عبد الله علي إبراهيم

عبد الله علي إبراهيم

أستاذ التاريخ الإفريقي والإسلام بجامعة ميزوري


إذا كنت في أي حفل لسودانيين أي حفل، وكان مغنيه الأستاذ محمد وردي، فسينتهي بـ"أصبح الصبح":

أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق
وإذا الفجر جناحان يرفان عليك
وإذا الحزن الذي كحَّل هاتيك المآقي
والذي شد وثاقا لوثاق
والذي بعثرنا في كل واد
فرحة نابعة من كل قلب يا بلادي

فالجمهور كالفنان يعرفان أن الأغنية الوطنية "أصبح الصبح" التي صارت فينا نشيدا وطنيا غير معلن، ستكون أغنية الختام كما ينبغي لأي نشيد وطني.

"
لعل العلامة الفارقة بين تطهير الانقلاب والثورة أن الأخيرة، بحسها بالعدل الذي خرجت تطلبه وبالحق الذي أوجدها في المقام الأول، تتبع في التطهير البينة على من ادعى
"
وكان ميلاد الأغنية بعد نجاح ثورة أكتوبر 1964 التي أنهت الديكتاتورية العسكرية الأولى التي أزاحت قيادة الجيش بها النظام الديمقراطي بعد عامين من قيامه بعد استقلال السودان في 1956. وكتب نص الأغنية الوطنية الشاعر محمد مفتاح الفيتوري.

لا أعرف ثورة اكتنفها الشعر وأرخص بها النثر مثل ثورة أكتوبر، وبلغ من احتفاء الشعر والغناء بها أن أجاب طالب على سؤال صحيفة في ذكرى الثورة قبل عامين أو ثلاثة عن مدى معرفته بها، فقال إنه لم يسمع بها إلا في الأغاني الوطنية. وما سمعه منها شديد الدلالة على أنها كانت ثورة قيمة.

وحدا استخفاف النثر بالثورة بالأستاذ أحمد محمد شاموق، مؤلف كتاب "ثورة أكتوبر"، أن يقول بأنه لم يبق منها سوى أشباح أسئلة وتخرصات.

فهي في نظر صفوات مختلفة ثورة شيوعية مرذولة أو مما ادعاه الشيوعيون، وأنها أفسدت الخدمة المدنية بالتطهير، وزعزعت الإدارة الأهلية (دويلات زعماء العشائر) بالحل، فانفرط النسيج الاجتماعي الذي حفظه أعيان القبائل، ناهيك عن قولهم إن أحمد القرشي، الطالب القتيل في ندوة معارضة بحرم جامعة الخرطوم والذي كان موكب تشييعه صباح الخميس 22 أكتوبر/تشرين الأول بدء شرارة الثورة، شهيد صدفة، لأن الرصاصة أصابته وهو في طريقه إلى حمام داخليته بمجمع "البركس" الشرقي بجامعة الخرطوم.

أطلت ثورة أكتوبر برأسها بحياء خلال الربيع العربي، وأكثره من باب الاحتجاج أو الاستلهام أو النصح، فتجد احتجاج السودانيين على كتّاب عرب قالوا عن ثورة تونس أو مصر إنها الثورة العربية المعاصرة الأولى.

وليس بين هؤلاء الأستاذ فهمي هويدي الذي شهد باكرا بأن ثورة أكتوبر 1964 هي الحالة الأولى التي أزاح فيها شعب عربي أعزل ديكتاتورية متمكنة وفرض على القوات المسلحة أن تقف إلى جانبه.

وقد جرب الأستاذ عبد الرحمن الراشد مرارا احتجاج السودانيين من جهة الحكومة على خاطراته عن دولة الإنقاذ والبشير. ولكنه جرب من قريب احتجاجا سودانيا من المعارضة أيضا حين قال إن ثورة تونس هي الأولى عربيا.

فمن بين 28 معلقا على عبارته كان بينهم عشرة سودانيين لم يذكروه بسبق ثورة أكتوبر لثورة تونس فحسب، بل بثورة 1985 التي أعادوا فيها المأثرة وأزاحوا الرئيس نميري بعد 17 عاما من حكم الفرد والطغيان.

وتدارك الجيش الموقف، فتولى الحكم شريكا للمدنيين في حالة قريبة من وضع مصر الحالي, ومن بين مشروعية ثورة 1985 المعروفة بـ"انتفاضة 1985" أنها قامت لتستعيد ثورة أكتوبر وتنفض عنها غبار السنين والظلم.

وجدد المعلقون في ردهم على الراشد اصطراع الهوية السودانية بين العروبة والأفارقة، فقيل له إن قلت إن تونس هي ثورة العرب الأولى فلا تثريب ما دمت أخرجت السودانيين من حظيرة العروبة.

الشبهات حول ثورة أكتوبر كثيرة، ولن يصمد أي منها للحقائق، فقيل إنها ثورة شيوعية، في حين تنصل الشيوعيون من دورهم المزعوم في قيادتها منذ مؤتمرهم الرابع في 1967، وقالوا إن الثورة تمت تحت قيادة البرجوازية الصغيرة. ومعروف أنه لا يأتي ذكر هذه الطبقة على لسان الشيوعيين إلا مقرونا بثورية قصيرة النفس.

ورصد تقرير المؤتمر أنواع الضعف التي حالت دون الحزب وتسنم قيادة الثورة، وملأت الفراغ الحادث جبهة الهيئات (نقابات واتحادات الأطباء والقضاة والمحامين والطلبة... إلخ)، التي أدارت العملية الثورية.

"
أبطل قانون دفاع السودان الحقوق المدنية والدستورية للمواطنين بالجملة، إذ عطل حرية التعبير والتنظيم وحرية الانتقال، وأرسى ممارسات مجافية للعدالة لا تزال معنا
"
وقال التقرير إن قيامها يعبر عن تطلع الأقسام التي تقدمت الإضراب (مثقفو البرجوازية الصغيرة) لإيجاد قيادة تعبر عن مطامحهم. ولا يعني هذا بحال أن الشيوعيين لا يثمنون تضحياتهم الغراء الكبيرة بما لا يقارن مع أحد خلال ست سنوات عجفاء للإطاحة بنظام عبود

سنتوقف نوعا ما عند شبهة أنها أفسدت الخدمة المدنية بإجراءاتها الفالتة في تطهير كادراتها. وقرأت للأستاذ عبد العزيز البطل يحذر ثوار مصر من "ارتكاب" تطهير الخدمة المدنية حتى لا يلدغوا كما لدغتنا تلك الدعوة في ثورة أكتوبر.

وزاد بأنه سارت في هذا الطريق المؤذي للخدمة العامة كل من "ثورة" مايو 1969 بقيادة النميري و"ثورة" الإنقاذ في 1989 التي لا تزال تحكم السودان.

فكلاهما فرّط في حيدة تلك الخدمة بإحالة رجالها ونسائها للمعاش بزعم "الصالح العام". ووجدت البطل لا يفرق بين الثورة والانقلاب.

فوراء انقلاب النميري والبشير إرادات سياسية حزبية (أو ثارات) معلومة يسارية أو إسلامية. وجاء التطهير في الحالتين لا للخدمة المدنية بل للخصوم في تلك الخدمة، وشتان.

ولعل العلامة الفارقة بين تطهير الانقلاب والثورة أن الأخيرة، بحسها بالعدل الذي خرجت تطلبه وبالحق الذي أوجدها في المقام الأول، تتبع في التطهير البينة على من ادعى.

وخلافا لما دأبت على ترديده بعض صفوتنا من أن الثورة أفسدت الخدمة المدنية سنرى أنها هي التي استنقذت تلك الخدمة من الضياع.

فقد حمل ميثاق  الثورة فقرتين صريحتين عن التزام الثوار باستقلال القضاء والجامعة، جامعة الخرطوم. وكان القضاة وأساتذة الجامعة طليعة للثورة وقد عرفوا عن كثب تخريب النظام لمؤسساتهم.

ومن بين أوضح من طهرتهم السيد أبو رنات رئيس القضاء، والحق أنه لم ينتظر حتى بدء إجراءات التطهير، فسقط مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فقد كان عضوا فيه من وراء ستار، بل ربما كان عضوا مؤسسا خرق الدستور مع سائر أعضاء ذلك المجلس.

فقد جاء في التحقيق في ملابسات انقلاب 1958 أن رئيس القضاء هو الذي جاء بالرجل الثاني في الانقلاب، اللواء حسن بشير، صباح الانقلاب إلى دار السيد أحمد خير المحامي، وزير الخارجية لاحقا، ليعينه في الصياغات القانونية لأوامر الانقلابيين "الدستورية" التي توالت في يوم انقلابهم.

 لم يكن رئيس القضاء في نظر الثائرين سوى مفردة سلطوية، فقد روع السياسة بقانون دفاع السودان 1958 الذي استنسخته النظم الديكتاتورية اللاحقة في قانون أمن الدولة 1973 في دولة النميري وقانون الأمن الوطني 1991 الحالي.

فأبطل قانون دفاع السودان الحقوق المدنية والدستورية للمواطنين بالجملة، إذ عطل حرية التعبير والتنظيم وحرية الانتقال، وأرسى ممارسات مجافية للعدالة لا تزال معنا.

فقد أقحم المحاكم العسكرية في التقاضي، فنظرت في قضايا تطولها قوانين السودان السارية ومحاكمه العادية. كما أنه قنن الاعتقال التحفظي، واعتدى على الديمقراطية من جهة أخرى بقيادته للجنة وضعت تشريع المجلس المركزي البرلماني الذي دمج دمجا عقيما بين مجالس الحكم المحلي والبرلمان وزخر بالتعيينات، ناهيك عن قيام انتخاباته في ظل قانون دفاع السودان.

أما في الجامعة فقد عطل النظام قانون الجامعة لسنة 1956 الذي أراد أن ينتقل بها من شبه مصلحة حكومية في ظل الإنجليز إلى جامعة وطنية مستقلة في رحاب الاستقلال. ولسنا نفصل في ذلك. فيكفي أن النظام عدل قانونها في 1960 ليجعل تعيين مديرها من سلطات راعيها، وهو الفريق عبود رئيس الدولة، في حين عقد قانون 56 هذه المسؤولية على عاتق مجلس الجامعة ديمقراطي التكوين. وقس على ذلك في بقية القانون ولواحقه.

"
خلافا لنظامي الرئيسين نميري والبشير، حيث كان التطهير على شبهة السياسة الحزبية، كان التطهير في أكتوبر على بؤس الأداء الوطني والطاعة الخاسرة للمستبدين
"
وخلافاً لنظامي الرئيسين نميري والبشير، حيث كان التطهير على شبهة السياسة الحزبية، كان التطهير في أكتوبر على بؤس الأداء الوطني والطاعة الخاسرة للمستبدين، فقد وقف من طعن في أدائه خلال فترة الديكتاتورية أمام لجان تطهير في مناخ ديمقراطي طليق.

وذكر الأستاذ شوقي ملاسي المحامي الناشط في حركة البعث أنه كان في لجنة حققت في كسب حرام لصحفي معروف سلقها بألسنة حداد في صحيفته.

وطفحت الصحف بأخبار انعقاد هذه اللجان وعرض نتائج تحرياتها على مجلس الوزراء وما اتفق للمجلس حيالها، فجاء في الصفحة الأولى من جريدة "الأيام" خبر إحالة وكيل الري السابق إلى المعاش وأنه ينتظر أن يجري معه تحقيقا جنائيا حول تهم تتعلق بمخالفات مالية (الأيام 17 فبراير 1965).

وجاء في الصحف أن مجلس الوزراء نظر في تقارير لجان التطهير في عطبرة ومصنع سكر الجنيد وأراضي الحلفاية ومصلحة المخازن والمهمات والنقل الميكانيكي وسينما النيلين وممتلكات أعضاء المجلس الأعلى المنحل، وموضوع الزراعة الآلية في القضارف، وأن المجلس سيصدر قرارات نهائية بشأن هذه التقارير في اليوم التالي لنظره في التقارير.

كما أنهت لجان التحقيق في الشكاوى الموجهة ضد بعض موظفي وزارة الصحة أعمالها، واجتمع الوزير باللجان لبحث تقاريرها (الأيام 16/12/1965).

ونكتفي بهذا القدر لأنه كثير وكان الديدن، وشتان بين هذا والبؤر الغامضة البغيضة التي تكتب قرارات الإحالة للصالح العام الكاذبة نيابة عن نظم الانقلابيين.

ولك أن تقارن ذلك بالتطهير بليل لأساتذة جامعة الخرطوم "اليمينيين" على يد انقلاب النميري وتطهير أساتذة آخرين "يساريين" على يد انقلاب البشير الحالي في 1992. ففي الحالين لم يكفل لأي من هؤلاء الأساتذة أن يعرف حتى قضاته.

ظلت ثورة أكتوبر فحولة سياسية في قرارة وجدان السودانيين رغم قيل نثرها وقاله، تركت فينا عقيدة غامضة ملحة (ربما قاربت الخرافة) بأن للظلم آخرا، ولكل داء انقلابي استبدادي دواء أكتوبري كاف شاف. وفخخنا هذه الأغاني لتنفجر في وجه الطاغية قبل أن ينزاح عنا ونرتاح.

ومن تلك الأغاني المفخخة نشيد "الملحمة"، وهي ملحمة أكتوبر من وضع الشاعر والمسرحي هاشم صديق وتلحين وغناء الأستاذ محمد الأمين.

ففي مقطع منها تقول:
ولسه بنقسم يا أكتوبر
لما يطل في فجرنا ظالم
نحمى شعار الثورة نقاوم

والعبارة المفخخة هنا هي "لما يطل في فجرنا ظالم". ولما كنا عشنا أغلب سنوات استقلالنا في ظل ديكتاتوريات تطاولت ادخر الجمهور تلك العبارة للظلمة المتعاقبين.

ويظل المغني يراوح عندها ويتفنن فيها صعودا وهبوطا. وينتشي لها الجمهور حقا متى أنشدها الفنان في حضرة الظالم نفسه.

واستمع لها مؤخرا الرئيس البشير شخصيا في خيمة الصحفيين الرمضانية لهذا العام. وأعتقد أنه شقي لا بد بزخرفها وتفخيخها. وعرف أنه قد وقع في الفخ.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك