سهيل الغنوشي

سهيل الغنوشي

سهيل الغنوشي


أبى الشعب التونسي إلا أن يستمر في ريادته للربيع العربي وضرب موعدا آخر مع التاريخ. فبعد أن اخترع شعار الربيع العربي "الشعب يريد إسقاط النظام" وابتكر وصفة التغير الشعبي السلمي، ها هو ينظم انتخابات تعددية ناجحة بكل المعايير، فاقت في بعض جوانبها الانتخابات في أعتى الديمقراطيات.
 
"
لم تحقق الانتخابات أهداف الثورة ولن توقف التآمر عليها ولم تحصنها من مؤامرات التعويق ومخاطر الانتكاس، ولكنها جعلت تونس أقرب من أي وقت مضى وأقرب من أي بلد عربي من تحقيق الحلم
"
فهنيئا لتونس وشعبها بهذا الإنجاز التاريخي الذي صنعه الشهداء والجرحى وشباب الثورة وساهم فيه الجميع: الناخبون والمتطوعون والمرشحون والأحزاب وهيئة الانتخابات والحكومة المؤقتة (بالتزام الحياد وتأمين الانتخابات). وهنيئا للنهضة بهذا الفوز المستحق.
لم تحقق الانتخابات أهداف الثورة ولن توقف التآمر عليها ولم تحصنها من مؤامرات التعويق ومخاطر الانتكاس، ولكنها جعلت تونس أقرب من أي وقت مضى وأقرب من أي بلد عربي من تحقيق الحلم الذي ناضل من أجله أجيال على مدى عقود من الزمن ضد الاستعمار والاستبداد، ولم يقترب منه الشعب سوى مرتين: لحظة الاستقلال التي ضاعت، وهذه اللحظة التي تبدو فيها الفرصة أكبر والتحديات أخطر وسقف الآمال والمطالب أعلى.
 
لم يبق سوى شوط واحد: إتمام الفترة الانتقالية بسلام وبناء أساس متين ومؤسسات وتحصينات وضمانات قوية لدولة العدالة والحرية والكرامة والمواطنة والتنمية العادلة المستدامة. دولة تضمن فيها الحقوق المتساوية ويتراحم فيها المجتمع ويتكافل ويتعايش أفراده في إطار الاحترام المتبادل والتنافس في الخير والفضيلة والتعاون في خدمة الصالح العام.
 
هذا الحدث العظيم وهذه اللحظة الفارقة بحاجة إلى قراءة دقيقة وعميقة، لسبر خلفيات التصويت والرسائل التي أراد الناخب أن يوصلها للأحزاب والمرشحين ولاستشراف المستقبل، فلا يقدر على صنع الحدث إلا من يحسن تقدير الموقف.
 
لم يكن الناخب يعرف الكثير عن الأحزاب والمرشحين، ولم ينتخب على أساس البرامج التي كانت متشابهة جدا وحالمة جدا، ولم ينبهر بالدعاية ولم يبع صوته لأن بعض الأحزاب التي تفوقت في الدعاية و"تبرعت" بسخاء حققت نتائج هزيلة.

نتيجة الانتخابات توحي بأن الشعب صوت لمن لا تحوم حوله شبهة في القطع مع العهد البائد والتمسك بالهوية العربية الإسلامية ولمن يملك رصيدا نضاليا ولمن يعرف من الأحزاب والزعماء ولمن تميز خطابه وطرحه بالاعتدال والتوازن، وبالتالي لمن يؤتمن على الثورة. تلك هي الاعتبارات التي كافأ الناخب على أساسها أحزابا وعاقب أحزابا أخرى، والنسبة التي حصل عليها كل حزب تعكس المجموع الذي حققه في هذه "الاختبارات" الخمسة.
 
وهكذا سقط الحزب الديمقراطي التقدمي سقوطا مدويا نتيجة خطئه في تقدير الموقف إذ فتح أبوابه لأعداد كبيرة من أعضاء الحزب الحاكم المنحل ففقد الكثير من مناضليه ومصداقيته ورصيده النضالي، وبالغ في خصومة أشد خصوم بن علي وعلى رأسهم حركة النهضة، بينما كانت الانتخابات استفتاء ضد بن علي وحزبه المنحل واستفتاء على حركة النهضة، وذلك لم يكن ليؤثر في النتائج لولا حملات التشهير والتشكيك التي ارتدت على أصحابها وأفادت النهضة.
 
النتائج كانت متوقعة ولكن نسبة المشاركة والنسب التي حصلت عليها الأحزاب كانت مفاجأة. ويبدو أن الذي أحدث الفارق شريطان أحدهما سينمائي عرض قبل بضعة أشهر وآخر عرضته قناة خاصة قبل بضعة أسابيع، وكلاهما اعتبر مسيئا للمقدسات وأدى إلى نتائج عكسية.
 
فبدل أن يظهر الإسلاميون عموما والنهضة خصوصا كخطر على حرية التعبير وعلى مكتسبات الحداثة أصبحت الانتخابات استفتاء على الهوية وأحس الشعب بالخطر على مقدساته وهوية البلاد ومسار الثورة ففاقت نسبة المشاركة كل التوقعات وصبت الزيادة في مصلحة المدافعين عن الهوية والمقدسات.
 
"
الشعب لم ينتخب النهضة وحلفاءها لينشغلوا بالسلطة ومتاهاتها، ولكن استأمنهم على قيادة الثورة والتأسيس للدولة، وترجمت الانتخابات حسا شعبيا بأن الثورة لم تكتمل وهي بحاجة إلى قيادة لتحقيق التوافق
"
لم تكن هذه الانتخابات الإستثنائية سوى آلية لإفراز قيادة شرعية للثورة. وبالتالي فإن الشعب لم ينتخب النهضة وحلفاءها لينشغلوا بالسلطة ومتاهاتها، ولكن استأمنهم على قيادة الثورة والتأسيس للدولة، وترجمت الانتخابات حسا شعبيا بأن الثورة لم تكتمل وهي بحاجة إلى قيادة لتحقيق التوافق واستكمال الفترة الانتقالية والعبور نحو الدولة. وبالتالي على النهضة أن تقرأ نتائج الانتخابات كتكليف شعبي لقيادة الثورة، وأن هذا التكليف مشروط بالتوافق لوضع الأسس والأطر والآليات التي تحقق الأهداف التي قامت من أجلها الثورة، وأن تتصرف على هذا الأساس من دون غرور ولا زهد مخل. 

أكدت النتائج أن الانتخابات لعبة أرقام ومعركة شعبية تحسم في الميدان وليس في الكواليس والصالونات، وأن الأسبقية فيها للأحزاب الجماهيرية المتجذرة التي تتواصل مع المواطن وتستمع إلى صوته ونبضه وهمومه وتطلعاته، وليس للأحزاب النخبوية المنقطعة عن الناس والتي تخاطبهم من مكان بعيد.
 
أكدت النتائج أيضا الدور المؤثر للمال والإعلام في الانتخابات. فالأحزاب الفائزة تميزت بالتمويل الجيد لحملاتها وبالحضور الإعلامي القوي (خاصة في الفضائيات) لزعمائها الذين أصبحوا وجوها مألوفة بل من المشاهير. ولكن الانتخابات أكدت أيضا أن المال والإعلام عوامل مساندة وليست حاسمة، ولا تصنع حزبا ولا شعبية أو مصداقية أو نجاحا من فراغ، بدليل السقوط المدوي لبعض الأحزاب الغنية وبعض الأحزاب التي هيمنت على الإعلام المحلي.

بينت النتائج أن الناخب التونسي (والعربي عموما) لم يعد يبحث عن بديل للحزب الحاكم كما كان يفعل من قبل كلما أتيحت له الفرصة. بل أصبح يسعى للتأسيس لدولة ديمقراطية تعددية. ويسجل للناخب التونسي تصويته الواعي الذي تجاوز به بأعجوبة خمسة مطبات خطيرة فيما يشبه المعجزة.
 
أحبط المحاولات الملتوية لإعادة إنتاج النظام، وأفرز أغلبية تقود الثورة بالتوافق ومن دون هيمنة رغم أن قانون الانتخابات كان وصفة مثالية للتشظي والشلل السياسي، وبالتالي استمرار حالة السيولة. كما رفض الناخب الدعاية المبتذلة والمال السياسي الرخيص وشراء الذمم، وهي أمراض كفيلة بإضعاف أعتى الديمقراطيات فضلا عن ديمقراطية وليدة، وأعرض عن التجاذبات الأيديولوجية والمناكفات الحزبية التي سادت المشهد منذ انتصار الثورة، بل وعاقب الأحزاب التي اعتمدت في حملاتها على قدح المنافسين والتخويف منهم.
 
ولم يعر الناخب اهتماما للثنائيات والإشكاليات المفتعلة التي أريد له أن يختار بينها وينشغل بها عن ثورته وأهدافها من إسلاميين مقابل علمانيين، وحرية التعبير مقابل احترام المقدسات، والتمسك بالثوابت مقابل الحفاظ على مكتسبات الحداثة، والهوية الإسلامية مقابل الدولة المدنية. فكان رده حاسما، وأعطى صوته للمعتدلين من إسلاميين وعلمانيين ولمن جمع في طرحه وخطابه بين تلك الثنائيات المفتعلة.
 
