عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي


إذا كانت مشكلة المياه دولية بامتياز وقد أولتها الأمم المتحدة جانبا غير قليل من الاهتمام، ولا سيما في العقود الأربعة ونيف الماضية، فإن المشكلة عربيا تزداد خطورة.

وإضافة إلى تفاقم المشكلة عالميا، ففي العالم العربي توزيع غير عادل للمياه، لا سيما في نسبة هطول الأمطار، إذ في بعض البلدان العربية، إضافة إلى الأنهار وربما الثلوج، فإن نسبة الأمطار أكثر من غيرها في مناطق أخرى تعاني من جفاف.

تضاف إلى ذلك الزيادة السكانية، حيث إن معدلاتها في بعض البلدان غيرها في بلدان أخرى، ومثل هذا الأمر يتعلق أيضا بالمصادر المائية ونسبة استهلاكها، وكذلك سوء استخداماته، ففي البلدان النامية ومنها الدول العربية تختلف نسبة الاستخدام للأغراض الزراعية عن الأغراض الصناعية والمنتجة، إضافة إلى استخدامات للحياة المنزلية، والأمر يتعلق أيضا بمعدلات درجة الحرارة وارتفاع منسوب مياه البحار وازدياد نسبة الاحتباس الحراري وغيرها!

"
المشكلة في الدول العربية أشد منها في غيرها لأن هناك دولا تفتقر أساسا لوجود كميات كافية من المياه، بما يتناسب مع حجم الاستهلاك، كما أن منابع معظم الأنهار العربية هي في بلدان غير عربية، مثل النيل ودجلة والفرات، وتسير في دول الجوار
"
وتزداد المشكلة عربيا لأن هناك دولا تفتقر أساسا لوجود كميات كافية من المياه، لا سيما بما يتناسب مع حجم الاستهلاك، كما أن منابع معظم الأنهار العربية هي في بلدان غير عربية، مثل النيل ودجلة والفرات، وتسير في دول الجوار.

وهذه العوامل تشكل لغما قابلا للانفجار في أية لحظة، خصوصا بارتفاع أهمية المياه وتعاظم الحاجة إليها وزيادة استهلاكها وشح مصادرها وتأثرها بالتغييرات المناخية والبيئية، فضلا عن محاولات استغلالها سياسيا وتوظيفها لخدمة مصالح خاصة.

وإذا كانت مصر والسودان، ويضاف إليهما اليوم جنوب السودان مستفيدة من النيل، فإن الدول المحيطة يمكنها تحجيم وتقييد حجم هذه الاستفادة، خصوصا الدول التي فيها منبع ومجرى النيل، وهي تقارب نحو عشر دول.

أما منبع دجلة والفرات اللذان تستفيد منهما العراق وسوريا، فإنها في مواجهة خاصة مع تركيا، لا سيما بعد بناء مشروع الغاب الكبير منذ أواسط الثمانينيات الذي يضم نحو 21 سدا.

أما فلسطين والأردن ولبنان وسوريا المستفيدة من نهر الأردن ونبع الوزاني ومياه الجولان والمياه الجوفية في الأرض المحتلة، فهي في مواجهة دائمة مع إسرائيل منذ تأسيسها، وقد تفاقمت هذه المشكلة في الستينيات، وذلك عندما عملت سوريا على تحويل نهر بانياس، فحاولت إسرائيل التصدي لها، الأمر الذي دفع البلدان العربية إلى عقد قمة عربية عام 1964، وهي القمة الأولى بعد قمة إنشاص عام 1946 لمواجهة الموقف واتخاذ خطوات موحدة.

وإذا كانت منطقة المغرب العربي لا تعاني من وجود أنهار متشاطئة أو مشكلة تقاسم مياه الأنهار، لأن أنهارها تنبع وتصب في أراضيها، فإنها مقبلة هي الأخرى على مشكلة كبيرة بسبب شح المياه والتغييرات الطبيعية والاستخدامات غير الرشيدة وغير ذلك.

ويعاني الخليج من عدم وجود أنهار، بل إنه يعتمد بالدرجة الأساسية على تحلية مياه البحار بنسبة 62% رغم أسعارها الباهظة، مما سيؤدي إلى مشاكل جديدة، لا سيما بارتفاع مستوى المعيشة وارتفاع أسعار التكلفة.

يمكن القول إن المشكلة كبيرة ومعقدة، ولا تتعلق بالجانب العربي فحسب، لكن تتعلق أيضا بالدول التي تمر فيها الأنهار التي يستفيد منها الوطن العربي، وذلك لأن 62% من المياه العربية هي من خارج الوطن العربي، وإن كانت هذه النسبة كبيرة فإنها لا تغطي الأراضي العربية الشاسعة، حيث تعاني من صحراء ممتدة وهائلة تزيد عن 80%.

ويوجد في الوطن العربي نحو 34 نهرا مستمرا ومستديما، وقد جف نهر بردى الذي ظل منذ 5000 سنة متدفقا ودون توقف، ورغم تدفق الأنهار فإن قدرتها التخزينية ليست كبيرة بسبب عدم ارتفاع نسبة المياه، ناهيكم عن التغييرات الحاصلة في الطبيعة!

"
تحتاج معالجة مشاكل المياه إلى جهد جماعي وتعاون بين البلدان العربية والدول المحيطة للتوافق على العيش المشترك وتبادل المنافع والمصالح
"
وتنتظر أنهار ذات تاريخ عريق تغزل بها الشعراء على مر العصور أن يصيبها الجفاف، وحسب بعض التقديرات أن ذلك ما ينتظر نهر دجدلة في العراق في العام 2040، إن لم يتم تدارك الأمر بسياسة بعيدة المدى تأخذ مصالح جميع الأطراف بعين الاعتبار مع مراعاة الجوانب الإنسانية وقواعد القانون الدولي.

ولعل هذه المشكلة ستزداد ارتفاعا، خصوصا بازدياد الطلب وارتفاع الاستهلاك وتقدم مستوى المعيشة والحاجة الأساسية للمياه للاستخدامات الصحية والبيئية والتنموية، وذلك سيؤثر على نحو كبير على الأمن المائي والأمن الغذائي بحكم الاشتباك على المستوى الإقليمي بدول الجوار المحيطة.

وقد تؤثر المسألة على قضية السلام في المنطقة، بل وعلى المستوى العالمي، لعلاقتها بدول المحيط وخصوصا إسرائيل وتركيا وإيران وإثيوبيا، وما يمكن أن تتركه من تأثيرات سلبية على النظام الإقليمي، ناهيكم عن انعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية والتنموية والقانونية، إضافة إلى المسلحة والعسكرية.

ولعل هذه الإشكالات الفنية ستنعكس سياسيا وقانونيا واجتماعيا واقتصاديا، لتشكل تحديات كبرى، خصوصا إذا عرفنا أن الماء سلعة استهلاكية، فضلا عن التغييرات المناخية والبيئية والاحتباس الحراري وانعكاسات ذلك على الثروة المائية في المنطقة، لا سيما على الجانب العربي.

وهذا الأمر يحتاج إلى جهد منفرد على مستوى كل بلد عربي وجهد جماعي عربي مشترك يمكن أن تلعب فيه جامعة الدول العربية دورا إيجابيا إذا ما استندت إلى خريطة طريق طويلة الأمد وعبر جهد معرفي وسياسي إستراتيجي.

ويحتاج الأمر كذلك إلى جهد جماعي للتعاون بين البلدان العربية والمحيطة للتوافق على العيش المشترك وتبادل المنافع والمصالح.

وهذا يتطلب توظيف الخطط والبرامج الحكومية وغير الحكومية، وبالتعاون مع هيئات دولية ومؤسسات مجتمع مدني لتطوير الثروات المائية والاستفادة من التكنولوجيا المتطورة والمحافظة عليها في مواجهة التصحر والتلوث وشح المياه.

وينبغي أن يتم ذلك من خلال عمليات ترشيد ومعالجة للمياه والعمل على تحلية مياه البحر وبناء السدود والخزانات بواسطة تقنيات حديثة، بما ينسجم مع القواعد الناظمة للعلاقات الدولية، خاصة فيما يتعلق بالمياه والاستفادة من الأنهار المشتركة للبلدان المتشاطئة أو التي تستفيد من مرورها وجريانها.

لقد سعت إسرائيل إلى تطويق الوطن العربي منذ وقت مبكر، ولهذا عملت على توثيق علاقاتها مع دول المحيط، ففي الستينيات نشطت لبناء اتفاقية بين دول المحيط الثلاث، إيران الشاه وتركيا وإثيوبيا، وتم التوقيع عام 1958 على اتفاقية ضمت تركيا وإثيوبيا وإسرائيل.

"
دون إعادة النظر منهجيا في جميع جوانب مشكلة المياه سيتفاقم الأمر في الوطن العربي، منذرا بحروب لا تحمد عقباها، خصوصا في ظل ما تقوم به دول المحيط من برامج ومشاريع تلحق ضررا بالعرب ومستقبلهم
"
وعرفت تلك الاتفاقية باسم اتفاقية ترايدنت أو الرمح الثلاثي ضد مصر وسوريا والعراق، مشجعة على مخاوف إثيوبيا هيلاسيلاسي من سياسة عبد الناصر الأفريقية التحررية، إضافة إلى محاولة دق أسافين بين العرب والأتراك، بعد الانفكاك من الدولة العثمانية التي حكمت البلاد العربية أكثر من أربعة قرون من الزمان، فضلا عن ذلك استحضار أطماع بلاد فارس العربية ومحاولاتها للهمينة على الخليج والعراق.

لقد بنت إسرائيل ثلاثة سدود كبرى في إثيوبيا في السبعينيات للتحكم في مياه نهر النيل والضغط على مصر والسودان، عبر شركة تاحال الإسرائيلية، واستأجرت جزيرة دهلك في وسط البحر لاستخدامها قاعدة عسكرية.

كما أن تركيا ظلّت تتحكم في مياه حوضي دجلة والفرات مؤثرة على سوريا والعراق، في حين أن إيران استفادت من اتفاقية 6 مارس/آذار 1975 المعروفة باسم "اتفاقية الجزائر" بين شاه إيران وصدام حسين بموجب خط الثالويك، ولا تزال متمسكة بها.

وقامت بتحويل نهر قارون والكرخه إلى الداخل الإيراني وعدد غير قليل من الفروع التابعة لشط العرب!

وخط الثالويك هو خط وهمي من أعمق نقطة في وسط مجرى النهر عند انخفاض منسوب المياه وحتى البحر، الأمر الذي يعني بحكم الطوبوغرافيا وتراكم الطمي والغرين أن شط العرب بعد نحو مائة عام سيصبح في الأراضي الإيرانية.

كل ذلك يجعل المواطن العربي في حالة قلق دائم بشأن المياه ومستقبلها في المنطقة، خاصة وأن البلدان العربية لا تزال بدون إستراتيجيات للتعامل مع هذه القضية الحيوية، التي تتعلق بمستقبل التنمية والرفاه الاقتصادي والاجتماعي وبسلام وأمن المنطقة.

أما الدول المحيطة التي تنبع منها أو تمرّ فيها الأنهار الكبرى في العالم العربي، ومن خلال رصد ومراقبة ومعلومات ومعطيات فتعرف ماذا تريد وتتصرف في الأمر على نحو اقتصادي وسياسي وبخطط بعيدة المدى، في حين أن الوطن العربي لا يزال يفتقر للحد الأدنى من هذه الخطط والبرامج التي تسهم في تعزيز متطلبات التنمية والحكم الرشيد والحريات والمعارف.

ومن دون إعادة النظر منهجيا في جميع هذه القضايا فإن مشكلة المياه ستتفاقم في الوطن العربي منذرة بحروب لا تحمد عقباها، خصوصا في ظل ما تقوم به دول المحيط من برامج ومشاريع تلحق ضررا بالعرب ومستقبلهم!

ولعل هذه المسألة كانت موضوع مناقشة جادة في مؤتمر انعقد مؤخرا في باريس نظمه مركز الدراسات العربي الأوروبي بالتعاون مع المعهد الأورو متوسطي.

المصدر : الجزيرة

التعليقات