صورته من صوفية نيجيريا إلى فقراء كركاس.

ولولا أنّ واشنطن وطهران والأنظمة العربية نجحت مخابراتياً في استثمار فكر الغلو الطائفي والعنف الوحشي الذي سيطر على القطاع الأكبر من القاعدة فاستدرجوهم لعمليات ضد المدنيين في العالم الجنوبي كما في الصومال والمغرب العربي والعراق وغيرهم, لاختلف المسار التاريخي لفكرة مقاومة الإستراتيجية المالية والسياسية الغربية لدى القاعدة التي تنحسر الآن وتتآكل بعد مواسم الربيع العربي للحريات ومفاهيم المقاومة المدنية لتحقيق الحرية من كِلا الاستبداديين العالمي والعربي.

غزوة الحرية في نيويورك
هنا تبدو الصورة في نطاق فلسفي معاكس لسخرية التاريخ الذي انتزع الاعتراف بالعرب الأمة والشعوب والقيم في إطار الحريات والديمقراطية والحقوق بعد اثني عشر سنة من مانهاتن العنيفة, لتعترف حركات الحرية الأميركية بالإلهام الذي استوحته من ثورة البوعزيزي وثورات الربيع العربي بل وتعلن أنّها تعتمد ذات خطها وفلسفتها. المقاومة لانتزاع الحقوق.

ومع أن الثورات العربية لم تكمل مهمتها ودخلت حالياً معركة المواجهة الشرسة مع الثورات المضادة القائم بعضها على خلفيات تحالف علمانية متطرفة مع المال والإعلام السياسي الأميركي في محاولة للتحالف لاستعادة حركته وانتزاع المشروعية الشعبية من الثوار ومن سلطة الشعب إلا أنّ ذلك القدر من نجاح الثورات وصور الفداء والتضامن لشعوب وحركات الربيع العربي حقق مقداراً كبيرا لروح الإلهام التي لا تزال تنتقل في أمم أخرى متأثرةً من نار البوعزيزي وصرخة ميدان التحرير المصري وصمود مصراتة وجدول الدم الثوري السوري واليمني.
 

"
النقد لحالة الديمقراطية الأميركية ونصيب قرار الإنسان المستقل عن أي نفوذ منها لا يترتب عليه تزكية نُظم مقابلة للأميركيين لا في الصين ولا روسيا ولا العرب المستبدين
"
مطالب ديمقراطية للأميركيين
لكن ما الذي حرّك هذا البعث الفكري للشارع الشبابي في أميركا كي تُستدعى قيم الحريات في حين تُقْدّم واشنطن أمتها كرائدة للديمقراطية الضامنة بحسب الزعم لحريات الشعوب, وقد تستمر هذه المزاعم في مغازلة الثورات من طرف واشنطن لضمان جسر مع عالم الربيع العربي أو لاختراقه؟ ويجب هنا أن نوضح ذلك الخلط الشديد في هذه القضية وهو استخدام هذا النقد للديمقراطية الأميركية كمبرر لعدوان الاستبداد العربي كما يُتبنى من الإعلام الرسمي العربي.

فأول التباس وخلط هو أن يُقرن ذلك النقد لفلسفة وقيم الحقوق الديمقراطية التي حققتها واشنطن كقانون دون أن ينعكس على تحقيق قرار الشعب مع مقابلة مع أنظمة الاستبداد العربي الموغلة في تأميم الإنسان وماله والوصاية على عقله, فهنا النقد لحالة الديمقراطية الأميركية ونصيب قرار الإنسان المستقل عن أي نفوذ منها لا يترتب على ذلك تزكية نُظم مقابلة للأميركيين لا في الصين ولا روسيا ولا العرب المستبدين.

إنما هنا القضية هل البعد الكلامي والفكري والتشريع الديمقراطي الأميركي يُحقق فعلياً ضمانة لسلطات الشعب وتحقيق العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة كبرنامج تنفيذي مشاع بين الشرائح البشرية بكل طبقاتهم؟

هذا ما لم يتحقق في عهد الديمقراطية الأميركية , فمع الاختراق المتواتر لطبقة الاقتصاد الرأسمالي لمجمل الحياة السياسية الأميركية من الأحزاب والنظام السياسي والإعلام والمال السياسي ثم المؤسسة التشريعية والإدارة الحكومية فقد انتهت بكل ذلك النفوذ إلى تغيير انقلابي مناهض لمفاهيم العدل والمساواة والحرية التي تضمنتها قيم الديمقراطية في تعريفها الفلسفي الأصيل ومن خلالها تُقدَّم البنية الأساسية لتحقيق قرار الشعب وشراكته الشاملة والعدالة لكل مواطنيه, فبُدّلت في نموذج ديمقراطية رأس المال إلى برنامج هيمنة احتوى قهريا عبر طبيعته سلطات النظام السياسي للحياة الأميركية وقرار الفرد ووضعه أمام خيارات اضطرارية صنعها تحالف المصالح للنظام السياسي وليس مشروع الشعب الذاتي.
نقطة الفصل مع ربيع العرب
 
هنا استشعار الثائر الأميركي السلمي بأن ما يطرحه العرب في ثورتهم هو نظام تغييري شامل لا يخضع لصفقات ولا منظومة حسابات تختطف قراره ومستقبله باسم الشراكة الديمقراطية, وهو في حقيقة الديمقراطية المُخترقة يخرج عبرها كمواطن مرتهن للنظام السياسي والمالي الذي يحيط به ويَختطف حتى مصطلحات الديمقراطية والحقوق لتكون منتجاً لمصالحه لا لمصلحة الشعب, وبالتالي فقد توجه ثائراً على كل ذلك الواقع ليحمل شعار الربيع العربي. إسقاط النظام.

وزحفت حركة (احتلوا وول ستريت) إلى حيث يُعتقد أنها القاعدة المهيمنة على النظام السياسي وهي الإقطاعية الرأسمالية الممتدة فروعها في المؤسسة السياسية ومراكز الأبحاث والأحزاب والإعلام وبدلاً من أنْ يخوض الحرب مع الفروع توجه للمركز الرئيسي لطرح قضية تحرير قراره كمواطن بإسقاط موازين النظام المالي وتصنيفاته السياسية لكي يصل إلى تحقيق نظامه الشعبي الذي ربما لم تكتمل فكرته لديه كثائر مدني غربي, لكنها كحركة احتجاج شبابية آمنت بأن الخطوة الأولى هي إسقاط النظام المالي كشرط لعبور خط الحصار السياسي.

"
المؤكد أنّ جزءا من تراث خريف العرب كان أمام حقيقة المال الضخم المهرب خارج الحدود, ليُحرم مستحقوه في الداخل ويُقدّم هدية للنظام المالي الأميركي يُدير به ساسة واشنطن حركة الضغوط على العالم الجنوبي
"
وفي وول ستريت سهمٌ للعرب 
وبرغم أنّ الاحتجاجات هي من داخل العمق الأميركي ولم تُشارك أي قوة احتجاج عربي فيها إلا أنّ الواقع التاريخي والإحصائي يشير بصورة كبيرة إلى أنّ ذلك الشارع المحاصَر في وول ستريت بُني أيضاً على أموال ضخمة من حقوق الشعوب العربية ونصيبهم من أموال النفط والمعادن والثروات التي صُودرت من بلادهم ورُهنت لمصالح الأُسر الحاكمة التي كشف الربيع العربي أنها أُسر تحكم كل أقطاره سواءً كانت ملكية أم جمهورية أو حتى ثورية العهد القديم, فهي نُظم اختزلت الحكم في أُسرها ووزّعت الثروات مشاعة بين أفراد الأسرة وحاشيتها بعد غلّة الرأس الكبير.

وليس بالضرورة أن تكون أموال العرب المودعة هناك كلها منهوبة فمؤكد أن فيها أموال مستحقة لتجار أو مودعين وثقوا في نظام وول ستريت الاقتصادي, لكنّ المؤكد أنّ جزءا من تراث خريف العرب أنّه كان أمام حقيقة المال الضخم المهرب خارج الحدود, ليُحرم مستحقوه في الداخل ويُقدّم هدية للنظام المالي الأميركي يُدير به ساسة واشنطن حركة الضغوط على العالم الجنوبي ويعززون استبدادهم وابتزازهم لدوله التي لا يمّل بعضها من استدرار عاطفتهم بأموال شعوبهم.

ورغم أنّ هذه الحركة لا تزال في بداياتها وقد يَسحقها النظام المالي العنصري والطبقي إلاّ أن صعودها ومحاصرتها لخزائن الشعب الغربي وأموال العرب المسروقة ربما تهدي إلى الربيع العربي مكافأة ردّ الجميل فيلتقي الربيعان أميركي وعربي لأجل الإنسان لا الطغيان.

المصدر : الجزيرة