وبذلك دفع الشعب الأحزاب والمسؤولين في المستقبل إلى التنافس الشريف في البرامج والأداء والتواصل مع المواطن وخطب وده والاستجابة لهمومه وتطلعاته بدل التنظير والتشهير وافتعال القضايا والتجاذبات الأيديولوجية والحزبية والتنافس في الدعاية وجمع المال وشراء الأصوات.
 
الخلاصة أن الشعب أثبت أنه أوعى من كثير من النخب بطبيعة المرحلة واستحقاقاتها، وأعاد بتصويته المكثف والواعي الأمور إلى نصابها وأعاد إلى الثورة بوصلتها. استعاد زمام المبادرة وأفهم الجميع أنه ليس مطية وجسر عبور نحو السلطة، وأنه عصي على الاستخفاف والاستغفال، وأنه صنع ثورة ليكون صاحب الشأن وصاحب السلطة يوكلها مؤقتا لمن يتوسم فيه الحرص والقدرة على الاستجابة لتطلعاته والانسجام مع المزاج الشعبي العام، وأنه مصمم على إنجاح ثورته.
 
"
برهن الناخب التونسي أنه أصبح أكثر تحررا وأن صوته ليس سهل المنال ولا رخيصا ولا مضمونا, وهي ظاهرة يتوقع أن تتعزز في المستقبل عندما يصبح الأداء والمصداقية والوفاء بالوعود عوامل حاسمة في التصويت
"
برهن الناخب التونسي (والعربي عموما) أنه أصبح أكثر تحررا وأن صوته ليس سهل المنال ولا رخيصا ولا مضمونا. وهي ظاهرة يتوقع أن تتعزز في المستقبل عندما يصبح الأداء والمصداقية والوفاء بالوعود عوامل حاسمة في التصويت، وعندما يصبح التصويت مبنيا على وقائع ومعطيات وليس على تخمين ووعود. 

على جميع الأحزاب أن يحسنوا قراءة الرسائل التي أرسلها الشعب من خلال صناديق الاقتراع، وأن يدركوا المعادلة السياسية الجديدة: أحزاب تتواصل مع المواطن بالتوعية والتثقيف والتأطير السياسي وتستمع بصدق وحرص وجدية إلى صوته ونبضه وهمومه وتطلعاته، وتعرض عليه برامجها ومرشحيها وإنجازاتها ليختار منها الأصلح للبلاد وللمرحلة.
 
فالناخب في البلاد العربية والإسلامية أكثر عمقا وتسيسا واطلاعا من المواطن في دول أخرى، وبالتالي قد لا تجدي معه بعض الطرق الدعائية السطحية والوعود الحالمة التي تستعمل في تلك البلدان.
 
على الجميع (من فاز ومن لم يفز) أن يسلم بأن نجاح الثورة وتحقيق أهدافها ونجاح التحول الديمقراطي هو نجاح للجميع ومسؤولية الجميع ويساهم فيه الجميع بصرف النظر عن النتائج. والعكس صحيح.
 
للذين لم يفوزوا في هذه الانتخابات أقول لستم في حاجة إلى البحث عن مبررات وشماعات. لا تسعوا لتعويق الفائزين، بل ركزوا على تبين أخطائكم لتداركها في الانتخابات القادمة، وعلى مواصلة العمل من مواقعكم لإنجاح الثورة وتحقيق أهدافها. فدوركم داخل المجلس وخارجه لا يقل أهمية عن دور الأغلبية، والديمقراطية لا تستقر إلا بمعارضة قوية ومنضبطة تراقب أداء الحكومة وتدعمها إن أحسنت وتحاسبها وتقومها إن حادت.
 
لمن فاز من الأحزاب والمرشحين أقول إن الشعب وضع فيكم ثقته لأداء مهمة محددة تتمثل في العبور بالثورة نحو الدولة والمضي بها نحو الأهداف التي قامت من أجلها. عليكم أن تكونوا في مستوى تلك الثقة وأن تكونوا أوفياء لتضحيات الشعب التي أوصلتكم إلى مواقعكم.
 
عليكم أن  تتذكروا أنكم تؤسسون لعهد جديد وأن أي نجاح تحققونه ستكون له آثار كبيرة على مستقبل البلاد ونجاح الثورة في تونس وفي سائر البلاد العربية.
 
فالأميركان لا يزالون يذكرون ويمجدون الآباء المؤسسين الذين وضعوا دستور البلاد منذ أكثر من قرنين. إنكم نواب عن الشعب عامة وعن أبناء دائرتكم خاصة (من انتخبكم ومن لم ينتخبكم).
 
فعليكم أن تتفانوا في عملكم وتتقنوه وتحكموا ضميركم في كل موقف، وأن تكون مواقفكم محكومة بمصلحة الوطن أولا ثم مصلحة دوائركم ثانيا، وتلك أفضل وأضمن طريقة لخدمة أحزابكم. والعكس ليس صحيحا. 
 
فلقد أثبتت التجربة أن أنجع الحملات الانتخابية تلك التي تؤسس على الإنجازات. ولا تكونوا كتلا صماء تصوتون دوما تصويتا حزبيا، فإن ذلك سيجعل من أعضاء المجلس (وأعضاء البرلمان في المستقبل) مجرد أرقام ويجعل من السياسة عملية باهتة مملة مثلها مثل مشاهدة مقابلة مسجلة معلومة النتيجة.
 
لقد منح الشعب التونسي النهضة نسبة وفرصة لم يحصل عليها حزب العدالة والتنمية في تركيا إلا بعد ثلاثة انتخابات وإنجازات ضخمة في البلديات وفي الحكومة. وتلك نقلة ضخمة وسريعة لا بد أن تواكبها نقلة مماثلة في التفكير والخطاب والممارسة.
 
كما أخرج الشعب بتصويته النهضة من موقع المعارضة المريح وسحب منها امتياز البديل غير المجرب وحملها مسؤولية نجاح الثورة وأوضاع البلاد ووضعها على المحك وتحت المجهر. لقد نجحت النهضة في اختبارين كبيرين: إعادة البناء والحملة الانتخابية، ولكن المقاربات التي نفعت في المعارضة وخلال الحملة الانتخابية قد لا تجدي في الوضع الجديد. 
 
فرسائل التطمين مطلوبة ولكنها غير كافية. والمقاربة الحذرة التي تتجنب اتخاذ المواقف الواضحة والحاسمة من القضايا المطروحة والخلافية قد تحافظ على وحدة الصف وتستقطب أصوات الشرائح المختلفة، ولكنها غير ممكنة في الوضع الجديد. فالشعب قد ينتخب أول مرة من يطمئن إليه ولكنه يتوقع ممن ينتخبهم وضوحا وشفافية وحلولا عملية. كما أن الدين والهوية لن يشكلا عوامل حاسمة في أي انتخابات قادمة، فتلك مسائل حسمت.
 
"
المطلوب من قادة البلاد الجدد حكمة ومصداقية في التعامل مع الأطراف المختلفة الداخلية والخارجية، وحلول جذرية ودائمة وليس مسكنات، وقيادة حازمة من دون هيمنة، وتوافق من دون تهاون في المسؤولية
"
المطلوب من قادة البلاد الجدد حكمة ومصداقية في التعامل مع الأطراف المختلفة الداخلية والخارجية، وحلول جذرية ودائمة وليس مسكنات، وقيادة حازمة من دون هيمنة، وتوافق من دون تهاون في المسؤولية، وتوفيق بين التصدي للمشاكل والمطالب الملحة والتأسيس للحلول الجذرية، وتلك معادلات دقيقة تحتاج إلى درجة عالية من الحكمة والكفاءة والشجاعة ونكران الذات والدفع بالتي هي أحسن وتقديم المصلحة الوطنية على كل اعتبار.
 
سيسجل التاريخ أن الشعب التونسي استعاد يوم 14 يناير/كانون الثاني حريته واستعاد يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول سيادته على حكامه، وسيلهم الإنجاز الثاني بقية الشعوب كما ألهمها الإنجاز الأول.
 
فالمسألة لم تعد مسألة إسقاط النظام أو استعادة حرية أو المطالبة بإصلاحات وإنما استعادة السيادة على الحكام وإعادة المناصب الحكومية إلى وضعها الطبيعي: من التشريف والتعالي والتسلط والثراء غير المشروع إلى المسؤولية والقيادة والقدوة والخدمة العامة.
 
ولن ترضى الشعوب بأقل من ذلك. فإما أن يختصر الحكام العرب الطريق نحو النهاية الحتمية فيحقنوا الدماء، ويخلدهم التاريخ وتصفح عنهم شعوبهم ويعيشوا في بلدانهم معززين مكرمين، وإما أن يكابروا فيلقوا مصير بن علي أو مبارك أو القذافي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك