نواف الزرو

نواف الزرو

 

القلق الصهيوني من احتمالات التغيير
مصر كتهديد وخيار هجومي
معاهدة السلام وكراهية "إسرائيل"
رياح التغيير وانقلاب الحسابات الصهيونية
 
رغم معاهدة السلام بينهما، ما تزال مصر -بوصفها أكبر وأقوى دولة عربية- تحتل قمة الأجندة الإستراتيجية والأمنية للدولة الصهيونية التي ترى في مصر مفتاح الأمن والاستقرار الإستراتيجي بالنسبة لإسرائيل في المنطقة، إذا ما دامت واستتبت معاهدة السلام وحالة التطبيع الرسمي بين البلدين، وإذا ما استمر حكم الرئيس مبارك، ولكنها كذلك مفتاح الحرب وعدم الاستقرار في المنطقة برمتها، بل إنها تشكل التهديد الإستراتيجي الحقيقي لإسرائيل، إذا ما طرأ أي تغيير على النظام السياسي المصري وسياساته تجاه إسرائيل.

ولذلك فإن أي تحركات أو اضطرابات أو مؤشرات باتجاه تغيير النظام السياسي، أو باتجاه تحطيم وإلغاء "معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية"،  تشعل الضوء الأحمر لدى الإدارتين الصهيونية والأميركية معا، وفي ذلك هناك الكثير من الأدبيات الصهيونية التي تتحدث عن "مصر في الإستراتيجية الصهيونية سلما وحربا".

"
أي تحركات أو اضطرابات أو مؤشرات باتجاه تغيير النظام السياسي أو باتجاه تحطيم وإلغاء معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ستشعل الضوء الأحمر لدى الإدارتين الصهيونية والأميركية
"
القلق الصهيوني من احتمالات التغيير
ولذلك ورغم قلقها من الثورة التونسية وتداعياتها على الأوضاع العربية بوصفها قد تشكل إلهاما ونموذجا لتغيير الأنظمة السياسية العربية، فإن المؤسسة الصهيونية تقلق أكثر مما يجري في مصر، بل ربما لا يثير القلق الإستراتيجي الصهيوني أي تغيير في منطقة الشرق الأوسط كما تثيرها احتمالات التغيير السياسي لدى جارتها الجنوبية.

وعلى قدر ومنسوب الفرح والتطلع الشعبي العربي نحو التغيير في السياسات المصرية والعربية تجاه الصراع مع المشروع الصهيوني، يأتي منسوب الترقب والقلق الصهيوني.

فها هو رئيس شعبة الاستخبارات الأسبق الجنرال احتياط شلومو غازيت يعبر عن القلق البالغ من احتمال التغيير في مصر حينما كتب مبكرا في صحيفة معاريف (12/1/2010) تحت عنوان "خروج مصر"، قائلا "بالفعل، النظام المعتدل لمبارك مهدد ومن شأنه أن ينهار في كل الأحوال، ولكننا في إسرائيل ملزمون بأن نفهم الخطر الأكبر الذي يحدق بالنظام وبالدولة المصرية وبالهدوء والاستقرار الإقليميين، ولنحذر أن نجلب هذا الخطر على رأسنا".

كما أن رئيس الشاباك ووزير الأمن الداخلي الإسرائيلي سابقا آفي ديختر كان قد أطر الرؤية الإستراتيجية الصهيونية تجاه مصر في محاضرة ألقاها يوم 4 سبتمبر/أيلول 2008 في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي قائلا:
- إن انسحاب مصر من اتفاقية السلام وعودتها إلى خط المواجهة خط أحمر.
- من مصلحة إسرائيل الحفاظ على الوضع الراهن في مصر، وأكدا أن "عيوننا وعيون الولايات المتحدة ترصد وتراقب بل وتتدخل من أجل كبح مثل هذه السيناريوهات".

واستتباعا، وفي ضوء التطورات الدرامية الجارية في مصر، فقد بات واضحا أن كل عيون العالم -بما فيها عيون إسرائيل- تتابع بقلق، لأن مصر دولة كبيرة وقوية وهامة جدا وذات تأثير هائل في العالم العربي، وما يجري في مصر -بالتوازي مع ما يجري في لبنان وتونس- يثير القلق لدى الآخرين المتربصين أكثر من أي وقت مضى، فهذه هي المرة الأولى التي ينزل فيها -ربما- مئات الآلاف من المواطنين معظمهم من الشباب إلى الشارع في موجات بدأت عفوية لكنها تحولت إلى منسقة عبر الشبكات الاجتماعية والإنترنت. وتعلق المصادر الصهيونية على ذلك بالقول "ينبغي الانتظار لرؤية ما إذا كانت المظاهرات ستخبو في الأيام القريبة المقبلة أم ستشتعل من جديد".

حينما تقول الخارجية الإسرائيلية إنها تتابع الأحداث بيقظة ودقة شديدة، وتقول مصادر صهيونية أخرى "نتابع بتحفز الأوضاع في مصر ونثق في مبارك"، مضيفة "إنها تقدر بأن سلطات القاهرة قوية بما فيه الكفاية كي تجتاز الهزة بسلام، وإن مصر ليست لبنان وليست تونس" (معاريف يوم 2011/1/26)، فإن ذلك لا يعبر فقط عن موقف إسرائيلي روتيني  تجاه الأحداث، وإنما يعكس عمق القلق والتوتر والاستنفار الإسرائيلي  من تداعياتها.

وحينما يعلق وزير الصناعة والتجارة الإسرائيلي الجنرال احتياط بنيامين بن إليعازر بأن الأحداث الجارية في مصر لا تشكل تهديدا حقيقيا للنظام المصري بقيادة الرئيس مبارك، و"أن لا خوف على استقرار النظام المصري لأنه قوي ويحكم سيطرته بقوة على البلاد"، فإن هذا الجنرال إنما يعبر عن رغبته وأمنيته -مثل المؤسسة الصهيونية برمتها- في أن تنتهي الأحداث بالقمع المطلق والسيطرة المطلقة عليها لأنهم يخشون أن تتحول إلى تسونامي يقتلع النظام ومعاهداته وتحالفاته في المنطقة.

لعل أخشى ما تخشاه المؤسسة الصهيونية أن تكون "أيام الغضب" المصري تحمل في أحشائها وأجندتها الخفية أيام غضب على الدولة الصهيونية.

"
لا تفصل الدولة الصهيونية بين اعتبارها مصر تهديدا وخيارا هجوميا محتملا، وبين تقييمها وقراءاتها المتشائمة لمعاهدة السلام بين الدولتين، إذ تعتبر أن الشعب المصري بكافة قواه السياسية الحية يرفضها
"
مصر كتهديد وخيار هجومي
العيون الصهيونية الأميركية المتابعة والمترصدة للداخل المصري والحريصة على الحفاظ على الوضع الراهن هناك -بمعنى ترسيخ وتثبيت النظام السياسي المصري- تتصل كذلك بالرؤية الإستراتيجية الصهيونية التي تعتبر أن مصر ما تزال تشكل بالنسبة لهم "تهديدا وخيارا هجوميا" في أي لحظة تغيير على الخارطة السياسية المصرية.

وفي هذا البعد، وبينما كان الجميع على سبيل المثال مشغولين آنذاك بتفاصيل الغارة العدوانية التي شنها الطيران الصهيوني على سوريا يوم 6 سبتمبر/أيلول 2007، كانت إسرائيل تركز أنظارها على سيناء المصرية حيث اختتمت مناورة عسكرية مصرية ضخمة استغرقت خمسة أيام تدربت خلالها قوات برية وجوية من الجيش المصري على اجتياز قناة السويس مثلما حدث في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973.

واعتبرت وسائل الإعلام العبرية هذا الموضوع مؤشرا على أن مصر ما زالت تبقي على الخيار الهجومي وربما التهيؤ لاحتمال إلغاء معاهدة السلام في ظل تطورات إقليمية معينة. وقدر خبراء بأن الجيش المصري أجرى مناوراته العسكرية وفق عدة سيناريوهات، أحدها إنهاء السلام مع إسرائيل، واجتياح متجدد من الجيش الإسرائيلي لسيناء في ظل الهجوم على أهداف في مصر.

لذلك نقول إن تلك التحذيرات التي أطلقها جنرالات الجيش الإسرائيلي واعتبروا فيها أن المناورات العسكرية التي أجراها الجيش المصري عند قناة السويس تشير إلى أن مصر تحتفظ بخيار الحرب ضد إسرائيل، لم تكن إلا تعبيرا عن الرؤية الإسرائيلية الجذرية لمكانة مصر ودورها المركزي السابق والمحتمل في الإطار العربي والشرق أوسطي، ولم تكن كذلك إلا مؤشرا للأجندة الصهيونية الخفية تجاه مصر، فقد كان واردا في حساباتهم احتمال حدوث تغيرات درامية مثل استبدال النظام في مصر واستبداله بتظام إسلامي أو قومي عروبي آخر.

وكأننا هنا أمام سيناريوهات حربية استعدادية بين دولتين متحاربتين وليس بين دولتين بينهما معاهدة سلام. كما أن جنرالات الجيش الصهيوني يحملوننا هنا عبر تلك التقديرات العسكرية الإستراتيجية إلى ذلك العهد العدائي بين الدولتين..!

 
معاهدة السلام وكراهية إسرائيل
ولا تفصل الدولة الصهيونية بين اعتبارها مصر تهديدا وخيارا هجوميا محتملا، وبين تقييمها وقراءاتها المتشائمة لمعاهدة السلام بين الدولتين، إذ تعتبر أن الشعب المصري بكافة قواه السياسية الحية يرفضها، مما قد يترتب عليه انقلابات في الحسابات والموازين الإستراتيجية في أي وقت.

وفي صميم المعاهدة وملف السلام بين الدولتين وخيبة الأمل الصهيونية منها، كتبت أميرة أورن في هآرتس عن الرؤية الصهيونية لطبيعة السلام القائم بين الدولتين، وقالت "بعد حسني مبارك سيكون عداء مصر المخفي أكثر وضوحاً وأكثر نشاطاً"، وأضافت "تشير استطلاعات الرأي العام في مصر أنها الدولة العربية الأكبر وذات الجيش الأقوى والأكثر تطوراً إلا أنها الأشد عداء لإسرائيل وللولايات المتحدة والغرب. وليس الحديث هنا عن نزعات عابرة، فالمعطيات قاطعة ومذهلة كتيار جار من المعتقدات والآراء المسبقة".
 
وتابعت أورن "يهدد المرجل الذي يغلي تحت النظام بالإطاحة بالغطاء ومعه السلام مع إسرائيل، والنتيجة ستكون توترا أمنيا لن يتصاعد فوراً أو بالضرورة إلى حرب جديدة -هي السادسة بين إسرائيل ومصر- إلا أن سلاماً عميقاً وواسعاً أكثر مما هو عليه الوضع في الحدود الجنوبية الغربية، لن يكون".

وبدوره كتب جلعاد شارون في هآرتس يقول "إن كراهية إسرائيل في مصر ليست مقتصرة على الشعب، فالصحافة والرسومات الكاريكاتيرية اللاسامية التي تنشر في مصر، وكذلك التعليم في المدارس، تُعبر كلها أيضا عن الكراهية".
ويتساءل جلعاد "فما الذي يغذي هذه الكراهية؟"، ويجيب "من المحتمل أن لا يكون المصريون قد سلموا بحقنا في العيش هنا بأمان، وإلا من الصعب تفسير كونهم دائما ألد أعداء إسرائيل في الجامعة العربية وفي الأمم المتحدة، أو ذلك الضغط الذي يمارسونه على الدول الإسلامية حتى لا تقيم العلاقات مع إسرائيل، ومن الصعب تفسير تسلحهم العسكري، فدولة من دون أعداء مع مشاكل داخلية صعبة، ليست بحاجة إلى مثل هذا الجيش، فلماذا يتدرب الجيش المصري على أساليب هجومية ضد إسرائيل؟".
 
"
بقدر ما تقلق المؤسسة الأمنية والسياسية الصهيونية ومعها الإدارة الأميركية من التطورات في مصر، بقدر ما يجب أن يبعث ذلك على الاقتناع بأن البوصلة الشعبية المصرية تسير في الاتجاه الصحيح
"
رياح التغيير وانقلاب الحسابات الصهيونية
الواضح الملموس اليوم أن مسار الأحداث في الشارع المصري يؤشر على أن الشعب بات يجمع إلى حد كبير على التغيير السياسي الإستراتيجي، إنْ للأسباب المتعلقة بحالة الفقر والبطالة والجوع، وإن للأسباب السياسية الاجتماعية المتعلقة بالديمقراطية والحريات العامة، وإن للأسباب السياسية الإستراتيجية المتعلقة بمكانة وكرامة ودور مصر العروبي والإقليمي.

ولكل ذلك، وبقدر ما تقلق المؤسسة الأمنية والسياسية الصهيونية ومعها الإدارة الأميركية من التطورات الدرامية -التسونامية المحتملة- في مصر، بقدر ما يجب أن يبعث ذلك على الاقتناع بأن البوصلة الشعبية المصرية تسير في الاتجاه الصحيح.

فحسب الكاتب الصحفي روبرت فيسك في ذي إندبندنت البريطانية، يبدو مستقبل حسني مبارك أكثر سوءاً. وليس ابن حسني هو الرجل الذي يريده المصريون، فهو رجل أعمال خفيف الوزن قد يكون أو لا يكون قادرا على إنقاذ مصر من فسادها. وقائد جهاز الأمن لدى مبارك، عمر سليمان مريض جدا وقد لا يكون الرجل المطلوب أيضا.
 
ويختتم فيسك "وفي هذا الوقت وعبر كل الشرق الأوسط، ننتظر لنرى سقوط أصدقاء أميركا، ففي مصر لا بد أن مبارك يتساءل إلى أين سيسافر؟ وفي لبنان أصدقاء أميركا في انهيار، ولا ندري ما الذي سيأتي بعد ذلك.. قد يكون التاريخ هو الوحيد القادر على الإجابة عن هذا السؤال".

وهكذا نرى أن أحداث مصر في الرؤية الإستراتيجية الصهيونية وتحت كل العناوين المشار إليها أعلاه، تثير قلق المؤسسة الصهيونية، فلا السلام والتطبيع على ما يرام، ولا النظام مستقر وآمن كما ترغب تلك المؤسسة، ولا الجيش المصري ضعيف ومتفكك أو لا يشكل تهديدا وخيارا هجوميا كما تريد، وكذلك الشارع المصري الذي لا يعترف بثقافتهم السلامية بل ويلفظها باحتقار، مما يحمل في الأحشاء احتمالية انقلاب كل الحسابات الصهيونية ومعها الأميركية في الأفق القريب، فهذا النظام -الرئيس- الكنز الإستراتيجي لإسرائيل -كما وصفه بن إليعازر- بات في مهب أيام الغضب المصرية ورياح التغيير العاصفة التي أخذت تهب على ال
عالم العربي متطلعة إلى بزوغ فجر يوم جديد على الأمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك