سهيل الغنوشي

سهيل الغنوشي

سهيل الغنوشي

 


بعد تسعة عقود من النضال من أجل التحرر من الاستعمار ثم من النظام الذي ورثه تخللتها "هدنة" تلت الاستقلال ودامت حوالي عقدين انتظر التونسيون خلالها ولادة دولة الحرية والعدالة والقانون والمؤسسات، فاصطدمت تطلعاتهم ونضالاتهم بنظام الحزب الواحد والفرد الصنم.

وبعد أربعة أسابيع من الانتفاضة التي بدأت احتجاجية اجتماعية وتطورت لتصبح سياسية تطالب برحيل الدكتاتور، فتم ذلك بسرعة فاقت كل التوقعات نتيجة إصرار الشعب وتدخل الجيش.

وبعد أسبوع من رحيل الدكتاتور تهاوى خلاله النظام والحزب الحاكمين، وتحققت خلاله حزمة من المطالب التي ناضلت من أجلها أجيال من التونسيين على مدى عقود من الزمن.

"
الوضع في تونس يكتنفه الغموض وتمسك به العديد من الأطراف الداخلية والخارجية, وهو مفتوح على كل الاحتمالات ليس واحدا منها عودة نظام الحزب الواحد والفرد الواحد
"
بعد كل ذلك الذي تم بصورة عفوية وفي غياب قيادة وتأطير، وجد التونسيون أنفسهم في وضع غريب اختلطت فيه نشوة الانتصار مع الحذر والترقب لأحداث اليوم التالي: ما الذي يمكن أن يحدث وما الذي ينبغي فعله، خاصة مع ارتباك النخبة –التي لا تزال تحت وطأة المفاجأة– وانقطاعها عن الشارع ، وحيرتها واختلافها في تقدير الموقف وتحديد المسار والأولويات، وعجزها عن –أو ترددها في– الالتحام بالجماهير من أجل قيادة مرحلة العبور نحو التحول الديمقراطي.

الوضع في تونس يكتنفه الغموض وتمسك به العديد من الأطراف الداخلية والخارجية وبالتالي فهو مفتوح على كل الاحتمالات ليس واحدا منها عودة نظام الحزب الواحد والفرد الواحد وتعافي حزب الدستور الذي تلقى ضربة في مقتل وهو في حالة موت سريري.

في ضوء موقف الجيش وما رشح من معلومات حول تحركه لإجلاء الدكتاتور بطريقة هي أقرب للانقلاب، لا بد أن نتساءل عن الجهة الفعلية التي تدير البلاد، خاصة وأن الطريقة التي تدار بها البلاد منذ سقوط بن علي لا توحي بأن الرئيس المؤقت ورئيس الحكومة المكلف هما القادة الفعليون للبلاد.

وإذا كانت الحكومة المؤقتة هي ستار بين الجماهير والقيادة الفعلية للبلاد (تحديدا الجيش)، فهل من المصلحة إسقاطها وإزالة هذا الستار مهما كان مرقعا، خاصة في ظل القرارات والإجراءات المتخذة، والذي يتفق الجميع على أنها لبت جل مطالب المجتمع المدني، وأوجدت ديناميكية جديدة عززت عملية قطع خط الرجعة.

تشكيلة الحكومة جاءت دون المأمول، واستفزت الشعب باستبعادها لبعض الأطراف وإبقائها على عناصر من الحكومة السابقة في وزارات مهمة، فاستمر الشعب في تظاهره –وحق له ذلك– للمطالبة بحل التجمع الدستوري وحل الحكومة المؤقتة، وكل ذلك معقول ومفهوم ومقدر ومشروع. ولكن هل هذا هو واجب الوقت الذي يتوقف عليه بناء المستقبل وبالتالي يصرف فيه كل المخزون النضالي دون غيره ودون ادخار جزء من المخزون لما هو آت؟

إن نجاح أي تغيير يستوجب خوض المعركة المناسبة في الوقت المناسب وبالوسائل المناسبة، والتوقيت مسألة حيوية جدا وعامل حاسم في النجاح والفشل، وبالتالي لا بد من تجنب كل المطبات المتعلقة بالتوقيت وعلى رأسها خوض معركة قبل أو بعد أوانها أو السكون المبكر قبل نهاية المعركة، أو الاستمرار في خوض معركة بعد أن حسمت، وبالتالي استوجب الانتقال إلى ساحة أخرى أو معركة أخرى.

وتجنب كل هذه المطبات هو مسؤولية النخبة حتى وإن لم تكن في قيادة المرحلة الأولى من التغيير كما حدث في تونس. ولكن أداء النخب العربية والإسلامية في هذا المجال لا يطمئن.

فكثيرة هي المرات التي أساءت فيها النخبة تقدير التوقيت، أو فشلت في استثمار هبات شعوبها واستشراف المرحلة اللاحقة وقيادة الجماهير نحوها، بل إن الجماهير كثيرا ما فاجأت النخبة وسبقتها.

وفي تقديري فإن أحد الأسباب الرئيسية في نجاح حزب العدالة والتنمية في تركيا في إحداث تغييرات جذرية ومتلاحقة في تركيا يتمثل في إتقان لعبة التوقيت، والانتقال السلس من أي معركة فور نهايتها إلى التي تليها مما أربك خصومهم ففقدوا توازنهم وعجزوا على مواكبة الخطوات المتلاحقة. ولكنها كانت خطوات مدروسة ومتصلة أنجزت بمستوى عال من الكفاءة والانضباط.

ففي يوم النجاح في تمرير التعديلات الدستورية في تركيا أعلن رجب طيب أردوغان أن تركيا قد كبرت على الدستور الحالي وأنها بحاجة إلى دستور جديد. لم يكن ذلك شعارا ولا خطابة ولكن خطوة لاحقة طبيعية يسمح موقعه وإمكاناته وظرفه بالشروع في تنفيذها فورا.

وانتفاضة تونس المباركة والمبتكرة، برغم عفويتها وافتقادها لقيادة موحدة، تجنبت المطبات الثلاثة الأولى المتعلقة بالتوقيت. فالانهيار السريع للنظام أكد أن التوقيت كان مثاليا، والشعب لم يسكن حتى بعد انهيار الحزب الحاكم وتشكيل حكومة مؤقتة ومتنوعة أعلنت عن برنامج لبى مطالب الشعب ونفذت جزءا مهما منه في ظرف أسبوع وفي اجتماعها الأول، وذلك تحت ضغط الشارع وضغط النخبة المشاركة وغير المشاركة في الحكومة.

بقي المطب الأخير والذي ينبغي تجنبه: الاستمرار في خوض معركة بعد أن حسمت أو خوض المعركة التي تليها بنفس أسلوب المعركة السابق أو وسائلها.

"
الحزب الحاكم انفرط عقده وأصبح من الماضي ولم يعد يستحق أن يصرف نحوه إلا الشيء اليسير من الرصيد النضالي على سبيل اليقظة وليس على سبيل المطالبة بحله، خاصة وأنه لم يبق فيه ما يحل أصلا
"
فما ابتكره ووظفه شباب الانتفاضة من وسائل للاحتجاج على النظام السابق والإطاحة به قد لا يجدي كثيرا في إدارة المرحلة الانتقالية نحو التحول الديمقراطي. فالأولى معركة الشارع والعاطفة بينما الثانية معركة النخبة والحكمة، وتقتضي التفاعل السريع والناجع مع التطورات السريعة والمتلاحقة وتوجيه الشارع نحو المعركة القادمة بالتوازي مع الاستمرار في الضغط على الحكومة المؤقتة للتعجيل في تنفيذ البرنامج المعلن وتحسين تركيبتها دون السعي إلى إسقاطها.

أما الحزب الحاكم فقد انفرط عقده وأصبح من الماضي ولم يعد يستحق أن يصرف نحوه إلا الشيء اليسير من الرصيد النضالي على سبيل اليقظة وليس على سبيل المطالبة بحله، خاصة وأنه لم يبق فيه ما يحل أصلا.

بناء على كل ما تقدم وفي ظل المخاطر التي تترصد لانتفاضة تونس، أعتقد أن المعركة المصيرية التي ينبغي أن تركز عليها النخبة وأن يوجه نحوها الحراك والزخم والغضب الشعبي هي معركة الانتخابات الكفيلة بتحقيق المطالب الآنية وإنهاء المرحلة الانتقالية والتمهيد للتحول الديمقراطي.

فتونس بحاجة إلى دستور جديد لا يمكن أن يصيغه إلا مجلس منتخب. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. الآن وقد رفع الحظر على الأحزاب والجمعيات ووسائل الإعلام وصدر العفو التشريعي العام وخلا الميدان من التجمع، ينبغي أن ينصب تركيز النخبة وزخم الشارع على الانتخابات ومستلزماتها، فيصبح مطلب الشارع الرئيسي تشكيل لجنة للانتخابات لا مساومة فيها على نزاهة الأعضاء ووطنيتهم واستقلاليتهم وعدم ارتباطهم من قريب ولا من بعيد بالعهد البائد حزبا ونظاما.

ومن ثم إعداد قانون انتخابي جديد يؤسس لانتخابات حرة ونزيهة لا تقصي أحدا. كما ينبغي أن تنطلق الأحزاب –خاصة التي كانت محظورة سابقا– في عملها العلني والقانوني وإقامة مؤتمراتها وتأسيس فروعها ومقراتها، والشروع في العملية الانتخابية بما تتطلبه من حملات وبرامج واختيار مرشحين...، وتأطير الزخم الشعبي في العملية الانتخابية.

وفي هذا الإطار أعتقد أن الدكتور منصف المرزوقي أصاب مقتلا بعودته وإعلان عزمه الترشح للرئاسة، وجولته في البلاد التي كانت حملة انتخابية بامتياز، واعتباره أن "المسألة الأكثر أهمية في هذا التوقيت هي وجود انتخابات حرة ونزيهة وتوفير الحرية للجميع للترشح" في الوقت الذي ما زال يطالب فيه بتشكيل حكومة إنقاذ وطني دون أن يتوقف عند هذا المطلب أو يجعل منه الشغل الشاغل.

وفي الوقت الذي ما زال غيره متوقفا عند نقطة تشكيل الحكومة مستبعدين إمكانية القيام بأي خطوة قبل إسقاطها واستبدالها بحكومة أخرى وبتشكيل مجلس تأسيسي لا يعلم كيفية تشكيله وممارسته لمهامه وصياغته لدستور جديد بل وشرعيته من دون أن يكون منتخبا.

وربما تساءل البعض كيف يمكن أن نثق في هذه الحكومة؟ كيف يمكن أن تجرى انتخابات نزيهة في ظلها؟ وتلك أسئلة وجيهة جدا إذا كانت تونس اليوم تحكم بنفس المعادلة: دكتاتور وعصابة وحزب واحد مهيمن وأجهزة أمنية فتاكة. ولكن تونس اليوم تحكم بمعادلة مختلفة جدا قوامها شعب يقظ ومعبأ وواع، وجيش وطني منحاز إلى الشعب ولا تملك جهة أن توظفه لصالحها، وحكومة على علاتها فيها حضور معقول مراقب وضاغط من المعارضين والمستقلين، وأحزاب وجمعيات رفع الحظر عليها، وإعلام متحرر، مع تفكك أجهزة الحكم السابقة من حزب وأجهزة أمنية وعصابة السراق فلماذا كل هذا التخوف من نمر ورقي.

فالمسألة ليست مسألة ثقة لأننا بصدد الحديث في السياسة وليس في العلاقات الاجتماعية، ثم إن الثقة غير مطلوبة لأننا بصدد حكومة –أو بالأحرى أعضاء في الحكومة– لا يملكون لا سلطة مطلقة ولا حتى سلطة كافية يفرضون بها إرادتهم على الشعب، والقرارات كما الخطابات والتراجاعات خلال الأسبوع الأخير تثبت ذلك، وإذا كان الجيش لم يستجب لأمر بن علي فهل سيستجيب لرئيس حكومة مؤقت؟ فما حقيقة السلطة التي تملكها حكومة لا تستطيع أن تعتمد على أو تلجأ إلى القوة الخشنة؟

فلماذا صرف الجهد في المعركة المنتهية والانشغال عن المعارك الحقيقية. صحيح أن أي مقارنة مع التجربة التركية لا بد ألا تغفل الفوارق، ولكني لا أعتقد أن حزب العدالة والتنمية أنجز ما أنجز في ظروف أحسن بكثير من ظروف تونس اليوم في ظل هذه الحكومة الانتقالية، بل وربما كانت الظروف التي عمل فيها الأتراك أسوأ من هذه في ظل سيطرة خصومهم على مفاصل الدولة كالجيش والقضاء ومجلس الأمن القومي.

إنها الرؤية الثاقبة والحكمة والانضباط وإتقان مسألة التوقيت بخوض المعركة المناسبة في الوقت المناسب وبالوسائل المناسبة، والانتقال السلس من معركة إلى الأخرى دون توقف أو تردد، من أجل تحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل التكاليف والتضحيات.

"
كما تحقق الكثير من المطالب السياسية بانهيار الحزب وتفكيك الأجهزة الأمنية الخاصة, نتمنى أن ينتقل الشارع والنخبة فورا إلى معركة الانتخابات التي تبقي على التعبئة والضغط ولكن مع التقدم في مسار التحول الديمقراطي
"
لقد تحول شعار انتفاضة تونس من اجتماعي يطالب بالتشغيل وتحسين الأوضاع الاجتماعية ويندد بنهب المال العام وغياب العدالة بين الجهات، إلى سياسي يطالب أولا برحيل الدكتاتور ثم يضغط لتفكيك منظومة الحكم البائد، وقد تحقق الكثير من المطالب السياسية بانهيار الحزب وتفكيك الأجهزة الأمنية الخاصة وبحزمة القرارات الجريئة التي اتخذتها ونفذتها الحكومة المؤقتة.

كما تحقق كل ذلك أرجو أن ينتقل الشارع والنخبة فورا إلى معركة الانتخابات التي تبقي على التعبئة والضغط ولكن مع التقدم في مسار التحول الديمقراطي.

ويزداد التحول إلى معركة الانتخابات أهمية نظرا لأننا بصدد مرحلة انتقالية وديمقراطية وليدة وانتخابات هي الأولى من نوعها وأحزاب وجمعيات كثيرة ستستأنف نشاطها أو تولد من جديد، وغياب للبنية التحتية الديمقراطية، وبالتالي فنحن مقدمون على مخاض عسير سيحتاج إلى كثير من المشاورات والتوافقات، وبالتالي إلى كثير من الوقت كما ستحتاج الانتخابات إلى كثير من التعبئة لضمان سلامتها ومنع انحرافها. فإلى الانتخابات يا شعب تونس ونخبها.

ولتكن الانتخابات هي المعركة الفاصلة التي تقطع بها الصلة مع الماضي نهائيا، ويؤسس بها لدولة الحرية والعدالة والكرامة والتنمية، المحكومة بالقانون والمؤسسات والخاضعة لإرادة الشعب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك