عبد الفتاح ماضي

عبد الفتاح ماضي

كاتب وباحث أكاديمي


 
 
بداية، تحية لشهداء ليبيا الأبرار الذين سطّروا بدمائهم الزكية فصلا مضيئا في تاريخ ليبيا الحديث، وتحية لثوار وشعب ليبيا المنتصرين الذين قدموا بسواعدهم مشهدا وطنيا في البطولة والمثابرة.
 
القادم أصعب من الماضي، فهدم الاستبداد والإطاحة بالطاغية هدف جامع، أما بناء نظام جديد فأمر يحتاج إلى الكثير من الحكمة والصبر، وقد تختلف فيه وجهات النظر.
 
ففي حالات مشابهة احتاجت عملية البناء أمورا ثلاثة على الأقل: قادة ونخبا حقيقيين يمتلكون من الحكمة والمثابرة ما يمكنهم من قيادة الجماهير وليس الانقياد لها، ورؤى إستراتيجية وقرارات توافقية واضحة لإدارة العملية الانتقالية، واستخداما مناسبا للإمكانات المتاحة. يتناول هذا المقال بعض المتطلبات الضرورية لمرحلة البناء.
 
حذار من الطمع والجهل
الطمع يعني الأنانية وتصور كل فريق أنه الأفضل والأقدر ومن ثم الأحق في صدارة المشهد والحصول على أكبر قدر ممكن من الغنائم. أما الجهل فيعني عدم فهم الواقع وعدم القدرة على استيعاب المتغيرات التي شهدتها ليبيا قبل الثورة وبعدها. 
 
فالطمع قد يؤدي بقادة المجلس الوطني الانتقالي الحالي إلى تصور أنهم هم فقط الذين يمثلون الثورة، وأنه قد آن الوقت لمن كان يناصر النظام السابق أن يختفي من المشهد. هذا مكمن الخطر الأول، ويجب مواجهته من خلال قراءة صحيحة للواقع في ليبيا، فليس هناك فريق واحد في ليبيا أحق من غيره بالنظر إلى طبيعة النظام السابق ذاته وقدراته الهائلة على السيطرة والحشد، وعلاقة معظم الطيف السياسي الموجود حاليا بالنظام السابق.
 
"
القراءة الصحيحة للواقع تحتم على الجميع إدراك أننا أمام ليبيا جديدة، يجب أن يشترك في بنائها كل راغب في ذلك، ومن ثم لا بد من توسيع قاعدة التمثيل داخل المجلس الحالي
"
كما أن القراءة الصحيحة للواقع تحتم على الجميع إدراك أننا أمام ليبيا جديدة، يجب أن يشترك في بنائها كل راغب في ذلك، ومن ثم لا بد من توسيع قاعدة التمثيل داخل المجلس الحالي لضم ممثلين عن كافة المناطق والقبائل في ليبيا، وخاصة تلك التي كانت موالية أو مستفيدة من الحكم البائد في الجنوب وسرت وغرب طرابلس وغيرها.
 
الطمع قد يؤدي أيضا إلى تصور كل فريق سياسي أن بإمكانه أن يفرض أيديولوجيته، فالإسلاميون قد يظنون أنه قد حان الوقت لأسلمة ليبيا بعد عقود من قمع الإسلاميين وتحجيم الإسلام، والليبراليون قد يعتقدون أن بناء دولة حديثة لا بد أن يسير على النمط الغربي، وأن لا مكان للحديث عن دولة إسلامية.

هنا مكمن الخطر الثاني، ويمكن مواجهته من خلال قراءة صحيحة لأوضاع ليبيا قبل وبعد الثورة. فمن الناحية السياسية، ليبيا ليس فيها مؤسسات دولة ولا قانون ولا إرث سياسي يمكن البناء عليه. ومن الناحية الاقتصادية تحتاج البلاد إلى خطة طموحة لإعادة إعمار وإعادة تشغيل وتأهيل إنتاج النفط. ومن الناحية الاجتماعية هناك حاجة ماسة إلى إعادة بناء الإنسان الليبي والقيام بعملية تثقيف سياسي تدور حول إعادة الاعتبار للسياسة وغرس مبادئ حكم القانون ودولة المؤسسات والمواطنة والمشاركة السياسية.
 
إرث النظام البائد في غسل الأدمغة والتوجيه الأيديولوجي لا بد أن يواجه بعمليات تربوية مكثفة تعلي من شأن الإنسان وكرامته وحرياته وقدرته على النقد والتفاعل مع الآخر.
 
يجب أن تشكل هذه الغايات الثلاث المحورية الأولوية القصوى لكافة الأطراف السياسية، أما أي أهداف أيديولوجية أخرى فيجب أن لا توضع في صدراة البرامج السياسية للأطراف السياسية الآن، ولا يمكن تصور أن من الممكن طرح مسألة الشريعة وحسمها الآن مع كل هذه التحديات.
أتمنى أن يتعلم الليبيون من الخطأ الذي وقع فيه المصريون والتونسيون عندما طرحت نخب ضيقة في الأفق مسألة الشريعة الإسلامية وراحت تبحث عن الغنائم قبل بناء النظام السياسي الجديد، فكانت بذلك سببا في انقسام الشارع وزرع استقطاب أيديولوجي حاد.

تجنب الإدارة السيئة للمرحلة الانتقالية
مكمن الخطر الثالث هو إدارة المرحلة الانتقالية بشكل سيئ. ففي البلدان التي مرت بتجارب مشابهة، تطلبت إدارة المرحلة الانتقالية عدة أمور: 
أولها، قيام كيان تمثيلي لكل فئات المجتمع يقود المرحلة الانتقالية بعقلية توافقية لا إقصائية. ويتطلب هذا تقدم كافة المخلصين الصفوف وعودة العقول المهاجرة، وارتقاء هذه القيادات إلى مستوى المسؤولية التي تحتمها اللحظة التاريخية، واختيار رئيس ورئيس وزراء بالتوافق.
 
"
من الممكن إعادة تشكيل المجلس الوطني الانتقالي ليعمل كتجمع وطني عابر للقبائل والمناطق، ويقود ليبيا في المرحلة الانتقالية، بل قد يستمر إلى ما بعد قيام النظام الجديد  مع السماح بالتعددية السياسية
"
وأتصور أن من الممكن إعادة تشكيل المجلس الوطني الانتقالي ليعمل كتجمع وطني عابر للقبائل والمناطق، ويقود ليبيا في المرحلة الانتقالية، بل قد يستمر إلى ما بعد قيام النظام الجديد (كما في تجربتي حزب المؤتمر الهندي وحركة أمنو الماليزية)، مع السماح بالطبع بالتعددية السياسية.
 
ثانيها، أتصور أن إعادة تشكيل المجلس الوطني قد يستتبعه إعادة رسم خارطة طريق للمرحلة الانتقالية تنتهي باختيار لجنة تأسيسية لوضع الدستور الجديد وإجراء أول انتخابات ديمقراطية في ظل النظام السياسي الجديد، وذلك على أن يتم وضع هذه الخارطة، واتخاذ كافة القرارات الأخرى، من خلال التفاوض والنقاش والوصول إلى حلول وسط توافقية دون فرض لرأي أو حجر على رأي.
 
ويتطلب هذا اعتماد لائحة داخلية تنظم كيفية النقاش وحل المنازعات وتحدد متحدثا إعلاميا معتمدا للتعامل مع الإعلام، بجانب توثيق كافة التوافقات والحلول الوسط في شكل وثيقة، أو وثائق، مكتوبة، وتعهد كافة الأطراف بالالتزام بها.

ثالثها، تركيز القيادة في المرحلة الانتقالية على ثلاثة أهداف، أولها رسم معالم المرحلة الانتقالية وشكل نظام الحكم المقبل، والبدء في إعادة إعمار ليبيا، ومعاجلة المسألة الأمنية بتبني خطة عاجلة لجمع السلاح وبناء شرطة وجيش وطنيين.
 
ويتطلب هذا البعد عن القضايا الخلافية والمسائل الشائكة، أتمنى أن يجاهد الليبيون أنفسهم في البعد عن التفكير في القضايا التي لا يمكن حسمها على المدى القصير أو المتوسط. الأولوية الأولى يجب أن تكون لبناء النظام الجديد الذي سيسمح في المستقبل لكافة الليبيين معالجة كافة القضايا الشائكة.
 
رابعها: وضع القبيلة في ليبيا في غاية الأهمية، ولهذا فلا شك في أن بناء النظام السياسي الجديد لا بد أن يأخذ في اعتباره هذه المسألة، ويجب من الآن التفكير خارج الصندوق ومناقشة كل الأفكار الكفيلة بمعالجة هذه المسألة، كأن يتم إنشاء برلمان من مجلسين، يكون المجلس الأدنى مجلسا نيابيا كما كل البرلمانات في الدول الديمقراطية، أما المجلس الأعلى فيكون ممثلا للمناطق أو القبائل الليبية، مع إسناد صلاحيات حقيقية له، أو التفكير في نظام لا مركزي يعطي للمحليات والمناطق المختلفة صلاحيات واسعة في الشأن المحلي. 
 
لا للاستضعاف أمام الخارج
مكمن الخطر التالي قد يأتي من تصور البعض أنه لا يمكن بناء ليبيا دون علاقات خاصة مع الغرب. بالطبع لا يمكن معاداة دول الغرب التي ساعدت في حماية الشعب الليبي والتخلص من النظام البائد، لكن في الوقت نفسه، العلاقات الدولية التي تقوم على مبدأ المصلحة لا مكان فيها للمستضعفين والخائفين والمترددين.
 
ليبيا بها عوامل قوة متعددة يمكن من خلالها خلق سياسة خارجية مؤثرة وغير تابعة للغرب. كل ما يحتاجه الليبيون هو وجود نخب سياسية واعية، غير مستضعفة، تستطيع قراءة الواقع الدولي بشكل صحيح، ولا تتردد في اتخاذ قرارات وخطوات جريئة للدفاع عن مصالح ليبيا الوطنية، وتستخدم إمكانات القوة المتوفرة بشكل واع ومحسوب.

"
على صناع السياسة الخارجية الليبية الجدد وضع ثلاثة ثوابت في تعاملهم مع الغرب: لا لأي وجود أجنبي عسكري على الأرض الليبية، ولا للتوقيع على أي اتفاقيات عسكرية طويلة الأجل، ولا للاتفاق على تعاقدات نفطية طويلة الأجل مع الغرب قبل وجود برلمان ليبي منتخب
"
وأتصور هنا أن على صناع السياسة الخارجية الليبية الجدد وضع ثلاثة ثوابت للمصلحة الوطنية الليبية في تعاملهم مع الغرب: لا لأي وجود أجنبي عسكري من أي نوع على الأرض الليبية. لا للتوقيع على أي اتفاقيات عسكرية طويلة الأجل مع دول غربية لإعادة بناء أو تأهيل الجيش أو الشرطة، ولا للاتفاق على تعاقدات نفطية طويلة الأجل مع الغرب قبل وجود برلمان ليبي منتخب انتخابا حرا وموافقته على مثل هذه الاتفاقيات والتعاقدات. تعدد الجهات التي تحصل على عقود إعمار ليبيا وإعطاء الأولوية للدول العربية.
 
ويرتبط ما سبق بضرورة التعلم من التجربتين الأفغانية والعراقية، أي الحذر كل الحذر من اتخاذ مستشارين أو مدربين غربيين، أو الاعتماد على البرامج الغربية في مجال الاستشارات وإعادة التأهيل العسكري والتوعية المدنية وبناء المجتمع المدني، وكبديل لا بد من الاستفادة من العقول والخبراء الليبيين بالداخل والخارج، والانفتاح على الخبرات العربية ضمن أطر قائمة كالجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي وغيرها، والانفتاح على المنظمات الدولية التي تتسم بقدر من الحياد.
 
يقيني أن الشعب العربي الليبي قادر، بعون الله، على بناء دولة وطنية حديثة لا مكان فيها للاستبداد والوصاية من أي شخص أو جهة في الداخل، ولا مجال فيها للاستضعاف ولا للتبعية لأي جهة في الخارج.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك