: أوباما عدو العرب والمسلمين الكاتب: منير شفيق (الجزيرة)



ينبغي للمرء أن يكون قوي الذاكرة في تقدير الموقف السياسي إذا أراد أن يتعلم من أخطائه. أما بالنسبة إلى من يؤمن بقيم مثل الأمانة والنزاهة والضمير فإن ذلك يشكل سببا آخر ليكون قوي الذاكرة ليعترف بأنه أخطأ.

المثل الذي يمكن أن يضرب هنا هو تقدير الموقف السياسي الذي تشكل حول الرئيس الأميركي باراك أوباما أثناء حملته الانتخابية وبعد انتخابه المدوي رئيسا للولايات المتحدة الأميركية.

"
البعض صدّق وعود أوباما رغم أنها كانت تحمل التباساً لمن يتمعّن فيها جيداً، والبعض غلّب أمانيه حين جمع بين تصديق الوعود واسم والده المسلم
"

على كل من رحب بما اعتبره تغييرا إيجابيا في وصول أوباما إلى سدة الرئاسة. وذلك بالاستناد أولا إلى ما قدمه من وعود بتصحيح السياسات الأميركية إزاء فلسطين والعرب والمسلمين، وثانيا ظنّ البعض أن انحداره من أب مسلم اسمه حسين لا بدّ من أن يترك في قلبه أثراً في الموقف من الإسلام والمسلمين.

من هنا انهال الترحيب به من قِبَل عدد من السياسيين والمفكرين والعلماء. وقد عُبِّر عن ذلك من خلال تصريحات إيجابية، أو رسائل مفتوحة وُجهت إليه، ونُشِرت لتصل إلى الأمّة.

البعض هنا صدّق وعود أوباما رغم أنها كانت تحمل التباساً لمن يتمعّن فيها جيداً، والبعض غلّب أمانيه حين جمع بين تصديق الوعود واسم والده المسلم (حتى قال أحدهم إن أوباما له شقيق لا يخرج من المسجد إيماناً واحتساباً).

ولعلّ أكثر من رحّب به ظنّ أن ذلك سيشجعه على تغيير السياسات الأميركية فعلاً. وقد يفسّر البعض موقفه بأنه إظهار حسن نيّة وإيجابية إذا كان ممن مانعوا أميركا وصادموها حتى لا يُقال إنه سلبي بالمطلق إزاءها.

أما القلة من الذين لم يأملوا به خيراً، بل قدّروا أنه سيكون من أسوأ رؤساء أميركا فقد استندوا إلى أمر أساسي، وهو كون أوباما جزءاً من المؤسسة الأميركية ومن أشدّ المخلصين لها وإلا ما كان له أصلاً أن يترشح للرئاسة بسبب لونه ووالده. فالمؤسّسة هنا ليست سائبة ولا غافلة. الأمر الذي يوجب رفع مستوى الحذر منه وليس العكس.

بالنسبة إلى وعود المرشحين للرئاسة فهي في الغالب لا يُبنى عليها من جهة، وكان يجب أن يقرأ، من جهة أخرى، خطابه الذي ألقاه في منظمة الـ"إيباك" التي تمثل العمود الفقري لما يسمّى اللوبي اليهودي الأميركي ليتأكد من أنه إزاء مُتصَهين حتى العظم.

على أن الحكم الفيصل في صحة تقدير للموقف، أو في خطئه، يرجع إلى التجربة العملية والممارسة والنتائج.. فأمامنا تجربة سنتين من السياسات الأميركية في عهد أوباما. وقد جاءت بالحكم القاطع الذي لا يقبل الشك في أن أوباما من أسوأ الرؤساء الأميركيين عداوة للعرب والمسلمين، وموقفا صهيونيا من قضية فلسطين، بمن فيهم جورج دبليو بوش نفسه.

"
بعد تجربة سنتين من السياسات الأميركية في عهد أوباما جاء الحكم القاطع الذي لا يقبل الشك في أن أوباما من أسوأ الرؤساء الأميركيين عداوة للعرب والمسلمين
"

فمنذ البداية وسع الحرب العدوانية على أفغانستان وامتدّ بها أكثر مما فعل سلفه إلى باكستان. فباكستان أصبحت في عهده أمام خطر عظيم تقسيماً وحرباً أهلية وسقوطاً لضحايا مدنيين.

وفي العراق سار على نهج سلفه من حيث تكريسه لتجزئته وسعيه للسيطرة على حكومته وفعله العسكري وما يرتكب من جرائم في السجون التابعة لقوات الاحتلال.

وبالنسبة إلى فلسطين فقد صرّح بأن "فلسطين التاريخية هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي". وصرّح نائبه جوزيف بايدن بأن "إسرائيل صنعت من الصحراء أعجوبة". وبهذا يكون أوباما أول رئيس أميركي أنكر أصل الحق الفلسطيني والعربي والإسلامي التاريخي في فلسطين. ويكون نائبه أكد الرواية القائلة إن فلسطين كانت صحراء بلا شعب حين استوطنها المهاجرون اليهود تحت حراب الاستعمار البريطاني. وأقاموا فيها دولة واصطنعوا مجتمعاً وشعباً. ثم أضف أن اعتبار "دولة إسرائيل يهودية" بمعنى أنها لليهود فقط أصبحت سياسة رسمية ثابتة للإدارة الأميركية في عهد أوباما.

والأخطر من ناحية عملية ذهاب إدارته بعيداً في تكريس الاتفاق الأمني الأميركي-الإسرائيلي في السيطرة على الضفة الغربية وقمع المقاومة والشعب فيها. وقد أكمل هذا الخط بعقد اتفاق أمني مع شركة تابعة لمجموعة شركات "بلاك ووتر" لإحكام السيطرة الأمنية على الضفة الغربية. وهي مجموعة من المرتزقة المحترفين في القتل وممارسة كل محظور لا يجرؤ عليه جيش الاحتلال. فإدارة أوباما بهذا أصبحت شريكا، ولو من الدرجة الثانية، في احتلال الضفة الغربية.

أما من يُراجع سياسات إدارة أوباما في الأسابيع الأخيرة من العام الفائت والأسبوعين الأولين من العام الجاري 2011 فسوف يجد أمامه في أوباما عدوا خطيرا للعرب والمسلمين كذلك.

ففي السودان كان أوباما عرّاب فصل الجنوب عن الشمال. وأرسل فوراً مبعوثاً خاصاً لدارفور تمهيداً لبدء إستراتيجية تقسيم شمالي السودان إلى عدة دول. ومن ثم ليصعد من هناك إلى مصر بمخططات التجزئة والفتنة. وقد جاء الاعتداء الإجرامي المشبوه على كنيسة القديسيْن في الإسكندرية ليفرغ أوباما وإدارته ما في الجعبة الأميركية من إثارة للفتنة بين المسيحيين والمسلمين في مصر كما فعل في العراق تعليقا على ما ارتكب من جرائم بحق المسيحيين بقصد تهجيرهم.

وفي الأسبوع نفسه توجهت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إلى اليمن لتضغط باتجاه تبني سياسات تؤدّي إلى تفجيره من الداخل وصولاً إلى صوملته.

"
على من رحبوا بأوباما  أن يصحّحوا تقدير موقفهم على ضوء ما تكشف عنه من صهيونية في فلسطين وعداوة للعرب والمسلمين, وهذا لا يكون إلا بإدانة أوباما وإدارته 
"

وفي الأسبوع نفسه أيضاً مارست الوزيرة كلينتون الضغوط على العاهل السعودي الملك عبد الله ليتراجع عن المبادرة السعودية-السورية التي استهدفت تجنيب لبنان الفتنة الداخلية مقابل ما يستهدفه القرار الاتهامي الذي تستعد المحكمة الدولية المأمورة أميركياً لإطلاقه، فأوباما هنا عمل على إدخال لبنان في أزمة سياسية وفتنة داخلية واضطراب شديد خدمة للسياسات الصهيونية بعد أن فشلت في عدوان يوليو/تموز 2006 فشلاً ذريعاً، وبعد أن تشكلت في لبنان حكومة وحدة وطنية.

وباختصار، ماذا يجب أن يقال في أوباما بعد كل هذا؟ والمخفي أعظم.

وهل ينبغي لمن رحبوا به أن يصحّحوا تقدير موقفهم على ضوء ما تكشف عنه من صهيونية في فلسطين وعداوة للعرب والمسلمين في السودان ومصر واليمن ولبنان والعراق وصولاً إلى كل دولة عربية وإسلامية؟ أما تصحيح الموقف فلا يكون إلاّ بإدانة أوباما وإدارته "بأشدّ ما تحمله الإدانة من كلمات".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك