احتفال بذكرى حرب أكتوبر 1973 بعد الثورة المصرية (الجزيرة)

صفوت الزيات
 
 
يبدو الاحتفال بالذكرى الـ38 لحرب أكتوبر 73 مغايرًا في مصر بصورة حادة لما سبقه في أعوام سابقة، بفضل مناخ وطني جديد أنتجته ثورة الـ25 من يناير التي أطاحت بنظام حسني مبارك.
 
فقد مارس هذا النظام نهجًا سلطويا اعتمد على تضخيم دور أسطوري له في هذه الحرب ساعدته في ترويجه آلة إعلامية وثقافية جبارة تابعة للدولة حجبت معها أي نقاش منهجي لأحداث هذه الحرب وإرثها، الأمر الذي فرض نوعًا من القدسية الزائفة والضبابية المتعمدة أمام تناول هذا الحدث لسبر أغواره وطرح وقائعه ودروسه أمام شعب ولد 85% من أبنائه بعد هذه الحرب.
 
لأول مرة في احتفالية هذا العام تطرح للتداول أسماء قادة عسكريين لعبوا الأدوار الرئيسية في هذه الحرب وعمد النظام السابق إلى تغييبهم، يتقدم هؤلاء الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان إبان الحرب واللواء أحمد الجمسي الذي عمل آنذاك رئيسًا لهيئة العمليات.
 
"
روح الوطنية المصرية في أكتوبر 73 ارتبطت في جوهرها بمسألة الكرامة الوطنية من منظور البقاء القومي للدولة عبر استعادة أجزاء محتلة من إقليمها ولم تكن سعيًا لتغيير طابع الحياة السياسية الذي لم تشمله أدنى الأولويات
"
وبهذا يتابع العديد من المصريين لأول مرة دفقًا إعلاميا وصحفيا متعدد الجوانب عن أدوار وأداء ووقائع أحاطت بهم وبإنجازاتهم تعمد النظام السابق التغطية عليها بشخصنة هذه الحرب لصالحه واختصارها في ضربة جوية محدودة في افتتاحيتها.
 
بل إن اتساع نطاق التغطية الاحتفالية لهذا العام طرح بقوة واحدة من أهم حروب مصر المنسية وهي حرب الاستنزاف (1968–1970) التي مهدت طريقًا كان يبدو مستحيلاً لحرب أكتوبر، والتي تعمد نظاما السادات ومبارك إغفالها لا لشيء سوى أنها أديرت تحت قيادة عبد الناصر الذي كان مطلوبًا تغييب دوره كشرط لانفراد كل منهما علي التوالي بشخصنة حرب أكتوبر لصالحه.
 
توتر بين العسكر والمدنيين
لكن احتفالية هذا العام رغم اتساع نطاق تغطيتها وعمق موضوعاتها بفضل التحرر النسبي من كهنة طقوس المناسبات في الإعلام والصحافة لم تنجح في إخفاء حقيقة حدوث توتر وشكوك قائمة -لأول مرة– بين قطاع عريض من الشعب المصري وبين المجلس العسكري القائم بشؤون إدارة الدولة في المرحلة الانتقالية الحالية.
 
وقد فرضت هذه الحالة ممارسات المجلس التي لم تتواكب ومطالب الحالة الثورية التي أفرزتها أحداث يناير الماضي، واتسمت بقدر كبير من التباطؤ في استعادة الأوضاع الأمنية، وبقدر ملحوظ من التراخي في التعامل مع رموز النظام السابق، الأمر الذي دفع البعض لتوجيه شبهة التواطؤ معه بل اعتبار المجلس امتدادًا له.
 
ومن ثم فإن احتفالية هذا العام تجيء وسط مطالبات نخبوية وشعبية بالإسراع نحو تسليم البلاد لسلطة مدنية ولإنهاء دور العسكر في إدارة دفة الدولة المصرية التي مارسوها على مدى ستة عقود كاملة متتالية.
 
العامل الإسرائيلي كان كذلك حاضرًا بقوة بفعل التردي الجاري في العلاقات على خلفية أحداث "العلامة 79 الحدودية" شمال إيلات التي مارس فيها الإسرائيليون نهجهم في خرق السيادة المصرية بدعوى مطاردة إرهابيين، وهو الأمر الذي تعامل معه المجلس العسكري بذات النهج الذي مارسه النظام السابق دون تغيير ومن ثم دفع الغضب الشعبي إلى حد اقتحام السفارة الإسرائيلية وبعثرة وثائقها، فضلاً عن مطالبات واسعة بتعديل بنود معاهدة السلام في حدها الأدنى وصولاً إلى إلغائها في حدها الأقصى.
 
إن روح الوطنية المصرية في أكتوبر 73 ارتبطت في جوهرها بمسألة الكرامة الوطنية من منظور البقاء القومي للدولة عبر استعادة أجزاء محتلة من إقليمها ولم تكن سعيًا لتغيير طابع الحياة السياسية الذي لم تشمله أدنى الأولويات.
 
وذلك في الوقت الذي ارتبطت فيه الروح الوطنية -في أبرز تجلياتها في الخامس والعشرين من يناير- بمسألة الكرامة الإنسانية التي أهدرها نظام روّج لشرعيته عبر أسطورة مبتكرة لدور ما في حرب قارب عمرها أربعة عقود واستنزف رصيدها عن آخره في ممارسة استبداد وفساد غير مسبوق، أهدر معها قيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، بل أخل بروح الجمهورية ومفهوم الدولة الحديثة بطرحه مشروعًا لتوريث الحكم.
 
 
إن الحديث المتواتر عن احتمالات تدهور العلاقات المصرية الإسرائيلية فيما بعد ثورة يناير، والوصول بها إلى حد الصراع المسلح يبدو متجاوزًا لمعطيات الوضع القائم.

فعلى الرغم من حقيقة أن هذا التوتر في العلاقات –على الأقل في مستواها الشعبي– يرتبط بكراهية جمعية مصرية متأصلة تجاه إسرائيل لاعتبارات الكرامة الوطنية التي شهدت حالات من الانكسار وكذلك من السمو بسبب سلسلة حروب ممتدة بين الدولتين لا يجد المصريون في أي منها مبررًا مقنعًا لعدوان الطرف الآخر،
وهو الأمر الذي رصدته مؤخرًا دراسة لأحد مراكز الأبحاث الغربية ذكرت بـ"أن المصريين يعايشون يوميًّا مظاهر تمجيد بسالة حروبهم مع إسرائيل من خلال عبور يومي لملايين منهم فوق جسر السادس من أكتوبر الذي يشق العاصمة المصرية، فضلاً عن كون جزء كبير منهم يقطن مدن السادس من أكتوبر والعاشر من رمضان".
 
على الرغم من ذلك فإنه في مواجهة هذه الحقيقة تبدو اتجاهات رياح الربيع العربي وفي قلبها الثورة المصرية وكأنها حسمت معضلة الأولويات الوطنية لصالح بناء الدولة العربية الحديثة على حساب التورط في صراعات الخارج في ظل مقدرات مهترئة غير قادرة تفرزها أنظمة الدولة القهرية العربية.
 
ومن ثم فإن النخب الثورية الجديدة ترى تكريس الجهد الوطني لبناء دعائم الدولة المدنية الحديثة من ديمقراطية وسيادة للقانون ومؤسسات متوازنة السلطات تضمن فيما بعد توفير عناصر القدرات الوطنية الضرورية لبدء الشروع في عملية تغيير واقع الأمر الحالي وما يشهده من اختلالات عميقة في موازين القوى لصالح الخصوم بفعل عوامل محلية وإقليمية ودولية.
 
على ذلك تبدو الخطابات السياسية التي تشهدها الساحة الداخلية في مصر متسمة بالحذر الشديد والعقلانية فيما يخص مسار العلاقة مع إسرائيل، وذلك لإدراك النخبة المصرية لواقع موازين القوى الحالية من ناحية، وللأولوية التي يرونها في بناء دولة مدنية حديثة يرون فيها الخلاص من كل تقيدات الوضع الحالي داخليًّا أولاً ثم خارجيًّا فيما بعد من ناحية أخرى، الأمر الذي يعني إرجاء أي خطوات تصعيدية مطلوبة  لتعديل الأطر القانونية لهذه العلاقة إلى أوقات أكثر ملاءمة للجانب المصري، وإن كان الأمر لا يعني التخلي عن أي جهد ممكن للتعديل في ظل الأوضاع الحالية.
 
اتفاقية مكبلة لمصر
يدرك الإسرائيليون أن معاهدة السلام مع مصر وفرت لهم ذروة المكاسب منذ إنشاء الدولة عام 1948، فالمعاهدة أقرت ليس فقط بأول اعتراف عربي لمشروعية كيانهم السياسي، وإنما أسست كذلك لأول قبول عربي بالمفهوم الإسرائيلي للحدود الآمنة الذي يمتد إلى داخل حدود الدول المجاورة عبر إنشاء مناطق عازلة منزوعة السلاح بلغ أقصاها على الجانب المصري عمق 150 كلم في المتوسط (يشمل المنطقتين "ب" و"ج" وفقًا للبروتوكول الأمني للمعاهدة) بما يمنح إسرائيل حصانة ضد المفاجأة الإستراتيجية والعملياتية فضلاً عن تهيئة ظروف حيازة المبادأة عند نشوب صراع مسلح.
 
كما يدرك الإسرائيليون فضل المعاهدة في انتزاع مصر من دورها العربي الذي طالما أزعج الغرب وإسرائيل إبان الحقبة الناصرية، فقد نصت العاهدة على "عدم الدخول في أي التزامات أخرى تتعارض مع هذه المعاهدة" (الفقرة 4/ بند 6)، وكذلك على "إقرار الطرفين بأنه في حالة وجود تناقض بين التزامات الطرفين بموجب هذه المعاهدة وأي من التزاماتهما الأخرى، فإن الالتزامات الناشئة عن هذه المعاهدة تكون ملزمة ونافذة" (الفقرة 5/ بند 6).
 
"
المهمة الآنية والأكثر إلحاحًا أمام العسكرية المصرية حاليا، هي تهيئة الوضع الداخلي لعملية التحول السياسي المطلوبة لنقل الدولة المصرية من عصر الشمولية الفردية إلى آفاق التعددية السياسية وتداول السلطة وسيادة حكم القانون وتكريس فكرة المواطنة
"
وقد عمدت إسرائيل بدعم أميركي إلى إحراج مصر سياسيًّا وعسكريًّا بإظهار عجزها في مواجهة سلسلة أحداث متتالية شهدتها المنطقة بدءًا من عملية الليطاني بجنوب لبنان (1978)، ثم قصف المفاعل النووي العراقي (1981)، وحرب لبنان الثانية (2006)، وصولاً إلى حرب غزة (2008– 2009) التي أعلنتها وزيرة الخارجية الإسرائيلية من القاهرة.
 
لكل ذلك وأكثر فإن تصور عدول إسرائيل عن المعاهدة أو حتى القبول بتعديلات جوهرية فيها يبقى أمرًا مستبعدًا ومرفوضًا من قبل قادتها ونخبها السياسية والعسكرية طالما ظلت موازين القوى الحالية في صالحها، واستمرت التعهدات الأميركية الضامنة للتفوق الإسرائيلي قائمة.
 
شؤون داخلية
يدرك المصريون في ذات الوقت واقع التردي الحالي في أوضاعهم السياسية والاقتصادية والأمنية في أعقاب ثورة يناير، وهو أمر متوقع في أعقاب الثورات الكبرى دون استثناء.
 
ومن ثم فإن لدى النخب السياسية اقتناعًا جمعيا بالحاجة إلى مرحلة التقاط أنفاس انتقالية تبدو ضرورية لإعادة هيكلة النظام السياسي للدولة المصرية، وتوفير الأسس المطلوبة لانطلاقة اقتصادية واجتماعية، مما يتطلب معه تهدئة كافة أشكال التوترات في العلاقات الخارجية.
 
وهو الأمر الذي يرشح لنهج مصري في السياسة الخارجية مماثل لسياسة "تصفير المشكلات" التي انتهجتها تركيا في العقد الماضي، ومنحتها هذا التقدم الاقتصادي الذي انعكس فيما بعد إيجابًا على المكانة السياسية والعسكرية التي تتمتع بها حاليًّا بطموح واضح نحو وضع الدولة القائدة في الإقليم.
 
ويتأكد ذلك إذا ما أضفنا إليه حالة الاستنزاف الجاري للعسكرية المصرية في مهام الداخل على حساب المهام التقليدية المتعارف عليها في مواجهة أخطار الخارج، وهو استنزاف لوجيستي بل ومعنوي كذلك باعتبار اتساع رقعة عدم الرضا الشعبي عن أسلوب المجلس العسكري في إدارته للشأن المصري داخليًّا خاصة في الاستخدام المفرط للقوة في كثير من الأحيان مصحوبًا بتعثر واضح في إعادة هيكلة قوى الأمن الداخلي التي كان يمكنها تخفيف عبء الممارسات اليومية التي تتورط فيها وحدات عسكرية غير مدربة وغير مهيأة لهذا النوع من المهام.
 
لكل هذه الاعتبارات ومعها عدم توافر النظام السياسي الشرعي الذي يعهد إليه برسم السياسة العامة للدولة وصياغة إستراتيجيتها الكبرى انتظارًا لاستحقاقات انتخابية تشريعية ورئاسية، فإن توقع تغيير جوهري في العلاقات المصرية الخارجية وعلى نحو خاص مع الطرف الإسرائيلي يبقى أمرًا مستبعدًا في المدى الزمني القريب والمتوسط.
 
المهمة الآنية والأكثر إلحاحًا أمام العسكرية المصرية حاليًّا –التي يبدو (المجلس العسكري) متعثرًا فيها إلى الآن– هي تهيئة الوضع الداخلي لعملية التحول السياسي المطلوبة لنقل الدولة المصرية من عصر الشمولية الفردية إلى آفاق التعددية السياسية وتداول السلطة وسيادة حكم القانون وتكريس فكرة المواطنة.
 
ومن ثم فإن حدود هذا الدور لا تسمح بالتدخل في رسم سياسات عامة أو وضع برامج طويلة المدى، أو التدخل في شأن صياغة الدستور الجديد الذي سيحدد حدود واجبات وصلاحيات سلطات الدولة المختلفة التي هي من مهام النظام السياسي المنتخب القادم.
 
"
وإذا ما كان هناك رابط يجمع بين لحظة أكتوبر ولحظة يناير غير مسألة العناد الوطني فسيبقى -دائمًا- مسألة ضبط العلاقات المدنية العسكرية مهما كانت وتكون صعوبات المرحلة انتقالية
"
درس من أكتوبر

يقدم إرث أكتوبر واحدًا من أهم الدروس التي على كل من المؤسسة العسكرية والنخب السياسية والقانونية إدراكها عند صياغة دستور الدولة المصرية ومن ثم هيكلة نظامها السياسي الجديد، وهو حدود العلاقات المدنية العسكرية التي تضع خطًّا بين ما هو سياسي مسؤول عن رسم إستراتيجية الأمن القومي للدولة ومن ثم تحديد دور القوة العسكرية فيها في حالتي السلم والحرب معًا وما يستتبعه من تكليفات وتوجيهات ومخصصات، وبين ما هو عسكري احترافي مسؤول عن تنفيذ هذه التكليفات والتوجيهات في المستوى العملياتي الميداني.
 
فقد شهد الإعداد لهذه الحرب وحتى في مرحلتها التنفيذية الأولى التزامًا جيدًا بتلك الحدود ربما لأول مرة في تاريخ العسكرية العربية بشكلها المعاصر، إلا أن هيمنة القرار السياسي وتجاوزه الخط الفاصل إلى ما هو عسكري احترافي في المستوى العملياتي الميداني (قرار تطوير الهجوم شرق قناة السويس على عكس نصيحة العسكريين الذي أسس لمرحلة الحرب الثانية) قد شكلَا نقطة تحول حاسمة في الحرب باستلام العدو لزمام المبادأة حتى نهايتها (تطوير الهجوم الإسرائيلي غرب القناة أو ما يعرف بالثغرة).
 
إن إدراك العسكريين لحدود دور القوة العسكرية في المساهمة في الحفاظ على الأمن القومي للدولة كما ترسمه وتحدده السلطة السياسية المدنية في تكليفاتها وتوجيهاتها بعد استشارة العسكريين والاستماع لنصائحهم دون تدخل في المجال الاحترافي العسكري، وكذلك إدراك السلطة السياسية المدنية لدورها في رسم إستراتيجية الأمن القومي ابتداءً ومن ثم تحديد دور القوة العسكرية عبر تكليفات وتوجيهات دقيقة ومحددة، إنما يمثلان معًا أحد أهم استحقاقات بناء وتسيير أمور الدولة الحديثة.
 
إن أفضل ما يمكن أن يساهم فيه إرث أكتوبر في مصر ما بعد ثورة ربيعها –إذا ما قدر لربيعها أن يدوم– هو التوقف السريع والحاسم لأي جدليات غير واعية في أحسن الأحوال ومغرضة في أسوئها حول دور متمايز للمؤسسة العسكرية يشمله الدستور الجديد القادم مهما كانت الدوافع والمبررات والأسباب الآنية التي يقدمها أصحاب هذا المنحى.
 
إن كوارث عديدة ألمت بعالمنا العربي وفي مقدمته مصر عندما تلاشت الحدود بين السلطة السياسية الشرعية ومؤسسة القوة العسكرية للدولة.
 
إن أبرز إنجازات حرب أكتوبر 73 في عيدها الـ38 أنها قدمت درسًا بليغًا عن العناد الوطني نحو استعادة الأرض، وأبرز ما في ثورة يناير 2011 أنها قدمت درسًا أكثر بلاغة في العناد الوطني من أجل كرامة الإنسان التي لم تنجح أنظمة حكم ما بعد أكتوبر 73 في أن توفرها لذلك الإنسان بل استخدمت قدسية لحظة الحدث ذاتها لتمكينها من هدر هذه الكرامة الإنسانية على مدى عقود تالية.
 
وإذا ما كان هناك رابط يجمع بين لحظة أكتوبر ولحظة يناير غير مسألة العناد الوطني فسيبقى -دائمًا- مسألة ضبط العلاقات المدنية العسكرية مهما كانت وتكون صعوبات المرحلة الانتقالية.
 
هناك ضوء مبهر، قد يكون في نهاية نفق طويل لكنه ضوء هادئ للمخلصين من أبناء هذا الوطن وتلك الأمة... كل عام وأنتم بخير.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك