منى عبد الفتاح

منى عبد الفتاح

كاتبة وصحفية سودانية


- الملفات المبعثرة

- انشطار القومية
- إرهاصات حق تقرير المصير

ارتفع في الآونة الأخيرة الحس القومي لكيان "البجا" في شرق السودان، مثله مثل كيانات أخرى ظلت لفترة طويلة تمثل بؤرا تستقطب آلام التهميش تجاه قضاياها. وصار عامل الاختلاف الأساسي في رؤى هذه الكيانات أنها بين أحد خيارين، إما الوحدة مع شرط الاعتراف بالكيان وإما الانفصال.

فكما توقع أهل السودان لن يستقر الوضع في ذاك البلد الأفريقي العربي بانفصال الجنوب، وإنما ستفيض حمم براكين أغلق دونها باب الجدل الرسمي إلى حين.

وبذلك فإن تقرير مصير جنوب السودان حسب القراءات السياسية لواقع الحال لن يكون آخر مطمح لأطراف السودان الرئيسية.

الملفات المبعثرة
دخل تعبير "حدود الدم" قاموس السياسة مصطلحا جديدا عام 2006 عن طريق موقع مجلة القوة العسكرية الأميركية التي بررت من خلاله تقسيم الشرق الأوسط وأفريقيا خاصة، باعتبار أن الحدود التي وضعتها دول الاحتلال بين هذه الدول غير مكتملة وغير نهائية، وإنما وضعت لتفادي الصراعات.

"
رغم غنى الإقليم بالموارد الطبيعية فإن إنسان الشرق يعيش ظروفا سيئة يعاني فيها من المرض والجهل والجوع والأمية قد تسفر عن مجاعة وشيكة ما زالت تنكرها حكومة المركز
"
وباستلاف التعبير فإن حدود ولايات السودان الداخلية سيكون لها من الاسم نصيب، نتيجة لفشل الدولة السودانية في احتواء أشتات الهويات المتعددة المنحصرة في الولايات ذات الحدود الدولية.

وبأخذ كل إقليم حدودي في تشكيل قوميته المتحدة في ذاتها بعدما فشلت وحدتها مع الدولة الأم، طرح هذا المصطلح سرا وجهرا على المستوى النخبوي.

وطرح هذا المصطلح وارد بالنسبة لشعب شرق السودان باعتباره قومية خالصة يمكنها أن تجد مبررا تسوغ به تغيير وضعها بتشكيل كيان سياسي مستقل.

وهذا المبرر رغم ما فيه من تبعات وتحديات، ورغم أنه قد لا يكون أحسن الحلول المطروحة البديلة كحلول تنمية الإقليم والشراكة السياسية العادلة فإنه إن تم فعلى المستوى الواقعي سيكون التجربة الثانية بعد تجربة انفصال الجنوب في تفتيت الدولة إلى عدة دويلات تقوم على أسس عرقية وإثنية.

يمتاز موقع إقليم شرق السودان الجغرافي بموقع إستراتيجي مطل على البحر الأحمر، وهو لا يمثل المنفذ البحري الوحيد للسودان فحسب، وإنما للعديد من الدول الأفريقية المجاورة.

وعلى طول هذه الحدود البحرية كانت التفاعلات الزمنية بسبب ما ترتبت عليه التقسيمات والنكبات التي نشأت من الداخل وارتدت إليه مما أدى إلى بعثرة أوراقه وخلطها.

ورغم غنى الإقليم بالموارد الطبيعية فإن إنسان الشرق يعيش ظروفا سيئة يعاني فيها من المرض والجهل والجوع والأمية قد تسفر عن مجاعة وشيكة ما زالت تنكرها حكومة المركز.

وبالعودة إلى تاريخ مؤتمر البجا كتنظيم سياسي رائد في الإقليم، بلغ نشاطه مع أوائل التنظيمات السياسية في السودان منذ العام 1950، فإنه حمل قضية شرق السودان في قسمة الثروة والسلطة والتنمية على أكتافه قبل استقلال السودان.

ومنذ ذلك التاريخ ظلت قضايا الإقليم تطرح كمطالب أساسية كان حصادها بضعة مقاعد في البرلمان في ظل الحكومات الديمقراطية القصيرة الأمد بالسودان.

ولكن هذه المقاعد لم تمكن "مؤتمر البجا" من تحقيق جزء ولو يسيرا من مطالب أهل الإقليم، مما ساهم في زرع بذور الصراع بين المركز والإقليم.

إزاء هذه المظالم انفجرت الأوضاع ليخرج "مؤتمر البجا" إلى الكفاح المسلح ضد حكومة الخرطوم عام 1994 بمساندة إريتريا حليف البجا الذين ساندوها إبان الثورة الإريترية.

وقد كان "مؤتمر البجا" من أوائل الفصائل المؤسسة للتجمع الوطني الديمقراطي وأحد أهم الكيانات المطلبية.

بعد مفاوضات القاهرة في منتصف يناير/كانون الثاني 2005، انسحب "مؤتمر البجا" من المفاوضات عائدا إلى ميدان العمل المسلح، وذلك لاعتقاده بأن قضية الشرق اختطفها التجمع الوطني الديمقراطي.

وبتدهور الأوضاع الاقتصادية كان الحراك السياسي الداخلي للمطالبة بحقوق الإقليم، وقد واجهت الحكومة هذا الحراك الذي تمثل في مظاهرات عمت مدن الإقليم الرئيسة بالعنف رغم سلميتها، فكانت أبرزها (مجزرة بورتسودان) التي تمت فيها إراقة كثير من دماء الأبرياء وذلك في أواخر يناير/كانون الثاني 2005.

وفي 25 مايو/أيار 2006 وقعت اتفاقية سلام شرق السودان في العاصمة الإريترية أسمرا، بين حكومة السودان و"جبهة شرق السودان" وهو التنظيم العسكري لاندماج تنظيمي "مؤتمر البجا" و"الأسود الحرة".

انتقِد هذا التنظيم منذ ظهوره كيانا ضعيفا تنقصه الإستراتيجية والأيديولوجية والرؤى الواضحة والأهداف المصيرية لحل مشاكل الإقليم، كما انتقد خضوعه الكامل لإريتريا وتسييرها له حسب مصالحها مع حكومة الخرطوم ودورها غير الخافي في تغذية الصراعات بين قبائل الإقليم.

إن فرضية الاتفاق على التطلع إلى السلطة ساهمت في تدوير الخلافات بين قبائل الإقليم، فلم ينجح في احتواء الأزمة وما أنتجته من تجاذبات سياسية أدت إلى عواصف ساخنة تارة وباردة تارة أخرى أدت مرارا إلى دفع الإقليم إلى معارك بين الموالين للسلطة والمناهضين لها اتسمت في أحيان كثيرة بالحدة والعنف.

"
ارتأى عدد من مثقفي إقليم شرق السودان أن نداء البعض بعروبة شعب البجا خاصة ادعاء يدخل من باب السياسة والأيديولوجيا ويخرج في شكل تمييز سلبي وتهميش
"
انشطار القومية
من الضروري الإشارة هنا إلى أن شرق السودان ليس حالة فريدة في مسألة الاستقطاب الناشئة عن تعدد الانتماءات بين سكانه، شأنه في ذلك شأن عدة أقاليم أخرى من مناطق السودان النائية مثل إقليم دارفور.

وذلك لم يمنع وجود كيانات أساسية يقل فيها هذا الاختلاط مثل قومية البجا، لدرجة أنها ما زالت تحتفظ بلغتها الأصلية غير المكتوبة التي تعود إلى حوالي 4000 سنة.

أما تعدد الكيانات فقد نتجت عنه تحالفات عديدة ساهمت في تكوين هوية قلقة تتجاذبها تيارات سياسية عدة سمتها الأساسية أنها غير متوافقة على تعريف واحد للصفة القومية لكيان الشرق.

ورغم هذا التجاذب فإن شرق السودان ظل كيانا واحدا متماسكا، والشعب الذي سكن المنطقة الصحراوية بين البحر الأحمر شرقا ونهر النيل غربا وبين الأقصر على النيل شمالا وحدود الحبشة جنوبا منذ فجر التاريخ يتعارف عليه بشعب البجا، رغم احتواء المنطقة على قوميات أخرى.

وقد ثبت تاريخيا أن شعب ممالك البجا ينتمون إلى سلالة البلد الأصلية منذ فجر التاريخ، مع ارتباط بعض قبائل الإقليم بهجرات أتت من الجزيرة العربية.

وقد ارتأى عدد من مثقفي الإقليم أن نداء البعض بعروبة شعب البجا خاصة ادعاء يدخل من باب السياسة والأيديولوجيا ويخرج في شكل تمييز سلبي وتهميش.

وقد وجهوا دعوة إلى التخلص من هذا الادعاء الذي فجّر مشكلة الجنوب ومشكلة دارفور، وهو في طريقه للتسبب في نزاعات من نفس الشكل في شرق السودان.

وفي هذا الإطار بشرق السودان هناك النداء بالقومية البجاوية التي تضم عدة قبائل، أبرزها الهدندوة والحلنقة والأمرار والبشاريون والأشراف تتحدث لغة البداويت ولها أرضها وثقافتها وامتداداتها المشتركة.

ولم تفلح الانقسامات السياسية في نزع هوية قومية البجا، وعندما قامت بعض الحركات بالارتكاز على الأيديولوجيا الحزبية انجرفت إلى الطابع الطائفي وذهبت مع التيار.

إرهاصات حق تقرير المصير
قد لا تفيد الرسائل المبطنة بمضمونها التهديدي التي أرسلها حزب "مؤتمر البجا" إلى الحكومة بعد إعلانها عن قيام الجمهورية الثانية، بقدر ما تفيد الترتيبات الداخلية لتحقيق المطالب المنشودة.

إن تصاعد حدة المطالب بأن ثورة للجياع ربما تنطلق من الشرق بالإضافة إلى مطالب التنمية والعدالة الاجتماعية لإنسان الشرق أو النظر في حق تقرير المصير، نابع من أن البجا كقومية مختلفة في لغتها وعاداتها وثقافتها لها تاريخها وأرضها التي تؤهلها للمطالبة بحق تقرير المصير.

ولكن إذا نظرنا في الجانب الآخر للتكوين السكاني لمنطقة شرق السودان فسنجد أنه لا بد من القبول بمسلمات كثيرة، منها التنوع في إقليم شرق السودان نفسه وضمه في ثناياه المجتمعية لمجموعات من غرب السودان وجبال النوبة وغيرها في التكوين الاجتماعي للسكان يجعل النظر في تحقيق نوع من العلاقة تربط قومية البجا وإقليم الشرق بأكمله ببقية القطر أنجع الحلول إذا توفرت شروط الإقليم المطلبية.

"
ما سمته بعض الكتابات النخبوية "بخطر التقسيم اللامتناهي" قد أضحى بارزا للعيان في الإغراء الذي تقدمه الدولة بالتفريط في صيانة وحدة أراضيها، لهذه الكيانات التي تعاني من تجاهل الحكومة لمطالبها
"
وبعد الحديث عن المطالب والحقوق الأساسية تبرز مسألة الصراع الحضاري والثقافي بين المركز وشرق السودان.

فقد نظرت مجموعة من الأكاديميين واللغويين من أهل المنطقة في ضرورة إحياء التراث البجاوي بما في ذلك اللغة البجاوية الأصلية "البداويت"، غير أن التحدي الأكبر يكمن في مواجهة داخلية بين هذه اللغة وسياسة التعريب التي فرضتها الحكومة السودانية على جميع مراحل التعليم.

كما أن هناك مواجهة خارجية تنشأ عن مدى إمكانية تطوير لغة محلية في ظل نظام العولمة، ولكن أهل الشرق يتمسكون بحقهم في أن تكون اللغة البجاوية المحلية لغة التعليم والتخاطب الرسمي إلى جانب العربية وتصبح الإنجليزية لغة اختيارية في الدواوين الحكومية، أسوة بما تم في اتفاق قسمة السلطة بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان في الاتفاق الذي وقع في نيفاشا 2005 وأشير فيه إلى حق الأقاليم المختلفة في ذلك.

إن الاعتراف بالحق في تقرير مصير القوميات ليس تشجيعا لتفتيت الوطن بقدر ما يمكن اعتباره آخر الحلول وأمرّها، ولكن بالنظر إلى ما يعكسه الحصول على هذا الحق تمكن رؤية مكونات الشعب الثقافية والحضارية في مرآة الوطن بالمقابل.

ما يدعو إلى النزوع نحو قومية معينة هو إحساس إقليم معين بأن وطنه الكبير الذي ينتمي إليه أصبح تحت سيطرة فئة معينة تقف في وجه انتمائه، هذا بمنع تحقيق أبسط حقوقه وفي الوقت نفسه تفرض عليه هويتها.

فلا يكون أمام هذا الهامش أو ذاك إلا التضحية بوحدة الوطن والخروج عليها لينتصر لحقوقه الداخلية على أمل أن يحققها كيانه الجديد.

أثبت تسارع الأحداث في السودان أنه يصعب التكهن بالقادم مهما كان قربه. ومع صعوبة التوقعات هذه لم يكن لأحد أن يتخيل أن وحدة السودان التي دامت خمسين عاما قد بدأت نهاياتها.

فلم تكن مسألة انفصال الجنوب بالنتيجة الصادمة وإنما كانت كارثة سياسية، استطاعت أن تلفت نظر الهوامش الأخرى إلى قضية تقرير المصير، بل زرعت في روع تلك الهوامش إيمانا عظيما بأن وحدة الأرض والشعب مهما طالت واستطالت فإنها لا تدوم دون توفر شروط أساسية أهمها إشاعة العدالة الاجتماعية وإشراك الجماهير في صناعة القرار والحكم تحت مظلة نظام ديمقراطي حقيقي.

وبذا فإن ما سمته بعض الكتابات النخبوية "بخطر التقسيم اللامتناهي" قد أضحى بارزا للعيان في الإغراء الذي تقدمه الدولة بالتفريط في صيانة وحدة أراضيها، لهذه الكيانات التي تعاني من تجاهل الحكومة لمطالبها.

إذن وللبعد عن هذا السيناريو الأليم فإن بدايات الحل لقضايا الشرق هي أولا في الاعتراف بأن هناك معاناة يتكبدها إنسان الشرق تتمثل في الفقر والحرمان من أبسط الحقوق الحياتية ومن ثم تنفيذ مشروعات تنموية حقيقية، وتوفير الخدمات ليكون هناك ثمن لكفاح القرون الذي دفعه أبناء الشرق وكل أقاليم الهامش من دمائهم وأرواحهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك