أحمد طه

أحمد طه

أحمد طه


هوامش على الحوادث
مطالب أساسها المواطنة
داء ودواء
لا مناص من التراص

أتى تفجير الإسكندرية الإرهابي ليتوج عاماً ساخناً بمصر، مثَّل الاحتقان الطائفي مساحة كبيرة من سخونته، فقد بدأ 2010 بجريمة نجع حمادي وانتهى بمذبحة الإسكندرية الشنعاء، وما بين الجريمتين وقعت أحداث عدة استدعت سجالاً طائفيا، ففي مايو/أيار ثارت أزمة حكم الزواج الثاني للأقباط، وتلتها أزمة السيدة كاميليا شحاتة، وعلى إثرها جاءت تصريحات الأنبا بيشوي، وفي نوفمبر/تشرين الثاني وقعت أعمال شغب بحي الهرم.

ولم تخل العلاقة بين المسلمين والأقباط من توتر يعروها أو أزمات تعتريها، ففي 1910 نشبت فتنة كبيرة إثر مقتل بطرس باشا غالي فاستطاع عقلاء الطرفين إخماد نارها، وسرعان ما التحم الطرفان معاً في ثورة 1919 التي دشنت مرحلة من المشاركة العامة، شملت بالطبع الجانب القبطي الذي مثله السياسي البارز مكرم عبيد.

وعندما احتكرت الدولة السياسة بعد قرار حل الأحزاب 1953 بالتزامن مع عدة عوامل أخرى، كان من نتيجة ذلك غياب المشاركة القبطية وتمدد الدور السياسي للإكليروس القبطي، ومع مرور الوقت احتكرت الكنيسة التعبير عن الأقباط بالمعنى الشامل للنواحي الدينية والسياسية والاجتماعية، حيث تحولت الكنيسة مؤخراً إلى حزب سياسي يتحدث باسم الأقباط ويدافع عن مصالحهم.

هوامش على الحوادث

"
الأقباط المصريون جزء لا يتجزأ من المجتمع المصري، لم يعان طوال تاريخه من أي غربة حضارية، أو عزلة نفسية، أو جسدية، أو مهنية
"
* الأقباط المصريون جزء لا يتجزأ من المجتمع المصري، لم يعان طوال تاريخه من أي غربة حضارية، أو عزلة نفسية، أو جسدية، أو مهنية، حيث عمل الأقباط بمختلف هيئات الدولة المصرية واحترفوا مختلف المهن، كما تغيرت لغتهم من القبطية إلى العربية، بل وأبدع الكتاب والأدباء الأقباط من خلالها، وهو ما يعني تبنيهم للخطاب الحضاري القائم الذي لم يحل دون تعبيرهم عن هويتهم، الأمر الذي كان من شأنه تعميق انتمائهم إلى الوسط الحضاري المحيط، فأهم ميزة للمجتمع المصري هي مدى التجانس والتمازج بين مسلميه وأقباطه.

* المادة الثانية من الدستور لا تعني سيادة فئة وإلغاءها الأخرى، وإنما هي تعبير عن الهوية الحضارية للمجتمع التي هي بمثابة المعين الذي تنبع منه قيمه وتنبثق منه أخلاقياته، فإن المكونات الدينية والعرقية والإثنية لأي مجتمع قابلة للتعدد، غير أن اندماجها في كتلة واحدة مرهون بوجود المرجعية الحضارية الواحدة، التي تكون الخيط الحضاري الرابط بين مكوناته المختلفة، والأرضية الثقافية المشتركة التي يقف عليها جميع مواطنيه، والتي لخصها مكرم عبيد بقوله "أنا مسيحي ديناً مسلم وطناً".

وتنبغي الإشارة إلى أن المادة الثانية لم تُستحدث في تعديل 1980 وإنما كانت ضمن دستور 1923 برقم 149, وأن اللجنة المشكلة لوضعه وافقت عليها بإجماع أعضائها الثلاثين، بمن فيهم غير المسلمين وقد كانوا يمثلون20% من أعضائها.

* أولى قواعد الدولة المدنية هي احترام أحكام القضاء امتثالا ونصوص القانون إعمالاً، الذي خوّل عدة جهات حصراً سلطة إلقاء القبض على المواطنين واحتجازهم، وهي سلطة الضبط القضائي ممثلة في الشرطة، وسلطة الاتهام والتحقيق ممثلة في النيابة العامة، وسلطة الفصل في المنازعات ممثلة في القضاء، كما نص الدستور على أن الكنيسة الأرثوذكسية مؤسسة من مؤسسات الدولة المصرية ورجالها هم موظفون عموميون فيها، ويقومون -نيابة عن الدولة- برعاية مصالح المواطنين الأقباط، أي أن نشاطهم هنا هو إداري -وليس دينيا- دعت إليه اعتبارات الصالح العام.

* خيار التظاهر الطائفي أمام دور العبادة، خيار خطير قد يفضي إلى ما لا تحمد عقباه، فضلاً بالطبع عن الخروج إلى الشارع.

* غنيٌ عن البيان أن الإرهاب وقتل الأبرياء هما عملان دنيئان، لا يستهدفان طائفة بعينها بل يستهدفان مصر كلها.

مطالب أساسها المواطنة
تتركز المطالب القبطية في نقطتين هما، زيادة نسبة الأقباط في وظائف بعينها، والثانية صدور قانون دور العبادة الموحد، وهما مطلبان عادلان ولا شك، بيد أنه لا يمكن فصلهما عن السياق العام.

بادئ ذي بدء ينبغي أن نتفق على التوصيف الدقيق لمشاكل الأقباط، فهي تمييز وليست اضطهادا كما يزعم البعض، والسؤال هل التمييز يقتصر على الأقباط وحدهم؟ والجواب بالقطع: لا.. بل إنه يمتد ليشمل العديد من فئات المجتمع المصري، التي تُحرم من الالتحاق بأماكن معينة، فماذا عسانا إذن أن نوّصف حرمان المحجبات مثلاً من الالتحاق بوظائف بعينها مثل مذيعات التلفزيون؟ أو حرمان الناشطين السياسيين عامة والإسلاميين خاصة وأبنائهم من الالتحاق بأماكن أخرى مثل الكلية الحربية، أو كلية الشرطة، أو القضاء، أو وزارة الخارجية.

إذن التمييز يشمل الأقباط وغيرهم من الفئات الأخرى، وهو ما يعني أن فئات المجتمع كلها تعاني وليس الفئة القبطية فقط، فالوضع يحتاج إلى معالجة شاملة لمشكلات المواطنين المصريين جميعاً, أما القول بتخصيص العلاج وتوجيه الجهود لمعالجة مشاكل فئة محددة دون الباقي، فهو الظلم بعينه، إذ يعني هذا محاباة فئة على حساب مثيلاتها، فالعدل الجزئي ظلم كلي.

"
لو تتبعنا مسار مطالب الكنيسة في الفترة الأخيرة، لوجدنا أنها تنحو منحى "طائفياً" وليس "وطنيا"، كما أن خطابها قد وصل إلى مرحلة الاستعلاء والاستطالة، حيث تحول من كونه "دليلا" على الوحدة الوطنية إلى كونه "معياراً" لها
"
وقانون بناء دور العبادة الموحد مطلب عادل، إلا أنه يرتبط ارتباطا وثيقاً بقضية أخرى، صارت من الأسرار المقدسة داخل دهاليز الدولة المصرية، وهى عدد المواطنين الأقباط في القطر المصري، فبناء كنيسة في منطقة معينة مرتبط بعدد الأقباط الذين يقطنون فيها ومدى حاجة هذا العدد إلى كنيسة جديدة من عدمه، فالأمر محكوم بالنسبة والتناسب بين الكنائس وعدد السكان وليس إشباعاً لرغبة إثبات الوجود العمراني، وإنفاذاً لنزعة التوسع المعماري.

وللأسف الشديد ففي قضية عدد الأقباط تحديداً، نجد أن هناك تواطؤاً بين الحكومة والقيادة الكنسية، حيث تحجم الأولى عن الإعلان عن العدد الحقيقي لهم الذي بالقطع هي تعرفه، تلبية لرغبة الثانية، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه أمام نزعة المزايدة العددية، مع أن القضية محكومة بمبدأ المواطنة وما يتعلق به من حقوق وواجبات، أما مسألة العدد التي تفضي إلى لغة "المحاصّة" فهي جزء من الخطاب السياسي بين الأحزاب السياسية، وليس بين مواطنين في مجتمع واحد وإن توزّعت انتماءاتهم على مختلف مكوناته، وحتى عندما أعلن أحد أعرق مراكز الأبحاث الأميركية (مركز "بيو") في تقرير له أن عدد الأقليات الدينية مجتمعة في مصر لا يتجاوز 5% -وفقاً لصحيفة المصري اليوم 9/10/2009- ثارت ثائرة الكنيسة، وأقامت الدنيا ولم تقعدها، ووصلت المزايدة من قبل البعض إلى القول بأن الأقباط يمثلون 13% من سكان مصر!.. ونقول إنه حتى ولو كانوا بضع عشرات، فهذا لا يمنعهم حقاً أو يمنحهم ميزة.

ولو تتبعنا مسار مطالب الكنيسة في الفترة الأخيرة، لوجدنا أنها تنحو منحى "طائفياً" وليس "وطنيا"، كما أن خطابها قد وصل إلى مرحلة الاستعلاء والاستطالة، حيث تحول من كونه "دليلا" على الوحدة الوطنية إلى كونه "معياراً" لها.

داء ودواء
وتتعدد أسباب الاحتقان الطائفي في مصر، حيث يشتبك فيها السياسي بالاقتصادي بالاجتماعي بالثقافي، بالمتغيرات الإقليمية والدولية التي قفزت بالمحدد العقدي إلى صدارة المشهد الممتد على طول العالم وعرضه، بشكل لا يتسع معه المجال لتناولها بشكل كامل.

إلا أن السبب الرئيسي في تقديرنا يرجع إلى فشل النخبة الحاكمة في تقديم أو بلورة مشروع وطني، يصهر طاقات مختلف الفئات، ويجمع جهود كافة الطبقات، فانتهى الأمر إلى غياب الدولة في العديد من المواقف وتخليها عن القيام بواجباتها.

ففي ظل حالة اللامشروع واللاهدف التي تعم المجتمع يغيب الانتماء الأكبر والرابط الأوثق بين شرائحه المختلفة، وتحضر الانتماءات الأقل والروابط الأضيق فيما بينها، وتخفت المصلحة الجماعية لحساب علو المصالح الفردية، التي تبرز وتتصدر المشهد بشكل يصل إلى مرحلة تهديد السلم الاجتماعي، بحيث يصير المجتمع منقسماً رأسياً ومقسَّماَ أفقياً، وما نحن بصدده "طائفياً" سبق أن اندلع "مهنياً" بشكل آخر في الأزمة التي نشبت بين جناحيْ العدالة (المحامين والقضاة) منذ بضعة أشهر، وهى ليست إلا تجلياً آخر لحالة التيه العامة، وفقدان المجتمع لبوصلة تجمع شتاته، و توجهه نحو هدف واحد.

ولا يخفى على المتابع المدقق وجود تحالف بين النخبة الحاكمة والنخبة المهيمنة على مقاليد الأمور داخل الكنيسة، ومرد ذلك أن كليهما مشروع "أقلية"، الأولى تحتكر السلطة والثروة في الشأن العام، أي النخبة الحاكمة، والثانية تحتكر السلطة الدينية والزمنية في الشأن الخاص، أي المشهد القبطي، وهو ما يمنحها سلطة احتكار تمثيل عموم الأقباط، إلى جانب رغبة كلا الطرفين في الاحتفاظ بما يحتكره من سلطات إلى أطول فترة ممكنة، فمصلحتهما واحدة، وكلاهما يقترن وجوده بوجود الآخر.

وهو ما يتطلب دخول الوسط القبطي في حركة إصلاح داخلية، تتناول ضرورة التوازن بين الدور السياسي والروحي للكنيسة، وعلاقة الإكليروس القبطي بعموم الأقباط وعلاقته بالدولة، في إطار أوسع من حركة إصلاح أشمل تعم المجتمع المصري بأكمله، وإعادة صياغة العلاقة بين مختلف فئاته وطبقاته على أساس من العدل، والحرية، وسيادة القانون.

لا مناص من التراص
وبعد فلا سبيل ولا خيار، ولا بديل أمام عنصريْ الجامعة الوطنية المصرية، سوى التعايش المشترك، الذي يقود إلى المصير الواحد.. تعايش قوامه الاتحاد، والمساواة، وعماده مبدأ المواطنة، وفريضة المشاركة، وضرورة الاندماج.

فسفينة الوطن مصير ركابها واحد، إن سارت نجت ونجوا, وإن تعثرت غرقت وغرقوا. وإن خرق أحدهم خرقاً بموضعه، فلن يغرق وحده.. ولكن سيُغرق الجميع معه، لذا يتعين على الجميع الأخذ على يده، حرصا على مسار السفينة ومصيرها, فمصر تتميز بالتجانس والتمازج والتلاحم العرقي والإثني، ولن تُؤتى إلا من قِبل العبث بنسيج وحدتها الوطنية والعلاقة بين مسلميها وأقباطها.

"
لا بديل أمام عنصريْ الجامعة الوطنية المصرية، سوى التعايش المشترك، الذي يقود إلى المصير الواحد, وقوامه الاتحاد، والمساواة، وعماده مبدأ المواطنة
"

وتجدر الإشارة إلى أن إثارة الفتنة الطائفية هدف إسرائيلي قديم تجلى في العديد من المرات، أبرزها الدراسة التي وضعها الباحث الإسرائيلي عوديد ينون وقدمها إلى وزارتيْ الدفاع والخارجية الإسرائيليتين، ونُشرت في فبراير/شباط 1982، واقترح فيها تقسيم مصر إلى أربع دويلات قبطية في الشمال وعاصمتها الإسكندرية، ومسلمة عاصمتها القاهرة، ونوبية عاصمتها أسوان في الجنوب، ورابعة تحت النفوذ الإسرائيلي.

ولقد ردد عاموس يادلين رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق كلاماً مشابهاً منذ نحو شهرين.

وقديماً في أعقاب اغتيال بطرس باشا غالي 1910، كتب إسماعيل باشا صبري قصيدة رائعة تحت عنوان "نداء إلى الأقباط"، استهلها بقوله:

معشر القبط يا بني مصر في السرّ *** اء قد كنتم وفي الضراء

وواصل إلى أن قال:

خففِّوا من صياحكم ليس في مصـ***ـر لأبناء مصر من أعداء
دين عيسى فيكم ودين أخيه *** (أحمد) يأمراننا بالإخاء
ويحكم ما كذا تكون النصارى *** راقبوا الله بارئ العذراء
مصر أنتم ونحن إلا إذا قا *** مت بتفريقنا دواعي الشقاء
مصر ملك لنا إذا ما تماسكـ***ـنا وإلا فمصر للغرباء
لا تطيعوا منا ومنكم أناساً *** بذروا بيننا بذور الجفاء
لا تولوا وجوهكم شطر من عـ***ـكَّر ما في قلوبنا من صفاء
إن دين المسيح يأمر بالعر *** ف وينهى عن خطة الجهلاء
لا يكن بعضنا لبعض عدواً *** لعن الله مستبيحي العداء

نظمها إسماعيل صبري منذ قرن من الزمان موصياً ومذكراً وناصحاً.. قالها وكأنه يرى المشهد الحالي.. حفظ الله مصر من كل سوء.

المصدر : الجزيرة

التعليقات