علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


ظاهرة محدودة لكنها مقلقة
الهجرة واستهداف عنصر الشباب
تشخيص واستخلاصات

بالرغم من الصمود الاستثنائي لعموم الشعب الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة عام 1948، وفي مناطق القدس والضفة الغربية المحتلة عام 1967 وعلى أرض قطاع غزة، فإن معالم بعض الأخطار الجاثمة التي تخص الوضع الفلسطيني الداخلي بدأت تطل وتفصح عن نفسها منذ أعوام خلت، وقد سبقت حتى زمن الانقسام الفلسطيني الراهن.

ومن تلك الأخطار وجود هجرة سلبية من فلسطين إلى خارج الوطن الفلسطيني تمر كل يوم دون جرس إنذار، ودون إعلاء للصرخة المطلوبة من أجل وضع حد لهذه الظاهرة قبل أن تتفاقم، ووضع حد لأسبابها المباشرة وغير المباشرة، في وقت ما زالت فيه الغالبية العظمى من أبناء الشعب الفلسطيني متمسكة بوجودها وبتشبثها على أرض فلسطين بالرغم من كل سياسات الاحتلال، والفاقة والعوز والحصار، وانسداد أفق العملية السياسية التي طالما باعوا الشعب الفلسطيني الكلام المعسول بشأنها وبإمكانية توفيرها الرخاء القادم عبر تحويل الأرض المحتلة عام 1967 إلى هونغ كونغ وسنغافورة الشرق الأوسط.

فما هي حقيقة تلك المسألة البالغة الخطورة التي تطل ولو بخفوت من داخل المجتمع الفلسطيني في المناطق المحتلة عام 1967 على وجه التحديد؟

ظاهرة محدودة لكنها مقلقة

"
تشير المعلومات إلى أن غالبية طالبي الهجرة هم من المواطنين الفلسطينيين المسيحيين، ولكنها اتسعت بعد ذلك لتشمل المسلمين منهم وحتى بعض الكوادر في السلطة الوطنية الفلسطينية وبعض المفكرين والتجار ورجال الأعمال، والمثقفين
"

في البداية من الطبيعي القول إن ظاهرة الهجرات الاغترابية أمر طبيعي في معظم بلدان ومجتمعات العالم المستقرة وغير المستقرة في عموم المعمورة بما فيها البلدان الصناعية الكبرى في العالم، إلا أن حالات الاضطراب الداخلي في بعض البلدان تعطيها استثناءً مغايرًا، قد يرفع من وتيرة تلك الهجرات الاغترابية ويجعل منها هجرات قسرية، لتصبح هجرات جماعية كما هو الحال بالنسبة للعراق على سبيل المثال.

وفي هذا الاستثناء فإن فلسطين والشعب الفلسطيني يتمتعان بخصوصية مغايرة للاستثناء ذاته، في فرادة تختلف عن غيرها من تلك البلدان التي تعيش حالات من عدم الاستقرار، فالشعب الفلسطيني بغالبيته الساحقة يرى أن استقراره المجتمعي والحياتي من كافة جوانبه يتمثل بالعودة إلى أرض الوطن في فلسطين، وهو ما يشكل إلى الآن (الحلم والوعد الفلسطيني) الذي تتمسك به أجيال الداخل الفلسطيني، وتلتصق به أكثر فأكثر أجيال اللجوء والشتات التي لم تر فلسطين أصلاً، وقد ولدت خارج أرضها وهي تحلم بالعودة إلى أرض فلسطين ولو تحت ظل خيمة تأوي إليها أو تحت ظل زيتونة من أشجار الجليل والمثلث والساحل الفلسطيني، طال الزمن أم قصر، بما فيهم كاتب هذه السطور.

فقد صنع الفلسطينيون في الداخل وطوّروا أسطورة اسمها "الصمود"، أي التشبث بالأرض الذي يلازم حلم العودة عند أجيال الشتات الفلسطيني، وهو الحلم الذي ما زال يدغدغ الوجدان الوطني الفلسطيني ويشكل القاسم المشترك في الإجماع الوطني الفلسطيني، وذلك بالرغم من اضطرار أعداد لا بأس بها من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان للهجرة إلى أصقاع المعمورة الأربعة تحت وطأة القهر والتمييز العنصري وسوء المعاملة، بل والاضطهاد المقونن الذي تمارسه الجهات اللبنانية الرسمية بحق اللاجئين الفلسطينيين منذ عام 1948 وذلك تحت شماعة ممجوجة عنوانها "محاربة التوطين" إلا أن هذه الهجرة القسرية لم ولن تلغ تمسك هؤلاء الفلسطينيين بحقهم في العودة إلى أرض فلسطين.

وفي هذا السياق، علينا أن نميز بين هجرة وهجرة، فبعد نكبة الوطن الفلسطيني عام 1948، كانت جهة الهجرة المؤقتة نحو دول الخليج العربي لكسب الرزق ورفد الأهل في فلسطين ومخيمات الشتات.

لكن المستجد في الموضوع المتعلق بالهجرة السلبية من داخل فلسطين نحو العالم الخارجي، يأتي في سياقات معروفة، حيث الولادة البطيئة والوئيدة لتلك الظاهرة بالهجرة خارج فلسطين من شباب مجتمع الداخل الفلسطيني. وهي هجرة بدأت تصيب الآن قطاعات من الشباب الفلسطيني، في هجرة خارجية تحمل معها آثارًا سلبية على المجتمع المحلي، وتولد قلقًا بين المواطنين.

ووفق معلومات مؤكدة، تشير التقديرات الصادرة عن بعض الجهات الفلسطينية إلى أن أربعة آلاف فلسطيني في المتوسط هاجروا من الضفة الغربية سنويًّا في السنوات الأخيرة. أما معطيات وزارة الخارجية في السلطة الفلسطينية فقد أشارت إلى تقديم 15 ألف طلب للهجرة منذ أواسط 2006 للممثليات الدبلوماسية الأجنبية في الضفة الغربية من قبل بعض قطاعات الفلسطينيين وخصوصا الشباب منهم، وتشير المعلومات إلى أن غالبية طالبي الهجرة هم من المواطنين الفلسطينيين المسيحيين، ولكنها هذه الظاهرة اتسعت بعد ذلك لتشمل المسلمين منهم وحتى بعض الكوادر في السلطة الوطنية الفلسطينية وبعض المفكرين والتجار ورجال الأعمال، والمثقفين وأصحاب رؤوس الأموال.

الهجرة واستهداف عنصر الشباب
إن نتائج ومخرجات الهجرة السلبية التي تمسّ عنصر الشباب الفلسطيني في الداخل، تشكل خطرًا جديًّا غير اعتيادي، بعد أن أصبح ملحوظًا بشكل ملفت للانتباه، فبعض من قطاعات الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة بدأت تتجه لاتخاذ خيارات الهجرة إلى خارج الوطن الفلسطيني مع استفحال الأزمات اليومية خصوصًا منها الاقتصادية جراء إجراءات الاحتلال، ومعها الأزمات السياسية المتوالية في البيت الفلسطيني الداخلي وعلى مجمل مسارات الحالة السياسية في المنطقة.

"
ولو تسنت الظروف لعادت الألوف المؤلفة من أبناء الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة وحتى من اللاجئين من أبناء المناطق المحتلة عام 1948 إلى فلسطين ممن هم الآن في الخارج
"
وتشير معلومات واستبيانات نشرتها دائرة الإحصاءات السكانية والاجتماعية في جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني في رام الله مؤخرًا إلى أن نسبة 20% من الشباب الفلسطيني في الداخل يرغبون في الهجرة، وذلك في استطلاعات تمت في عامي 2003 و2004 إلا أن زيادة ملموسة طرأت في عام 2006 على معدلات التفكير في الهجرة حيث وصلت أرقام الدراسات واستطلاعات الرأي التي أجريت خلال شهر سبتمبر/ أيلول من ذلك العام إلى أن 44% من الشباب الفلسطيني يفكر في الهجرة.

وفي هذا السياق فإن المعلومات الصادرة عن مركز الإحصاء الفلسطيني في رام الله، تفيد أيضا أن أكثر من سبعة آلاف فلسطيني يهاجرون سنويا من الضفة الغربية وقطاع غزة، بهدف تحسين الظروف المعيشية التي تعد الدافع الأول للهجرة لدى أغلبية المهاجرين.

كما تضيف دراسة حديثة أصدرها المركز أيضا أن حوالي 32 ألف فلسطيني هاجروا للإقامة خارج الأراضي الفلسطينية خلال الفترة من 2005 حتى 2009 وهذا العدد لا يشمل الأسر التي هاجرت كلها. وقد شكل عنصر الشباب ممن تقع أعمارهم بين 15 و29 سنة ثلث هؤلاء المهاجرين، كما مثلت من تقع أعمارهم بين 30 و44 سنة حوالي 26% منهم.

وبيّنت الدراسة أن كل مائة من المهاجرين توجه منهم إلى الأردن 24 مهاجرًا، ونحو 20 إلى دول الخليج العربي، ونحو 22 إلى الولايات المتحدة الأميركية.

ومن جانب آخر فإن مما يثير قلقا إضافيا أن أكثر من ثلث إجمالي المهاجرين هم من أصحاب المؤهلات والتحصيل العلمي بدءًا من شهادة الإجازة الجامعية الأولى (أي شهادة البكالوريوس)، الذين يعدون ثروة كبيرة بكل ما للكلمة من معنى، ثروة يفترض أن تسهم في دفع عجلة التنمية في فلسطين بدلاً من الدول التي تتم الهجرة إليها.

كما أن أكثر من ثلثهم حاصلون على شهادة الثانوية العامة، في حين لم تتجاوز نسبة المهاجرين ممن لا يحملون أي مؤهل علمي 1% من إجمالي المهاجرين، وهو أمر يشكل حال استمراره استنزافا للمجتمع الفلسطيني الذي أنفق على أبنائه الكثير الكثير حتى حازوا على شهاداتهم العلمية العليا، ليصبحوا في الحقيقة ثروة ورأس مال يتم توظيفه في الخارج بسبب الهجرة بدلاً من فلسطين، فهم في هذه الحال طاقات عملية مؤهلة يفترض أن تلقى على عاتقها المهام الجسام لبناء مختلف جوانب الحياة والبنية التحتية في المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1967 وفي قطاع غزة، بعد سنوات طويلة من الاحتلال ومن الممارسات "الإسرائيلية" التي دمرت حياة الناس، وبنى المجتمع التحتية.

وحتى لا تكون الصورة سوداوية في حديثنا أعلاه، تجدر الإشارة إلى أن غالبية من يغادر فلسطين من المقصودين بالهجرة السلبية الحاصلة، لا يبيع أملاكه في فلسطين إن كان من أصحاب الأملاك، فالذي يغادر بيت لحم أو بيت ساحور أو رام الله على سبيل المثال يدرك في قراره نفسه أنه سيعود بعد عدة سنوات لبناء بيت من جديد والإقامة في فلسطين التي هي خيار نهائي.

كما أنه مقابل الهجرة السلبية هذه، هناك ما بين خمسة وسبعة آلاف عائد سنويًّا إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ثلثهم قدموا من الأردن، ويشكلون نحو 43% من إجمالي العائدين إلى الضفة الغربية، وذلك بالرغم من كل قيود وسياسات الاحتلال التي تعمل على وضع العراقيل الكبيرة أمام عودة أبناء القدس والضفة الغربية من المقيمين في الخارج.

 فالحصول على ما يسمى الرقم الوطني يحتاج إلى بصمة وموافقة سلطات الاحتلال في الوضع الحالي، ولو تسنت الظروف لعادت الألوف المؤلفة من أبناء الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة وحتى من اللاجئين من أبناء المناطق المحتلة عام 1948 إلى فلسطين ممن هم الآن خارج فلسطين في الأردن وسوريا ولبنان وغيرها من البلدان.

تشخيص واستخلاصات

"
يقع على عاتق القيادة السياسية توفير فرص العمل المناسبة للشباب، واستثمار طاقاتهم وإمكانياتهم، وهو ما يعزز عملية دعمهم وتشجيعهم على الثبات في وطنهم، ورفض فكرة الهجرة
"
وفي تقدير وتشخيص أسباب هجرة بعض قطاعات الفلسطينيين إلى الخارج، تنحو جميع المصادر والجهات المعنية في فلسطين، والمهتمة بدراسة ومتابعة تلك الظاهرة إلى القول إن الأزمة التي تنتاب قطاعات معينة من الشعب الفلسطيني في الداخل وخصوصًا قطاع الشباب الفلسطيني تنبع أساسا من الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي ولدها وجود الاحتلال منذ عدة عقود، وتضاءل فرص العمل للشباب الجامعيين.

هذا فضلاً عن حالات التهميش التي يتعرضون لها مع ضعف وتكلس الوجود المؤسساتي للسلطة الفلسطينية وانتشار الفساد في مفاصلها، إضافة إلى الإحباط الذي يسود تلك القطاعات جراء تقوقع القوى والأحزاب وتراجعها، ومنها بشكل خاص القوى اليسارية والقوى ذات الاتجاهات القومية التي كانت تشكل في الماضي عنوانًا همًّا في استقطاب قطاعات واسعة من الشباب الفلسطيني.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن حالة الانقسام الداخلي الفلسطيني التي طالت واستطالت، أسهمت بدورها في توليد الاضطراب والتململ واليأس والإحباط في نفوس الناس ومنهم الشباب، وتضافر معها عامل هام تمثل في انسداد أفق التسوية الراهنة التي اصطدمت بجدار سميك من التعنت "الإسرائيلي" في ظل وضع فلسطيني ضعيف بل مزر، وأوضاع عربية متهالكة ومتآكلة لم تستطع أن تقدم للفلسطينيين شيئًا ملموسًا يقوّي عزيمتهم، ويسند صمودهم.

إن كل تلك الأسباب المشار إليها أعلاه، يفترض أن تدفع صانعي القرار في الساحة الفلسطينية بكل قواها وفصائلها، للعمل من أجل تحسين أوضاع الناس في فلسطين من مختلف الجوانب ومنها الاقتصادية، في ظل الضائقة الاقتصادية التي تتسع كل يوم في فلسطين، واتساع ظاهرة البطالة والفقر.

كما يقع على عاتق القيادة السياسية توفير فرص العمل المناسبة للشباب، واستثمار طاقاتهم وإمكانياتهم، وإشراكهم في الحياة الاجتماعية والسياسية ووقف تهميشهم ورفد مؤسسات المجتمع المدني والأهلي والقطاع الخاص بالدماء الشابة، وهو ما يعزز من عملية دعمهم وتشجيعهم على الثبات في وطنهم، ورفض فكرة الهجرة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك