عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوري


المعنى والمبنى
انحطاط الاستبداد
سبيل الخلاص

يكمن معنى الانتفاضة المصرية في التأكيد على رفض الشعب المصري للنظام التسلطي، وسعيه إلى الخلاص من الاستبداد، وذلك بعد أن دشن الشعب التونسي طريق الثورة ضد نظم التسلط العربية، وأطاح بالنظام التونسي، وأجبر الجنرال زين العابدين بن علي على الفرار من تونس بعد حكم دام ثلاثة وعشرين عاماً.

وتتجسد أهمية الانتفاضة المصرية في موقع وأهمية وثقل مصر على مختلف المستويات العربية والإقليمية والدولية، وبالتالي فإن الشعبين التونسي والمصري برهنا على تطلع الشعوب العربية وتوقها للديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية وسائر قيم وحقوق الإنسان، وضربا عرض الحائط بكل المقولات الثقافية التي كانت تتحدث عن "الاستثناء" أو "الاستعصاء" العربي حيال الديمقراطية وسواها، وأسالت حبراً كثيراً في الكتابة عن الخنوع والذل، بل والرضا العربي بالاستبداد والمستبدين، والاستئناس بالظلم والظالمين.

المعنى والمبنى
لعل المبنى الأهم الذي نهضت عليه الانتفاضة المصرية هو الشباب بمختلف مشاربه واهتماماته، حيث برز دور الشباب المصري بشكل لافت في صناعة أحداثها، مثلما برز دور الشباب التونسي في الثورة التونسية، الأمر الذي يؤكد مرة أخرى دور الشباب في صناعة وقيادة الثورات والأحداث والمتغيرات.

وكان للمجموعات الشبابية، وبالأخص حركة "شباب 6 أبريل"، دور هام في تنظيم المظاهرات ومختلف فعاليات الانتفاضة، مع العلم بأن هذه الحركة السياسية المعارضة ظهرت في عام 2008 في إثر الإضراب العام الذي شهدته مصر في 6 أبريل 2008 بدعوة من عمال غزل المحلة وتضامنت معهم -في ذلك الوقت- أغلب القوى السياسية المصرية.

ولا ينتمي أعضاء هذه الحركة الشبابية إلى تيار أو حزب سياسي معين، لكونها تحرص على عدم تبني إيديولوجيا معينة، وذلك كي تحافظ على التنوع والاختلاف السياسي والإيديولوجي داخلها، إقراراً من قادة شباب الحركة بالتنوع داخل الوحدة، وبما تفرضه ظروف مصر من ضرورات التوحد والائتلاف ونبذ الخلاف والتفرقة.

وقد عانى الشباب المصري، ومعه غالبية الشعب المصري، من سطوة المؤسّسات التسلطية والقمعية على مدى عقود عديدة من الزمن، فاندفعت حركتهم الغاضبة في مختلف مدن مصر -وخصوصاً القاهرة- ضد السلطة القامعة.

وكانت البداية بالدعوة إلى التظاهر والاحتجاج في يوم الثلاثاء 27/11/2011، ثم تحولت مظاهراتهم إلى حركة عارمة أطاحت بمرتكزات السلطة القمعية. ولم يتوان النظام المصري في إنزال شرطته ومخابراته إلى الشوارع لقمع الحركة الاحتجاجية، حينما شعر وللحظة درامية بأن نظامه القمعي أخذ يترنح، وأضحى على شفير الانهيار.

"
تعبر الانتفاضة المصرية عن لحظة تحوّل من منظومة سياسية وخطابية وأخلاقيّة قديمة ومحافظة، مدارها القمع والضبط والمراقبة والملاحقة، إلى منظومة جديدة أكثر انعتاقاً
"

وتعبر الانتفاضة المصرية عن لحظة تحوّل من منظومة سياسية وخطابية وأخلاقيّة قديمة ومحافظة، مدارها القمع والضبط والمراقبة والملاحقة، إلى منظومة جديدة أكثر انعتاقاً، مؤكدة ضرورة إنزال الأفكار الكلية والشمولية من عليائها وغطرستها، والتمرد على مختلف الأطر المنهجية والمقولات الحتمية والشمولية، المدعية للشرعية المطلقة في جميع المجالات، والصالحة لكل مكان وزمان.

وعليه، تقدم الانتفاضة المصرية مثالاً آخر للشعوب العربية، ولشعوب العالم التي ما زالت ترزح تحت نير التسلط والشمولية، في كيفية المواجهة السلمية، وحشد طاقات الشباب المتمكن من استخدام تقنيات التواصل في مواجهة تقنيات وأساليب القمع السلطوية، الأمر الذي سيفضي إلى انتقال تداعياتها وإرهاصاتها إلى سائر البلدان العربية التواقة إلى الانعتاق من أنظمة التسلط والعبودية.

وقد شمل الحدث المصري مستويات عديدة من نظام التسلط العربي، سياسية وقيمية، ودفع إلى واجهة الحياة العامة جيلاً جديداً من السياسيين والقادة الميدانيين، الذين قادوا المظاهرات، وشكلوا لجان الأحياء لمواجهة "البلطجية" والعابثين بأمن المصريين وممتلكاتهم وأرواحهم، لذلك لن تكون الانتفاضة المصرية مجرَد حركة احتجاج مصرية فقط، بل هي ثورة، تتوج انتفاضة مختلف فئات الشعب المصري ضد نظام حسني مبارك التسلطي وأجهزة استخباراته، ولن تتوقف إلا برحيله والخلاص من تبعاته.

ولا شك في أن صداها سينتقل إلى عدد من البلدان العربية وغير العربية، التي خاضت من قبل نضالات ضد الاستعمار وكانت تتطلع إلى الحرية والاستقلال والعدالة الاجتماعية.

انحطاط الاستبداد
يمكن القول، ببساطة، إن ما يحدث في مصر اليوم هو احتجاج ورفض من لدن قطاعات واسعة من المصريين على نظام حسني مبارك وسياساته، وتعبير عن الأزمة السياسية والاجتماعية العميقة التي وصل إليها النظام المصري، وعن انحطاط النموذج: نموذج الدولة التسلطية العربية، دولة الاستبداد والفساد والمافيات العائلية المتوحشة، حيث إن ما يجري في مصر يظهر مدى احتقان كتلة شعبية هائلة. مأزومة وقلقة. كتلة لم تجد أي تعبير سياسي مقنع لها، يمكنه أن يفتح لها في الفضاء السياسي أفقاً، ويمنح مشاركتها في الحياة العامة معنى وتأثيراً.

إنه انحطاط النظام القمعي، انحطاط الاستبداد وسقوطه، إذ لم تتمكن الأنظمة التسلطية العربية من إخضاع مختلف الأفراد والجماعات بصورة كاملة لقوانين النهب والفساد الذي مارسته على مدار عدة عقود من حكمها، فبقيت الكتل السكانية التي نجدها اليوم موزعة على هوامش المدن والضواحي، تنسكب في كل لحظة، وتفكك حواجز القياس وحدوده.

وعادة ما يبني حراك جماعات الشباب فضاءات جديدة، قد تفضي فضاءاته إلى إيجاد أماكن إقامة جديدة. لكن الحركة المستقلة عن التنظيمات والمؤسسات القائمة هي التي تحدد المكان المناسب للجماعات المتضررة من نظم الاستبداد والفساد في البلدان العربية. ذلك أن ثمة جغرافيا جديدة توجدها الجماعات البشرية المستلبة، بوصفها تمثل التدفقات الإنتاجية للأجساد، وذلك بعد أن أصبحت المدن العربية أشبه بخزانات بشرية كبرى، حيّة ومحرومة، وتشبه كثيراً قاطرات التداول والاستعمال والاستغلال.

"
كان الإقصاء والتهميش وسيلة أو عقوبة تفرضها جميع نظم التلسلط على حركات الشباب وسائر الجماعات المعارضة، لكن جماعات الشباب كانت على الدوام تخرج في كل يوم من الضباب والاضطراب
"
وتدفع الجماعات المتضررة والمهمشة الأثمان الباهظة التكاليف على صعيد المعاناة وشدة الحرمان، إضافة إلى رغبتها الشديدة في الانعتاق والتحرير، والرغبة في الوصول إلى فضاءات جديدة، تمكنها من بناء صروح جديدة للديمقراطية وللحرية وللعدالة الاجتماعية.

وكان الإقصاء والتهميش وسيلة أو عقوبة تفرضها جميع نظم التلسلط على حركات الشباب وسائر الجماعات المعارضة، لكن جماعات الشباب كانت على الدوام تخرج في كل يوم من الضباب والاضطراب لاكتساب القدرة اللازمة لتأكيد استقلاليتها، بعد أن أدمنت على التواصل الاجتماعي الذي توفره التقنيات الحديثة، وعلى التعبير عن الذات عبر أراض بالغة الاتساع ومترامية الأطراف.

سبيل الخلاص
لقد اعتادت النظم العربية على قمع الحركات المعارضة، لأنها لا تعرف حقيقة التحكم فيها، ولم يسعها إلا محاولة تجريم أولئك الذين يشكلونها، وبالتالي ليس غريباً أن تدمن هذه النظم تطبيق الأحكام العرفية وقانون الطوارئ، ونشر وحداتها العسكرية والأمنية من أجل فرض النظام على العصاة والمتمردين.

ومع ذلك فإن هذه الممارسات ما زالت بعيدة عن ملامسة التوتر والاحتقان السياسي والاجتماعي الذي يخترق الحركات العفوية لجمهور الشباب والمنتفضين. وكل الأفعال القمعية تبقى –جوهرياً- خارجية بالنسبة إليهم، والحل الوحيد هو سقوط النظام التسلطي وإشادة النظام الديمقراطي.

ومن هنا، فإن المطلوب هو الاعتراف سياسياً وحقوقياً بالواقع الموجود في البلدان العربية، أي تشييد الديمقراطية وإعطاء الجميع حقوق المواطنة الكاملة، على مختلف المستويات، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

كذلك فإن مسألة إنجاز تحول ديمقراطي بشكل سلمي، هي مسألة ملحة أيضاً، ليس فقط بالنسبة إلى مصر، بل بالنسبة إلى جميع البلدان العربية، لكونها تضمن لها مخرجاً حقيقياً وآمنا من أزمتها البنيوية الشاملة. وبقدر ما هنالك من الرغبة العارمة في ضرورة إحداث التغيير الديمقراطي، هنالك مخاوف تنتاب الشعوب العربية من أن تنزلق الأمور إلى ما لا تحمد عقباه، في ظل إصرار أنظمة التسلط على ربط البلدان التي تحكمها بمصيرها، مع أن مسألة التغيير الديمقراطي باتت تشكل العنوان الرئيسي للتغيير المطلوب، في كافة البلدان العربية الأخرى.

لذا، على الأنظمة العربية أن تعي تماماً أن ما كان محرماً من قبل قد انكسر، حيث بدأت الشعوب العربية في كسر حاجز الخوف، وبتجاوز المحرمات واجتياز الخطوط الحمر، وصارت الحاجة ملحة لحوار وطني، هدفه إيجاد القواسم المشتركة، التي تصلح لتأسيس مشروع سياسي وطني جديد، قاعدته الإجماع الوطني العام، بدلا من نهج الانفراد والاستئثار الحزبي السلطوي الذي لا يزال سائداً في حيواتنا السياسية العربية، وبالتالي فإن الأجدى هو أن تدرك الأنظمة العربية ضرورة التغيير الاختياري، وبما يتفق مع مطالب القوى الوطنية المعارضة.

ولا يزال هنالك متسع من الوقت للعمل على ترجمة هذه الضرورة إلى ممارسة، قبل أن تأتي ساعة لا ينفع معها الندم. وربما لن تنتظر القوى الحية العربية حتى تأتي ساعة الندم.

"
جميع البلدان العربية، لم تعد تتحمل ترف الخوض في تجارب جديدة قد تصيب أو تخطئ، ولم يبقَ لديها فائض في الوقت يسمح بالتردد في تأجيل الاستحقاقات والخيارات الديمقراطية "
إن تهيئة المناخ للتغيير الديمقراطي السلمي يتطلب إلغاء حالة الطوارئ والقوانين والمحاكم الاستثنائية، ويتبعه الإفراج عن كافة معتقلي الرأي والسجناء السياسيين، أولئك الذين وجهت إليهم تهماً باطلة، أو لم توجه إليهم أي تهمة، أو انتهت فترة محكومياتهم ولم يفرج عنهم.

وكذلك تشريع التعددية الحزبية والتداول السلمي للسلطة، وضمان حرية التظاهر، وعقد الاجتماعات العامة، وإلغاء كافة القوانين التي أدت إلى إيجاد حالة من الجمود والانسداد السياسي.

ولا شك في أن جميع البلدان العربية، لم تعد تتحمل ترف الخوض في تجارب جديدة قد تصيب أو تخطئ، ولم يبقَ لديها فائض في الوقت يسمح بالتردد في تأجيل الاستحقاقات والخيارات الديمقراطية، لأن أوضاعهما تدفع إلى القلق العميق بشأن المستقبل القريب. وهو أمرٌ يتحسسه كل من يهتم بالشأن العام، ويعرف تفاصيل الحياة اليومية في هذه البلدان.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك