زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني


 
أينما يمّم المرء وجهه في مختلف أنحاء بلادنا العربية يرى تزايد الأخطار المحدقة بمستقبل كثير من دول أمتنا، وأكاد أقول: بأمتنا. فعلى سبيل المثال، استحال الحراك الشعبي في ليبيا، حيث استعان البعض بالمستعمر السابق لإلغاء الشقيق، إما معنويًّا أو ماديًّا، حربًا أهلية. ولأن الأزمة الوطنية الليبية لا تزال في بداياتها فلا يمكن لأي منا الحديث بموضوعية عما حدث ويجري في تلك البلاد، وربما علينا الانتظار طويلاً حتى ينجلي الموقف لنرى إن اقترب شعب ليبيا من حريته المنشودة أو ازداد بعدًا منها.
 
وفي اليمن نرى ما قد تؤول إليه الأوضاع إذا ما انساق المرء وراء أوهام وأمنيات وحسابات خاطئة. فالبلاد تسير بسرعة نحو حرب أهلية ستأخذ في الوقت نفسه شكل الحرب الطائفية أو المذهبية.
لكن هل هذا كله حتمي وليس ثمة من طريق آخر؟!
 
"
يجب أن تتوافر إمكانية تغيير سلمي، وبأقل عدد ممكن من الضحايا، وأن تتوافر هذه الإمكانية، على الأقل في عقول الطليعة الواعية، من دون قتال، أو بأقل كلفة ممكنة، بشرية ومادية ومعنوية
"
كلا ثم كلا ثم كلا، ونضيف القول: يجب أن تتوافر إمكانية تغيير سلمي، وبأقل عدد ممكن من الضحايا، وإقامة دول الحريات والعدالة، رغم تمسكنا بالمعنى العميق وليس السطحي للمصطلحات التي نستخدمها. يجب أن تتوافر إمكانية كهذه، على الأقل في عقول الطليعة الواعية، من دون قتال، أو بأقل كلفة ممكنة، بشرية ومادية ومعنوية.
 
لعل المعضلة الكبرى التي تواجه العديد من الحركات الشعبية العفوية في بلادنا عدم وجود قيادات وطنية لها. في البلاد ثمة شخصيات عديدة، أكثرها ينتمي إلى فئة المثقفين، المعروفة تاريخيًّا بتذبذبها وانتهازيتها المفرطة، والاستثناء يؤكد القاعدة، يحظى أفراد معدودون منها باحترام عام، والجزء الأكبر منها الشعب لم يسمع به أصلاً. نقول هذا لكننا لا نقلل أبدًا من تضحيات مناضلين كثر منهم.
والقيادة، كما نعرف، تأتي من الإمساك بيد التابعين والسير بهم ومعهم إلى الهدف المنشود. لكنّ كثيرا ممن عينوا أنفسهم "قادة"، يلهثون وراء الحركات الشعبية التي رفعت أحيانًا شعارات شعبوية الطابع، وتبنوها، مع أنهم لم يتوقعوا الحراك مما يعني بالضرورة أنهم كانوا أبعد ما يمكن عن الجماهير التي يريدون الآن الفوز بثقتها.

بل نكاد نؤكد أن الجماهير نفسها فوجئت بمقدراتها وتمكنها من كسر حاجز الخوف، فلا تقبل بالعودة إلى عهد سابق. كسر حاجز الخوف من الأنظمة أهم منجزات الشارع العربي في هذا القرن. لقد عاشت معظم شعوب أمتنا ألف ألف عام في حالة رعب من بطش أنظمة، واستبدلت بالنضال الوطني والثوري التقية والتظاهر بحب هذا النظام أو ذاك، أو الولاء لهذا الزعيم أو ذاك. لكنها اكتشفت الآن أن الموت المشرف أقصى ما يتهددها عند خلعها ردائي الرياء والتقية، فما عادت على استعداد للعودة إلى الحال السابق والعيش في رهاب الخوف من الخوف.
 
لكن هدف الجماهير التغيير الحقيقي العميق، وليس التظاهر لأجل التظاهر، وليس الموت في ساحات التظاهر، ولا خلع ثوب الخوف أو التخلص من رهاب الخوف من الخوف.
للتذكير: كما أن تماسك مؤسسات هذا النظام أو غيره يعني عدم إمكانية إسقاطه، في المستقبل المنظور على الأقل وحلول نظام وطني حقًّا محله، فإن استمرار الحراك الشعبي، الفاعل أو السلبي، رغم غياب القيادة الوطنية المحركة له، يعني انتفاء إمكانية عودة البلاد إلى أحوال ما قبله، وإلى أسلوب الحكم ذاك.
 
قلنا من قبل: إن الانتفاضات السلمية الطريق الصحيح الوحيد لإعادة تشكيل الأوطان على أسس عقد اجتماعي جديد. سبب رفضنا المطلق عسكرة الحراك أن حمل السلاح ضد الشريك في الوطن، الصغير والكبير، مهما ارتكب من أخطاء وخطايا ومظالم... إلخ، يعني إلغاء الآخر.
 
الانتفاضات الشعبية هدفها إعادة تشكيل الوطن على أسس المواطنة المتساوية التي تحفظ لكل ذي حق حقه، وليس استبدال طاغية منتخب بطاغية فرض نفسه بطريقة من الطرق، وهدفها ليس نصب أعواد المشانق في الطرقات والساحات، أو لنقل: يجب ألا يكون كذلك.
المقصلة كانت راية الثورة الفرنسية، فغرقت لأكثر من نصف قرن في الدماء التي أسالتها.
 
لنتذكر أن تصرف الحراكات الشعبية وممثليها، أيًّا كانوا، يعبر على نحو واضح عن نمط تفكيرها وجوهر شخصيتها. اللجوء إلى العنف المسلح، والتلويح باستخدام أحد أشكال ممارسته، يعبر خير تعبير عن طبيعة القوى التي تتبناه وجوهرها.
الحروب، ومنها الأهلية، ليست عملية رومانسية، ولا هي طريق لحل المشاكل، ولا هي نزهة أو خيار ثوري مزعوم . واسألوا إخواننا في لبنان.
الحروب الأهلية تعني قتل المرء شقيقه، والأب ابنه، والأم أطفالها. الحروب الأهلية تعني دمار الوطن اجتماعيًّا واقتصاديًّا وأخلاقيًّا وفكريًّا... إلخ. ولأن لكل حرب هدفًا سياسيًّا، ولأن قتل الآخر أو حتى التفكير في ذلك، أمر غير أخلاقي بالأساس، وجب البحث بلا ملل عن بدائل لحل المشكلات والأزمات الوطنية.
 
نحن لا نتكلم هنا في الحروب التحريرية من المستعمِر التي تصبح ضرورة وواجبًا في حال عدم انصياع الأخير لمطلب الشعوب المستعمَرة، لكنها الخيار الأخير.
 
الآن، عندما نواجَه بوضع تكون فيه المؤسسات الحاكمة غير قادرة على الاستمرار في الحكم بالأسلوب ذاته، والشعوب لا تقبل بالعودة إلى ذلك الأسلوب، فإننا إزاء أزمة وطنية وجب البحث عن طرق لحلها، خصوصًا بعدما يثبت للطرفين في كل بلد عدم إمكانية انتصار أي منهما. هنا يجب البحث عن حلول مبتكرة تضمن انتقال المجتمع إلى عهد جديد تمامًا.
 
"
الأحوال السائدة في كثير من بلادنا العربية توفر فرصة تاريخية لإنجاز مصالحات وطنية تاريخية، تعد لمرحلة جديدة تنظر إلى المستقبل وتتجاوز الآلام والعذابات بالالتفات إلى الماضي فقط لكتابة التاريخ، وليس لأي أمر آخر
"
في ظننا أن الأحوال السائدة في كثير من بلادنا العربية توفر فرصة تاريخية لإنجاز مصالحات وطنية تاريخية، تعد لمرحلة جديدة تنظر إلى المستقبل وتتجاوز الآلام والعذابات بالالتفات إلى الماضي فقط لكتابة التاريخ، وليس لأي أمر آخر.
 
رغم عمق جراح شعوبنا، أفرادًا ومجتمعات، فإن العنف لا يحل مشكلة. حتى العنف الفردي أثبت عدم جدواه. فكثير من المجتمعات البشرية تبنت منذ أقدم العصور حكم القتل عقوبة لجرائم محددة، لكن هذا لم يمنع حدوثها ولم يردع كثيرين.
 
والقتل عمل انتقامي، والقتل يقود إلى قتل مضاد، وإلى دوامة عنف لا تنتهي، خصوصًا في مجتمعاتنا التي لا تزال تعاني العصبية العائلية والعشيرية والقبلية وتقتات على الوساوس والأوهام والأعراف البدئية المتخلفة.
 
إن ظلم كثير من المؤسسات الحاكمة أكبر من أن يحصى، وأضخم من أي محاسبة، ومتابعته تقتضي العمل إلى ما شاء الله. كذلك فإن المطالبة بالمحاسبة لأجل العقاب ستغلق الأبواب أمام من يعدون أنفسهم ضحايا في نفس الوقت الذي هم فيه "جناة".
 
استمرار المطالبة بإلغاء الآخر والتشديد على ضرورة الاستمرار حتى "الانتصار" على المؤسسات الحاكمة، والمطالبة بنصب المشانق، المادية والمعنوية، وما إلى ذلك من التصرفات، ومنها الانتقامية، التي لا تليق بأي عمل حضاري وإنساني، لا يمكن إلا أن تدفع الأطراف المستهدَفَة للاستماتة في الدفاع عن نفسها، وهو ما سيقود البلاد ومن فيها إلى الدرك الأسفل من الكارثة الوطنية.
 
آلام المظلومين شرعية ومفهومة بكل تأكيد، ولكن الاستعانة بالعقل، وليس بالعواطف، سيد الأحكام.
 
الطريق الأقصر نحو مستقبل واعد يبدأ بالنظر إلى الأمام على قاعدة المصالحة الوطنية التاريخية.
 
لدينا مثل تطبيقي غاية في الأهمية هو ما جرى في جمهورية جنوب أفريقيا وانتقالها من الدولة العنصرية إلى دولة المساواة في الحقوق السياسية (صوت واحد لكل فرد/ one man one vote)، من دون إراقة قطرة دم.

الانتقال السلمي ذاك لم يتم بين ليلة وضحاها، ولم يجر أساسًا بسبب ضغوط من هنا وهناك على القوى ذات العلاقة لإنجاز المصالحة التاريخية، وإنما نتيجة اقتناعها بـ"توازن الرعب" وعدم توافر مخرج أفضل من الأزمة الوطنية.
 
عندما قرر عنصريو جنوب أفريقيا الأفريكان الدخول في المصالحة التاريخية، تقول الكتب التي أرخت المادة، إنه لم يخطر لهم إطلاقًا تسليم السلطة للأغلبية الأفريقية، وإن ممثلي حركة التحرر الأفريقية لم يتوقعوا النتيجة التي وصلوا إليها. عملية الإعداد والانتقال لم تتم بين ليلة وضحاها بل امتدت سنين عديدة وفي سرية مطلقة. بل إن إعداد الزعيم الأفريقي الأسطوري نيلسون مانديلا للحرية اقتضى جهد أكثر من سنتين حيث عمل السجان على "تأهليه وتدريبه" على الحرية بعد ربع قرن من الاعتقال.
 
في التاريخ ثمة أمثلة للاعتبار ومنها خواتيم من ظنوا أنهم فازوا في حرب أهلية. الجنرال فرانكو توهم أنه ربح الحرب الأهلية في منتصف القرن الماضي، لكنه اكتشف قبل رحيله أنه انتصر فيها فحسب ولم يربحها، مما اضطره إلى تسليم مقاليد الحكم لغريمه "المهزوم" موصيًا بإنهاء الجمهورية التي أقامها على قياسه الشخصي وإعادة السُّلطة إلى المَلَكِية.
 وثمة أمثلة كثيرة من التاريخ القديم والمعاصر التي يمكن النظر فيها والاتعاظ بها.
 
العنوان العام الذي نقترحه مخرجًا سلميًّا مشرّفًا لشعوبنا التي تعاني أزمات وطنية مستعصية هو "توافر فرصة تاريخية لإنجاز مصالحة وطنية تاريخية"، تفتح الطريق أمام تأسيس دولة جديدة على أساس عقد اجتماعي عنوانه الرئيس "حماية الضعيف من قوي متسلط، والفقير من جشع غني، يوحد مختلف فئات المجتمع ومكوناته المذهبية والقومية على أسس المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات في دول مدنية.
ليس ثمة من حربٍ لأجل الحرب، ولا خصومة لأجل الخصومة. كل صراع انتهى بجلوس المتحاربين، أو المتخاصمين، إلى مائدة المفاوضات والتصالح.
 
المصالحة الوطنية الطريق الأفضل والأوحد المفتوح أمام الأطراف المعنية.
 
"
المصالحة الوطنية التاريخية تمر عمليًّا، عبر مرحلة انتقالية يتم فيها إعداد البلاد والمجتمع لمرحلة جديدة من تنظيم المجتمع وفق دستور يساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات
"
المصالحة الوطنية التاريخية تمر عمليًّا، كما نرى، عبر مرحلة انتقالية يتم فيها إعداد البلاد والمجتمع لمرحلة جديدة من تنظيم المجتمع سياسيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا... إلخ، وفق دستور يساوي بين المواطنين في الحقوق والواجبات.
 
هذه المرحلة يجب أن تتضمن، ضمن أمور أخرى بديهية، استرداد أصحاب الحقوق ما سُلب منهم، قسرًا أو "قانونيًّا"، وتعويض ما يمكن تعويضه من صندوق وطني يساهم فيه الجميع، لكن من دون أي انتقام أو ملاحقات، من منطلق حكمة: "الإسلام يجبُّ ما قبله"، والقول التاريخي: "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر".
 
لكل دولة من دول أمتنا العربية تعاني أزمة وطنية خصوصياتها، لكن المصالحة الوطنية التاريخية تعني تأكيد الامتناع عن المحاسبة والانتقام، والقفز فوق الظل والانتقال إلى الصلح والمصارحة والعفو.
 
الاحتقان في النفوس سيبقى، ولكن يمكن التخفيف منه كما جرى في جمهورية جنوب أفريقيا، بتشكيل لجنة للمصارحة والعفو، بعد مرور فترة زمنية انتقالية محددة تكفي لتسير بسيل الغضب المشروع والمفهوم إلى مجرى التسامح والغفران.
 
المصالحة الوطنية التاريخية يمكن أن تتم الآن، باستحضار الضحايا الذين سقطوا في المواجهات شهداء عليها، أو أن تتم غدًا، أو بعد غدٍ، أو حتى ما بعد بعد غدٍ، عندما ترتفع الكلفة البشرية والمادية والمعنوية أضعافًا مضاعفة. لنتذكر أن التاريخ يكرر نفسه، لكن الكلفة تتضاعف في كل مرة. فهل من يسمع! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك