مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني


- دروس في الصميم

- صعود حماس وانكسار إسرائيل
- انتعاش الدور المصري

قيل الكثير في الثناء على صفقة تبادل الأسرى بين حركة حماس وإسرائيل، سياسيا وعسكريا وأمنيا وإستراتيجيا، خاصة أنها تجيء في سياق حالة الصعود الفلسطيني والعربي والإسلامي على حساب التراجع الإسرائيلي في ظل مرحلة الربيع العربي.

لكن صفقة شاليط التي تحط رحالها على واقع فلسطيني وإقليمي حساس تقدم دروسا بالغة الأهمية، وينتظر أن تحمل تداعيات ذات بال وتعكس موجات ارتدادية واسعة تنال مختلف الأطراف ذات العلاقة، وتؤسس لمعادلة جديدة في إطار الصراع المتواصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين

دروس في الصميم
أول الدروس التي تحملها الصفقة يتجه شطر الإدارة التفاوضية التي مارستها السلطة الفلسطينية طيلة عقدين من الزمن، ودخلت بسببها في سجالات لا تنتهي مع حكومات الاحتلال المتعاقبة دون طائل
.

لقد أثبتت حماس خلال خمس سنوات قدرة فائقة على إدارة التفاوض مع ممثلي حكومة الاحتلال، تكللت بنجاح تاريخي في الوقت الذي عجز فيه مفاوضو السلطة عن تحقيق أي إنجاز تفاوضي محترم في أي مرحلة من المراحل التي أعقبت توقيع اتفاق أوسلو ونشوء السلطة الفلسطينية حتى اليوم.

ورغم الفارق الموضوعي بين طبيعة ومضامين المفاوضات السياسية والأمنية التي خاضتها السلطة مع الاحتلال والمفاوضات الخاصة بصفقة تبادل الأسرى، فإن الإدارة التفاوضية ومحدداتها ومرجعياتها والسمات الخاصة للكوادر التفاوضية تلعب دورا حاسما في رسم وتحديد النتائج والمآلات.

"
الدرس الأخير الذي تجود به الصفقة يكمن في أن الزمن لا يمكن أن يكون سيفا مسلطا على رقاب الفلسطينيين، وأن الحق الفلسطيني لا يسقط بالتقادم أو مرور الزمن
"
وهكذا، يتبدى لنا الفارق الشاسع بين مفاوضي السلطة الذين أحاط بهم الفشل إحاطة السوار بالمعصم ومفاوضي حماس الذين انتزعوا الظفر والإنجاز من بين أنياب التنين الإسرائيلي الغاشم.

ثاني الدروس المستفادة أن انكسار المعايير والشروط والمواقف الإسرائيلية ليس أمرا مستحيلا أو عصيا على التحقق على أرض الواقع.

اليوم، تراجع الاحتلال وسقطت المعايير الحديدية التي تمسك بها طيلة السنوات الماضية على صخرة المواقف الفلسطينية الصلبة، فما كان محظورا بالأمس أصبح مباحا اليوم، ومن رفضت إسرائيل الإفراج عنه لكون يديه ملطخة بالدم الإسرائيلي حسب الرواية الإسرائيلية ها هي تضطر لإطلاق سراحه عن يد وهي صاغرة.

ولئن كانت صفقات التبادل السابقة هامة فإن صفقة شاليط تعد الأهم من بينها جميعا، لكونها كسرت الموقف الإسرائيلي بعدم الرضوخ لأي صفقة داخل فلسطين، وجعلت من الصفقة الراهنة فاتحة خير لمزيد من الصفقات المحتملة مستقبلا، وسببا أساسيا ومباشرا في تعبيد الطريق لمعادلة مستقبلية جديدة بين المقاومة والاحتلال.

ثالث الدروس ينبغي أن تستفيد منه حركة فتح التي تقود وتشكل العمود الفقري للسلطة الفلسطينية في إطار علاقتها الممتدة والمتواصلة مع الاحتلال.

لقد أمضت فتح عقدين من العبث السياسي والأمني المؤسس على مبدأ اليد السفلى في إطار العلاقة مع الاحتلال، وكان واضحا أن النهج العام الذي يحكم فتح في مواقفها وسياساتها وسلوكياتها ينبني على إغلاق الخيارات وتقبل سياسة الضغط والإملاء بعيدا عن أي رؤية منهجية سليمة أو سياسة وطنية حكيمة.

صفقة شاليط تمنح فتح اليوم نموذجا رائعا للتعاطي مع الاحتلال، وترسيم آليات العلاقة معه في اتجاه تكريس المصلحة الوطنية العليا لشعبنا وقضيته بما لا يضر بالعلاقات المعقدة والمتشابكة مع المحيط السياسي، إقليميا ودوليا.

آن الأوان لتمثل معاني القوة والصمود والكرامة والإباء التي رسختها صفقة شاليط، والدفع نحو اعتماد فلسطيني سلطوي على الذات الوطنية، والمباشرة بمراجعة كاملة للحال والمسار الفلسطيني سياسيا وأمنيا، ترتكز على أساس إرساء خطة وطنية فلسطينية للتحلل التدريجي من الالتزامات القاتلة التي قيدت السلطة منذ توقيع اتفاق أوسلو وحتى اليوم، وإعادة فتح الخيارات الفلسطينية الرسمية من جديد، واحترام الإرادة  الشعبية والفصائلية لشعبنا، وإعادة الاعتبار لعناصر القوة ومكامن الفعالية الوطنية التي عطلتها بل وحاربتها السلطة طيلة المراحل الماضية.

الدرس الأخير الذي تجود به الصفقة يكمن في أن الزمن لا يمكن أن يكون سيفا مسلطا على رقاب الفلسطينيين، وأن الحق الفلسطيني لا يسقط بالتقادم أو مرور الزمن، وأن استعجال الحلول المجحفة والتسويات العرجاء بحجة الخشية من ضياع الوطن ليس له ما يبرره على الإطلاق.

لو استكانت حماس لمنطق الزمن واستعجلت إبرام الصفقة منذ البداية لخسرت الكثير، ولما خرجت الصفقة بحلتها البهية الراهنة ورونقها العظيم.

الزمن يسير لصالح الفلسطينيين وقضيتهم العادلة، خصوصا في ظل الثورات العربية التي تحمل بشريات التغيير والأمل في مستقبل واعد يعاكس الاتجاه الإسرائيلي والأميركي، ونحن بحاجة -فقط- إلى مزيد من الصبر والصمود والتحمل قبل أن نتذوق ثمار النصر والحرية والخلاص من نير الاحتلال.

صعود حماس وانكسار إسرائيل
في التداعيات فإن حماس ستشق طريقها نحو الرقيّ والصعود في المرحلة المقبلة بحكم جنيها الحصاد الأكبر من الصفقة، في حين ستأخذ إسرائيل مسار التراجع والانكسار الذي هيمن عليها في الفترة الأخيرة.

لا شك أن الشعب الفلسطيني بكل شرائحه وأطيافه يعد رابحا هاما وأساسيا من صفقة التبادل، لكن حماس تبقى الفائز الأول والرابح الأكبر بامتياز، والأكثر قدرة على استثمار وتوظيف نتائج ومخرجات الصفقة على مختلف المستويات.

"
التراجع الإسرائيلي بخصوص صفقة شاليط ليس معزولا عن تطورات العلاقة المتدهورة مع الدولة التركية والشعب المصري، وعن الموجات الارتدادية التي يحدثها الربيع العربي في المنطقة والإقليم
"
من الصعب الحديث عن توقيت محسوب لإخراج الصفقة في هذه اللحظة خاصة، لأن المفاوضات الخاصة بالصفقة استمرت بين مد وجزر على مدار خمسة أعوام، وبدت أشد ما تكون جدية في مرحلتها الأخيرة من شهر يونيو/حزيران الماضي.

وهذا ما يعني أن المزاعم والادعاءات التي ساقتها جهات في السلطة الفلسطينية وحركة فتح ودوائر سياسية خارجية حول ربط إنجاز الصفقة بالتحرك الفلسطيني السلطوي لدى الأمم المتحدة لتحصيل عضوية الدولة ليس له ما يسنده أو يؤكده سياسيا وواقعيا على الإطلاق.

يشرع لحماس أن تستفيد من الصفقة إلى أقصى درجة ممكنة، فهي التي دفعت ثمنا باهظا من قياداتها وكوادرها وعناصرها وبنيتها العسكرية والمؤسسية لقاء الوصول إلى لحظة التبادل المظفرة.

وتحدت حماس كل الحملات والضربات العسكرية الإسرائيلية التي توجت بالحرب الشرسة على غزة المسماة "الرصاص المصبوب"، وتمكنت من إخفاء الجندي الأسير جلعاد شاليط قرابة 64 شهرا في شريط جغرافي ضيق ومحدود دون أن تدركه اليد الإسرائيلية الباغية أو تعلم بأمره الدوائر الاستخبارية الإسرائيلية، رغم ما تملكه من قدرات واسعة ومهارات كبرى على مستوى العالم أجمع.

اليوم، تصعد حماس ويعلو شأنها في لحظة جني المكسب وقطف الثمار، فلن تجد ظروفا أفضل من هذه الظروف لرفع أسهمها الجماهيرية في قطاع غزة الذي تأثر بوضوح بفعل الحصار الاقتصادي وعدد من الممارسات الخاطئة التي انزلقت إليها حكومتها وأجهزتها الأمنية هناك، واستعادة روح العمل والانطلاق على أرض الضفة الغربية المحظورة بقرار وسياسة رسمية من لدن السلطة الفلسطينية هناك.

ومع ذلك، فإن الصعود الشعبي لحماس لن يؤتي أكله أو يحقق أهدافه، إستراتيجيا، إذا لم يدر في فلك خطة إستراتيجية متكاملة لإعادة صياغة علاقة الحركة وحكومتها مع المواطن الفلسطيني في قطاع غزة بما يتضمنه ذلك من تحسين للأداء الحكومي العام، إداريا وأمنيا، بما ينعكس إيجابا في إطار علاقة التماس المباشر مع المواطنين التي شهدت إخفاقات واضحة جراء حداثة التجربة وضعف الخبرة العملية والتأهيل المهني والمعنوي.

ولا يبدو أن حظ المشككين في قدرة حماس على الاحتفاظ بزخمها الشعبي الذي ولدته صفقة التبادل سيكون كبيرا، فقد تناسى هؤلاء أن مرحلة المفاوضات قد أفلت، وأن الربيع العربي الذي تزهر رياحينه غير بعيد في دول الجوار قد أرسى معادلة جديدة تنبذ كل أشكال التبعية والاستبداد والالتحاق بالأجندة الخارجية، بما لا يصب في مصلحة مشروع حركة فتح ومستقبل سلطتها القائمة على أساس المفاوضات العبثية والالتحاق الأمني بالاحتلال.

وهو يعزز أساسا من مشروع حركة حماس الكفاحي القائم على مقاومة الاحتلال وفتح كل الخيارات الفلسطينية في مواجهته، وتحريض العمق العربي والإسلامي لأخذ دوره في معركة الوجود والحضارة مع الكيان الإسرائيلي الدخيل على أرض فلسطين.

ومن دون شك فإن بقاء فتح على نفس نهجها الراهن عقب إنجاز الصفقة، وعدم نزولها عند مقتضيات المصالحة الوطنية بمفهومها الشمولي، والالتفات إلى الداخل الفلسطيني عوضا عن الارتهان للاتفاقيات السياسية والالتزامات الأمنية مع الاحتلال، من شأنه أن يفقدها المصداقية الوطنية ويضعف أسهمها الجماهيرية لصالح حركة حماس ومشروعها المقاوم.

في المقابل، تعيش إسرائيل اليوم انكسارا غير مسبوق، فها هي تذعن لإرادة المقاومة وتلعق المحرمات التي خطتها بنفسها، وتتجرع تراجعا إضافيا هاما عقب الصفعتين التركية الرسمية والمصرية الشعبية لها مؤخرا.

"
انتعاش الدور المصري وعودة مصر إلى ساحة الفعل والتأثير في المنطقة والإقليم من نتائج وتداعيات صفقة شاليط، ولا ريب أن العين المصرية تتجه الآن صوب ملف المصالحة الفلسطينية الذي من شأن إنجازه أن يدفع بالدور المصري إلى مرحلة النشوة والتألق
"
لذا، فإن التراجع الإسرائيلي بخصوص صفقة شاليط ليس معزولا عن تطورات العلاقة المتدهورة مع الدولة التركية والشعب المصري، وعن الموجات الارتدادية التي يحدثها الربيع العربي في المنطقة والإقليم، وعن تجليات الفشل الاستخباري الإسرائيلي المدوي في تحديد مكان الجندي شاليط طيلة الأعوام الخمسة الماضية التي دارت في إطارها حرب "الرصاص المصبوب" على غزة نهاية العام 2008 وبداية العام 2009.

ومن يتابع الحالة الإسرائيلية الرسمية الراهنة يدرك بجلاء أن صفقة التبادل تشكل حلقة في سلسلة التراجع والانكسار الإسرائيلي، وأن هذا التراجع متبوع حتما بتراجع آخر.

فالزمن لم يعد إسرائيليا كما كان سابقا، وإسرائيل لم تعد اللاعب المقرر الذي يتحكم في مسار المنطقة، والتضاريس السياسية التي تتشكل وتتفاعل في المنطقة اليوم تعمل في الاتجاه المعاكس للمسار الإسرائيلي والأميركي.

انتعاش الدور المصري
لا جدال في أن مصر -عبر صفقة شاليط- قد بدأت في استعادة دورها الحقيقي ومكانتها القومية التي بددها نظام مبارك الغابر.

فالقيادة المصرية الجديدة بدت أحوج ما تكون إلى الصفقة في ظل المعيقات والمشوشات الداخلية والخارجية التي وضعتها في خانة التوتر والإرباك في الفترة الماضية.

وما يؤكد ذلك أن الصفقة قد بلغت الحلقوم زمن حكومة أولمرت قبل تولي نتنياهو الحكم، إلا أن تدخل مبارك ورغبته في قطع الطريق على أي إنجاز يسجل لصالح حماس أفشل الصفقة وأعاد الأمور إلى نقطة الصفر.

يواجه المجلس العسكري الحاكم في مصر متاعب داخلية كثيرة، كما يتصدى لحملة نقد واسعة جراء تهاونه في الرد على قتل إسرائيل للجنود المصريين في سيناء عقب عملية إيلات في سبتمبر/أيلول الماضي، مما يجعله أشد حاجة إلى امتصاص النقمة الشعبية العارمة ضد إسرائيل، وإثبات التزامه بأهداف ومبادئ الثورة المصرية التي تنص في جانب منها على استعادة الدور الطليعي لمصر في قيادة الأمة العربية ورعاية مصالحها وقضاياها المختلفة.

وبالفعل، أدخلت الصفقة القيادة المصرية الجديدة في حالة من الأريحية الداخلية والخارجية، وجعلتها محط الأنظار وموضع الإشادة والمدح والثناء محليا وعربيا ودوليا، مما يعطيها حافزا ودفعة سياسية ومعنوية كبرى لتكرار النجاح نفسه في ملف المصالحة الفلسطينية الداخلية المتعثر.

انتعاش الدور المصري وعودة مصر إلى ساحة الفعل والتأثير في المنطقة والإقليم من نتائج وتداعيات صفقة شاليط، ولا ريب أن العين المصرية تتجه الآن صوب ملف المصالحة الفلسطينية الذي من شأن إنجازه أن يدفع بالدور المصري إلى مرحلة النشوة والتألق، ويمنح الدبلوماسية المصرية قوة مضاعفة وثقة واسعة في التحرك نحو معالجة ملفات أكثر ثقلا وصعوبة على المستوى العربي.

خلاصة القول أن الدروس المستفادة من صفقة شاليط بالغة وعميقة، وأن التداعيات التي حملتها لجهة صعود حماس وانكسار إسرائيل وانتعاش الدور المصري من شأنها أن ترسم ملامح وتفاصيل المرحلة المقبلة التي تنتظر مزيدا من الانتصارات الفلسطينية والعربية على الكيان الإسرائيلي المتغطرس وسياساته الغاشمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك