صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي


ليس هناك خلاف حول حقيقة أن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط والسياسة الإسرائيلية تمران بأزمة بخصوص القضية الفلسطينية من ناحية، وفي مواجهة أطراف محددة في المنطقة من ناحية أخرى، والمتمثلة في إيران وسوريا وحزب الله وحماس في غزة.

ولاشك أن الأزمة تبلغ من الحدة إلى درجة أن الولايات المتحدة وإسرائيل تفكران جديا في الحرب كأحد الاحتمالات للخروج من الوضع الراهن، غير أن قرار الحرب بالنسبة للطرفين يتحكم فيه اعتبار ينبغي التفكير فيه بعقلانية صارمة، وهو المتمثل في توافر أكبر قدر ممكن من شروط النجاح.

"
الحرب ليست مجرد استخدام لوسائل العنف في لحظة انسداد طرق الحلول لأزمة في علاقات الدولة مع غيرها من الأطراف الدولية، بل هي تصرف غاية في العقلانية من وجهة نظر مصالح هذه الدولة
"

فالحرب -كوسيلة من وسائل السياسة الخارجية- ليست مجرد استخدام لوسائل العنف في لحظة انسداد طرق الحلول لأزمة في علاقات الدولة مع غيرها من الأطراف الدولية، بل هي تصرف غاية في العقلانية من وجهة نظر مصالح هذه الدولة حسب المفهوم الذي يتحكم في تفسير مصالحها.

وانطلاقا من هذا المفهوم، فإنني لا أظن أن أحدا ينكر أن الولايات المتحدة وإسرائيل تقود سياستيهما مؤسسات إلى حد بعيد، لا حاكم فرد يشن الحرب انتقاما لكرامته الشخصية أو حفاظا على استمراريته في السلطة، ولهذا فإن صناع القرار في كلتا الدولتين تملي عليهم عقلانية المصالح السياسية أن يتأكدوا -إلى أقصى حد ممكن- من شروط نجاح هذه الحرب في تحقيق كل أهدافها أو معظمها وأهمها، وفي إتيانها بحلول تكفل الخروج من الأزمة بشكل نهائي.

غير أن التأكد من شروط النجاح يطرح عليهما ضرورة اختيار وتعيين الطرف الذي تنبغي محاربته من بين هذه الأطراف، فإذا ما جرت مفاضلة بين حماس وحزب الله لاختيار أحدهما كمستهدف بهذه الحرب، فإن المقارنة قد ترجح حماس لعدة أسباب في نظر صناع قرار الحرب، وأهم هذه الأسباب هي:

1- في حال شن حرب على حزب الله كمستهدف بهذه الحرب، فإنه في ظل هذه الفرضية هناك شروط غائبة ومحاذير قائمة تجعل هذا الخيار ليس هو الأفضل مقارنة بحالة غزة الأكثر ملائمة، إذا كانت الحرب يراد منها إيجاد مخرج للأزمة الفلسطينية، وليس مجرد حملة تأديبية لمنع تدهور الوضع القائم.

فحزب الله يتمتع بإمكانيات وظروف تجعل من شن حرب ضده عملية محفوفة باحتمالات كثيرة ومخاطر قد تجعل الخسائر كبيرة، فهو يمتلك عتادا عسكريا لا تمكن مقارنته بما لدى حماس من إمكانيات متواضعة معتمدة في الحصول عليها عبر شواطئ خاضعة لحصار بحري إسرائيلي وغربي، أو بواسطة أنفاق يجري تدميرها يوميا ومراقبتها من إسرائيل بالتعاون مع الأنظمة العربية المجاورة للقطاع, بينما يتمتع حزب الله بحدود مفتوحة على العالم بأسره عبر لبنان وسوريا، ومهما كانت قدرات إسرائيل العسكرية بمساعدة الولايات المتحدة الأميركية، فإنها لا تستطيع أن تسيطر على مصادر هذا السلاح، إلا إذا دخلت في حرب إقليمية مع سوريا وإيران، وذلك يحتاج إلى مخطط آخر واستعدادات أخرى تتجاوز الحرب على حزب الله.

2- الحرب ضد حزب الله ستكون في واقع الأمر حربا ضد لبنان شاء خصوم حزب الله أو لم يشاؤوا، فالعمليات العسكرية الإسرائيلية ستغطي معظم أراضي لبنان، فإذ كانت إسرائيل مصممة -وهذا مؤكد، نجحت أو لم تنجح- في القضاء على الحزب كقوة عسكرية وإخراجه نهائيا من لعبة التوازن في المنطقة المحيطة بها، فإن ذلك سيقود بالضرورة الجيش الإسرائيلي إلى محاولة إيجاد وتصفية مصادر القوة البشرية والعسكرية والاقتصادية للحزب في أي بقعة على الأرض اللبنانية.

"
بالرغم من وجود مناطق تسيطر عليها قوى مناوئة لحزب الله ولا يستطيع التحرك فيها، فإن بقية جغرافية لبنان -بقراه وجباله وأحراشه- تعتبر فضاء ممتدا أمام قوات حزب الله كمسرح لعمليات الكر والفر
"
وبالرغم من وجود مناطق تسيطر عليها قوى مناوئة لحزب الله ولا يستطيع التحرك فيها، فإن بقية جغرافية لبنان -بقراه وجباله وأحراشه- تعتبر فضاء ممتدا أمام قوات حزب الله كمسرح لعمليات الكر والفر في صراعها مع الجيش الإسرائيلي، وهذا النوع من الحرب يعتبر مكلفا في خسائره بالنسبة للجيش الإسرائيلي في مواجهة مليشيات تتمتع بروح قتالية عالية، وخياراتها محدودة وليست عديمة التسليح، بينما لا يتوافر هذا الظرف الجغرافي والمسرح العملياتي لحماس، مما يرشحها كخيار أفضل لحرب موجعة للخصم وأقل كلفة.

فحماس تتحرك على شريط ساحلي محاصر من البحر والشمال والشرق من إسرائيل، وتخنقها من الجهات الأخرى أنظمة عربية تطالب برأس حماس أكثر مما تطالب به إسرائيل، كما أن مسرح عملياتها عبارة عن بضع مناطق ضيقة مكشوفة أمام التقنية العسكرية الإسرائيلية حول مدينة محاصرة مكتظة بالسكان، وهى وإن كانت توفر للمقاتلين إمكانية حرب شوارع قد تكون باهظة في الأرواح بالنسبة للجيش الإسرائيلي، فإنه من الأرجح أن تجربة الحرب السابقة قد أعطت للعسكريين الإسرائيليين تصورات وحلولا أخرى لمثل هذه المعضلة.

فالتقنية العسكرية الأميركية الموضوعة تحت تصرف إسرائيل تستطيع أن تذلل الكثير من العقبات، هذا إلى جانب أن إسرائيل إذا ما أقدمت على حرب أخرى فإنها ستكون أكثر من المرات السابقة بعدا عن قواعد الحرب والأخلاق الدولية، وستعتبر المدينة بكاملها هدفا عسكريا دون تمييز، لكي تضع المقاتلين في موقف صعب أمام أهلهم من المدنيين، وهي سياسة قد تتبعها إسرائيل أيضا في لبنان إذا ما وقع خيارها على حزب الله, ولكن يبقى الفارق كبيرا بين جغرافية غزة وجغرافية لبنان وظروفهما السياسية.

فإسرائيل قد لا ترى لها أصدقاء من بين سكان غزة الذين انتخبوا حماس، بينما تصنف الساحة اللبنانية إلى أعداء وأصدقاء وحلفاء مستقبليين، وقد لا تضعهم في سلة واحدة عندما تشن حربا خالية من التزامات الحرب على هذه الساحة، إلى جانب أن لبنان بتركيبته الديموغرافية وظرفه السياسي يعتبر دولة تتمتع بعطف وصداقة كثير من قوى الغرب الكبرى، التي يسوؤها ويضر بمصالحها قيام إسرائيل بمثل هذا النوع من الحرب ضد جميع مكونات هذا البلد.

بينما غزة بالنسبة للغرب مدينة أذنبت في حق نفسها عندما أتت بمنظمة "إرهابية" إلى السلطة، في الوقت الذي يشمت بها كثير من الأنظمة السياسية العربية، لأنها احتضنت منظمة ترفع علم المقاومة في زمن أجمعت فيه هذه الأنظمة على مبدأ السلام خيارا إستراتيجياً مع إسرائيل كيف ما كانت نتائجه.

3- الحرب على حزب الله ستكون لها على الأغلب امتدادات إقليمية في حال ما إذا اتضح أن الحرب التي تقودها إسرائيل هي حرب كسر عظم –وهي لابد أن تكون كذلك- لأن سوريا وإيران ستعتبران ذلك حربا ضدهما, فحزب الله حليف إستراتيجي لهما في مواجهة إسرائيل، والوقوف موقف المتفرج أمام عمليات عسكرية تستهدف إزالته من المعادلة الإقليمية يعتبر خطأ إستراتيجياً عواقبه فادحة على كل من سوريا وإيران، إذا كانتا عازمتين على المضي في سياستيهما المعلنتين تجاه القضايا العالقة بينهما وبين الغرب وإسرائيل.

وهذا ما أوحت به تصريحات سابقة لقيادات الحلفاء الثلاثة بأن الحرب القادمة إذا ما وقعت فستكون شاملة، ولعل الاتهامات التي وجهتها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى سوريا بتزويد حزب الله بصواريخ وأسلحة متطورة، تدل على أن حرب إسرائيل القادمة ضد حزب الله ستواجه استعدادات أكثر مما واجهته في حربها السابقة، وأن احتمال امتداد هذه الحرب إقليميا أصبح واردا، خصوصا إذا اتضح من سير العمليات العسكرية أن حزب الله يواجه خطرا أكيدا، بينما لا يبدو مثل هذا الاحتمال قائما في حالة شن حرب على حماس، وذلك بالنظر إلى تعقيدات الوضع الجغرافي، ومحاصرتها داخل طوق إسرائيلي غربي وعربي، وقد تكون سوريا الأكثر تضررا من جراء ما قد يحدث لحماس في هذه الحرب.

"
الحرب ضد حماس هي السيناريو الأكثر إغراء، لأن هزيمة حماس ستؤدي إلى فتح مسارات في جدار القضية الفلسطينية, كما أن حماس تعد أضعف الحلقات رغم صدق عزيمة رجالها وتصميمهم وشجاعتهم 
"
وقد يقوم حزب الله ببعض التحركات للتحذير من أن الحرب ضد حماس إذا ما استمرت قد تتطور إلى حرب إقليمية، ولكن دخول سوريا وإيران وحزب الله في حرب ضد إسرائيل يظل احتمالا ضعيفا، بعكس ما لو قامت الحرب ضد حزب الله، حيث يكون التدخل أكثر فاعلية ومصداقية، وملبيا أكثر للضرورات الإستراتيجية.

قد تقع الحرب قبل صدور هذا المقال، وقد تبقى الأوضاع في حالة تأزم انتظارا لنضوج ظروف أفضل وتوافر شروط أكثر لنجاح حرب ضد أحد هؤلاء الحلفاء, ولكن إذا ما قرر صناع قرار الحرب الإسرائيليين والأميركيين خوضها ضد أحد هذه الأطراف -بناءً على ما يعتقدونه توافر أفضل شروط للنجاح- فستبدو حربهم ضد حماس أكثر إغراء، لأن هزيمتها عسكريا -إذا ما تحققت- ستؤدي إلى فتح مسارات مقبولة لإسرائيل والولايات المتحدة في جدار القضية الفلسطينية المتأزمة.

والسبب الآخر هو أن حماس تعد أضعف حلقات هذا التحالف، رغم صدق عزيمة رجالها وتصميمهم وشجاعتهم، فهي محرومة من عامل الجغرافيا ومن السلاح، ويعاديها الغرب السياسي، ويحاصرها الحكام العرب ويستعجلون القضاء عليها، وليس خلفها سوى الشعب الفلسطيني المفتت والمحاصر معها، وشعوب عربية بائسة فاقدة لروح الفعل الجماعي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك