نواف الزرو

نواف الزرو


فلسفة الاعتقالات والمحاكمات الجماعية 
جنرالات الملح والصبر
حكايات الدم والألم والبطولة
نحو عولمة قضية الأسرى

في إطار حربها الشاملة الاقتلاعية الإلغائية الإحلالية على الشعب العربي الفلسطيني والقضية الفلسطينية، تبتدع دولة الكيان الصهيوني دائما المزيد والمزيد من سياسات التطهير العرقي ضد الفلسطينيين التي تشتمل ضمن ما تشتمل عليه المحارق والمجازر الجماعية والتهجير (الترانسفير) الجماعي لأكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، في الوقت الذي تشن فيه حرب إبادة سياسية على القضية والملفات والحقوق الفلسطينية، كي يتسنى لها في نهاية الأمر الإجهاز عليها وتثبيت "اختراع" وبقاء واستمرار ذلك الكيان لأطول مدة زمنية ممكنة.

وفي هذا الإطار والسياق التطهيري الإبادي ابتدعت الدولة الصهيونية ما يمكن أن نطلق عليه "فلسفة العقوبات والاعتقالات والمحاكمات الجماعية" الرامية إلى تفكيك وتهميش وإضعاف صلابة جدران المجتمع الفلسطيني المقاوم.

فلسفة الاعتقالات والمحاكمات الجماعية

"
حسب المعطيات الإسرائيلية والفلسطينية فقد وصل عدد معسكرات الاعتقال والسجون إلى حوالي 27 سجنًا ومعسكر اعتقال، كان أشدها بطشًا وإرهابية تلك التي أقيمت خلال الانتفاضتين الأولى والثانية
"
وفق الوثائق الفلسطينية فقد أقامت التنظيمات الإرهابية الصهيونية قبل قيام كيانها الصهيوني معسكرات للاعتقال الجماعي للفلسطينيين إلى جانب سياسات التطهير العرقي المجازرية الإبادية والترانسفيرية، وواصلت تلك الدولة الإستراتيجية ذاتها على مدى سنوات الاحتلال والاغتصاب حتى عدوان يونيو/حزيران 67، لتدشن تلك الدولة عهدا جديدا في هذا الإطار الحربي.

فمنذ البدايات الأولى للاحتلال عام 67، كانت الدولة الصهيونية تبيت للسطو على ما تبقى من الأرض الفلسطينية في الضفة وغزة، فانطلقت قافلة المصادرات والاستيطان والتهويد، وبموازاتها انطلقت كذلك سياسات التطهير العرقي، فنظر أبرز قادة الاحتلال للعقوبات الجماعية المتنوعة الشاملة ضد الشعب العربي الفلسطيني، والاعتقالات والمحاكمات بالجملة التي شملت كافة أبناء الشعب العربي الفلسطيني، وذلك في إطار سياسة قمعية صريحة تستهدف النيل من مقومات وروحية الصمود والبقاء على الأرض لدى أبناء شعبنا وأهلنا هناك. 

وحرصت تلك الدولة على فتح وتوسيع معسكرات الاعتقال والسجون، وحسب المعطيات الإسرائيلية والفلسطينية فقد وصل عدد معسكرات الاعتقال والسجون إلى حوالي 27 سجنًا ومعسكر اعتقال، كان أشدها بطشًا وإرهابية تلك التي أقيمت خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، والتي أطلق عليها "أنصار 1" و"أنصار 2" و"أنصار3" و"نفحة"... إلخ.

ومنذ البدايات الأولى للاحتلال قال موشيه ديان وزير الحرب آنذاك معقبًا على سياسة الاعتقالات والمحاكمات الجماعية بالجملة: "سوف تخرج السجون الإسرائيلية معاقين وعجزة يشكلون عبئًا على الشعب الفلسطيني"، وهي السياسة التي انتهجتها تلك الدولة بصورة مكثفة واسعة النطاق خلال سنوات الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى بين عامي 1987 و1993 والثانية عام 2000، لدرجة أن الاعتقالات الجماعية طالت حسب المصادر الإسرائيلية والفلسطينية على حد سواء ما بين 750 و850 ألف فلسطيني على مدى سنوات الاحتلال أي نحو ثلث الشعب الفلسطيني، وهو ما دعا إسحاق رابين وزير قمع الانتفاضة في حكومة إسحاق شامير خلال الانتفاضة الأولى، إلى أن يعلن بمنتهى الوضوح "أن الانتفاضة هي مواجهة بين كيانين، ودليل ذلك هو العدد الكبير جدًّا من المعتقلين الفلسطينيين".

وقد أوضح "أن حل مثل هذا الصراع لن يكون إلا بواسطة ساقين سياسية وعسكرية مشتركتين"، مؤكدًا: "أنه طالما هناك انتفاضة سيبقى كتسيعوت"، مشيرًا بذلك إلى معسكرات الاعتقالات الجماعية للفلسطينيين، التي كان من أبرزها معسكر "كتسيعوت-أنصار 2" في صحراء النقب.

الأمر الذي أكدته مصادر إسرائيلية عديدة بقوله إنه "بدون مبالغة يمكن القول إن الفئات الهامة بين الطبقات الفاعلة في الانتفاضة الفلسطينية، أو على الأقل الجزء الأكبر منها، قد مرت عبر معسكر "أنصار 3" في النقب الذي تحول إلى فرن صهر وطني فلسطيني يصهر ويبلور الكوادر الحية للانتفاضة".

جنرالات الملح والصبر
فكانت الاعتقالات والمحاكمات الجماعية ومعسكرات الاعتقال إذن، منذ البدايات الأولى للاحتلال جبهة مفتوحة ساخنة قمعية إرهابية، أريد من ورائها القمع والقتل المعنوي والجسدي، ودفن المناضلين الفلسطينيين وهم أحياء، وقتل معنويات الشعب العربي الفلسطيني وشل حركته باعتقال قادته ونشطائه ومناضليه على أوسع نطاق ممكن.

وقد وصلت هذه السياسة الاعتقالية ذروتها خلال الانتفاضة الأولى، ولا تزال متصلة بعد مرور أكثر من عشر سنوات على انتفاضة الأقصى عام 2000، وليس من المنتظر أن تتوقف إطلاقا ما بقي الاحتلال، فـ"طالما هناك احتلال وقتل.. تكون هناك انتفاضة ومقاومة، وهناك بالتالي كتسيعوت".

وتعاطت دولة الاحتلال مع الأسرى ومع ملفهم باعتباره الأهم والأخطر، وعملت ولا تزال على تفكيك هذا الملف وتهميشه وإجبار الفلسطينيين على نسيانه، ولذلك وضعت تلك الدولة ما أطلقت عليه "المعايير الخاصة بالأسرى الفلسطينيين"، إذ رفضت وترفض الإفراج على سبيل المثال عن الأسرى الفلسطينيين من الوزن الثقيل من القادة الكبار أو من أولئك الذين تقول "إن على أيديهم دماء" أو "إن أيديهم ملطخة بالدماء اليهودية"... إلخ.

أما عن أعداد الأسرى الذين تناوبوا على معسكرات الاعتقال الاحتلالية فحدث...!

فأعدادهم متحركة من يوم ليوم ومن أسبوع لأسبوع ومن سنة لسنة، فهناك المئات من الأسرى الذين أمضوا في معتقلات الاحتلال أكثر من خمسة عشر عاما مثلا، وهناك من أمضوا أكثر من خمسة وعشرين عاما، وبعضهم تجاوز اثنين وثلاثين عاما، وكلهم يطلق عليهم اليوم أسرى من الوزن الثقيل، ويطلق عليهم أيضا "عمداء الأسرى" و"مانديلات فلسطين".

"
المعطيات الفلسطينية تتحدث بالإجمال عن الزج بنحو 25% من أبناء الشعب الفلسطيني في سجون ومعتقلات الاحتلال في عملية وصفت بأنها أكبر عملية اعتقال شهدها التاريخ الحديث
"
بل إن المعطيات الفلسطينية تتحدث عن اعتقال نحو ربع مليون فلسطيني خلال الانتفاضة الأولى، ونحو 74 إلف فلسطيني بينهم نحو عشرة آلاف امرأة وشابة خلال انتفاضة الأقصى عام 2000، وتتحدث المعطيات بالإجمال عن الزج بنحو "25% من أبناء الشعب الفلسطيني في سجون ومعتقلات الاحتلال في عملية وصفت بأنها "أكبر عملية اعتقال شهدها التاريخ الحديث".

ويجمل تقرير لـ"أورينت برس" المشهد الاعتقالي الفلسطيني قائلا: "إن شريعة الغاب في الدولة التي يعتبرها البعض في الغرب واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، هي السائدة، فأكثر من مليون نسمة فلسطينية وراء القضبان"، وحسب وزارة الأسرى الفلسطينيّة فإنه "تمت محاكمة مئات الآلاف من الأسرى في المحاكم العسكريّة منذ تأسيسها عام 1967، وحسب المعطيات فإنّ 850 ألف فلسطيني حوكموا في هذه المحاكم منذ بداية الاحتلال، وفي الفترة الواقعة بين 1990 و2009، حوكم في هذه المحاكم 200,000 أسير، كما أصدرت محاكم الاحتلال 19 ألف أمر اعتقال إداري منذ عام 2000/ وكالات/11/2010".

بل إن دولة الاحتلال حولت الضفة الغربية وقطاع غزة عمليا إلى أكبر معسكر اعتقال في العالم، كما صرح به سفير بلجيكا السابق لدى "إسرائيل" ولفريد جينز، وهو ما كان قد أكده من قبله أيضا السفير البريطاني لدى "إسرائيل" شيرارد كاوبر كولز حينما أعلن أن الأراضي الفلسطينية هي أكبر معسكر اعتقال في العالم حيث يقيم فيه 3.5 ملايين فلسطيني.

حكايات الدم والألم والبطولة
وفي محطات هذه المسيرة الاعتقالية الكبرى في التاريخ الحديث، وفي قلب معسكرات الاعتقال الصهيونية وخلال عقود اعتقالهم في الزنازين والغرف الانفرادية خاض الأسرى الفلسطينيون إضرابات مفتوحة عن الطعام في مواجهة المخططات الرامية إلى دفنهم أحياء في باستيلات الاحتلال..!

فمؤخرا قبل شهور قليلة، وبإعلانهم إضرابا عن الطعام (الأربعاء 4/7/2010 ) يكون الأسرى الفلسطينيون قد خاضوا وفق الإحصاءات الفلسطينية نحو اثنين وعشرين إضرابا رئيسيا عن الطعام في مواجهة إجراءات القمع والتنكيل والإلغاء التي تمارسها ضدهم مصلحة السجون الاحتلالية.

اثنان وعشرون إضرابًا مفتوحًا عن الطعام حتى الموت خاضها آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون ومعتقلات الاحتلال منذ أن وقعت الضفة الغربية وقطاع غزة في أسر الاحتلال الإسرائيلي عام 1967. يضاف إليها مئات الإضرابات الامتناعية والعصيانية وأشكال الاحتجاجات الإنسانية المختلفة الأخرى، التي قدم الأسرى الفلسطينيون خلالها مئات الشهداء، فذكر أن 202 أسير قد استشهدوا في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967، من بينهم 47 أسيرا تم تصفيتهم وقتلهم بدم بارد في اللحظات الأولى لاعتقالهم.

يطلقون على الإضرابات هناك في فلسطين تارة "رحلة الموت والجوع" ويطلقون عليها طورًا "رحلة الملح والجوع"، ويطلقون عليها تارة ثالثة "معارك الأمعاء الخاوية"، ويطلقون عليها أحيانًا "انتفاضات الحركة الأسيرة الفلسطينية".

"
يطلقون على الإضرابات في فلسطين تارة "رحلة الموت والجوع" ويطلقون عليها طورًا "رحلة الملح والجوع"، ويطلقون عليها تارة ثالثة "معارك الأمعاء الخاوية"، ويطلقون عليها أحيانًا "انتفاضات الحركة الأسيرة الفلسطينية"
"
ويجمعون كلهم على امتداد سجون ومعسكرات الاعتقال الاحتلالية على: "نعم للجوع... ولا.. ألف لا للركوع"، وكأن لسان حالهم يقول دائمًا: "سنصبر حتى يعجز كل الصبر عن صبرنا".. وينشدون كلهم أيضا مع معين بسيسو:
"نعم لن نموت، نعم سوف نحيا
ولو أكل القيد من عظمنا
ولو مزَّقتنا سياط الطغاة
ولو أشعلوا النار في جسمنا
نعم لن نموت، ولكننا
سنقتلع الموت من أرضنا".

وكانوا يحضرون دائمًا الجسد والروح لخوض رحلة الجوع الطويلة...!

فتحولوا إلى "رجال ملح وصبر خجلت الأسطورة من صمودهم التاريخي" كما وثقه عيسى قراقع رئيس نادي الأسير في خلاصة قراءته لكم هائل من التقارير والنشرات والدوريات التي تتحدث عن معاناة الحركة الأسيرة الفلسطينية، مضيفا: "لقد أدرك قادة إسرائيل الإنجازات التي حققها الأسرى الفلسطينيون بتضحياتهم ومعاناتهم خلال سنوات طويلة، ولذلك فالحرب من وجهة نظرهم هي حرب على الوطنية الفلسطينية، وعلى الوعي الوطني الفلسطيني".

ولذلك نؤكد أنه عندما يتعرض الأسرى لحرب إبادة سياسية ومعنوية على يد السجان الصهيوني، فإنه يصبح من الطبيعي أن تتحول سيرة الحركة الأسيرة الفلسطينية في معتقلات الاحتلال إلى سيرة مدججة بحكايات الدم والألم والمعاناة والبطولة، وللأسرى الفلسطينيين في ذلك: "قصص وحكايات طويلة، وإن خُطت على ورق ستملأ عشرات المجلدات، فلكل أسير منهم أم لها دموع ذُرفت لتكتب بها عشرات القصص، وأشقاء فرقتهم الأسلاك الشائكة ومزقت أوصالهم جدران السجون، وللأسرى أصدقاء وجيران اشتاقوا لرؤيتهم وعانوا من فراقهم، وللأسرى أطفال تُركوا دون أن يستمتعوا بحنان آبائهم ودفء أحضانهم، وكبروا واعتقلوا ليلتقي الآباء الأسرى بأبنائهم خلف القضبان، كما هي حالة الأسير أحمد أبو السعود الذي ترك ابنه طفلاً ليلتقيه بعد عشرين عاماً في الأسر" كما يوثقه عبد الناصر فروانة الباحث في شؤون الأسرى.

ورغم كل ذلك، يجمع الفلسطينيون هناك على أن "سنوات الأسر الطويلة لم ولن تكسر إرادة الأسرى ولن تفت من عزائمهم، فبعد كل هذه السنوات الطوال يظل الأسرى عنوانا للصمود والتحدي وتنتصر إرادتهم على سجانيهم".

نحو عولمة قضية الأسرى
وفي مواجهة فلسفة الاعتقالات والمحاكمات الجماعية الصهيونية، يجمع الفلسطينيون على امتداد الوطن المحتل على أن قضية أسراهم هي الأهم وهي التي تحظى بالأولوية العليا، وملفها هو الأخطر، فهم ليسوا مجرد أرقام يحملونها في المعتقلات، وكذلك ليسوا أشخاصا عاديين، وإنما هم جزء عضوي حيوي من الشعب الفلسطيني، وهم طليعته النضالية الجهادية، وأكثر من ذلك فهم في الحسابات الفلسطينية صناع النضال والتاريخ والتحرير والاستقلال العتيد...!

"
فلسطين تدق على جدران الصمت والعار العربي، وتعلن حاجتها الملحة والعاجلة جدا إلى مواقف وطنية وقومية عروبية وإسلامية حقيقية وجادة، وليس إلى بيانات واستعراضات
"
لذلك، بدون حل هذا الملف ستبقى كل الملفات الأخرى بلا حل، وبالتالي فإنه يحتل قمة الأجندة الوطنية الفلسطينية، ويفترض أن يحتل أيضا قمة البرنامج الوطني الكفاحي الفلسطيني، وقمة أجندة المفاوضات الفلسطينية مع الاحتلال الأمر الذي لم يحمله المفاوض الفلسطيني على محمل الجد أبدا.

ويجمع الفلسطينيون هناك في معسكرات الاعتقالات الجماعية وخارجها وعلى مستوى كافة جمعيات ولجان الأسرى وحقوق الإنسان، على ضرورة وإلحاحية تدويل قضية آلاف الأسرى الفلسطينيين، مما يحتاج إلى جهود فلسطينية وعربية جبارة معززة بدعم وإسناد كافة جمعيات ومنظمات حقوق الإنسان على المستوى الأممي.

ولعلنا نثبت في الخاتمة العاجلة في ضوء كل هذه المعطيات حول الحركة الأسيرة الفلسطينية ومسيرة النضال والدم والألم والمعاناة والبطولة للأسرى الفلسطينيين، وفي ضوء معطيات المشهد الفلسطيني كله على امتداد خريطة الوطن المحتل التي حولها الاحتلال إلى أضخم معسكر اعتقال على وجه الكرة الأرضية: أن فلسطين تدق على جدران الصمت والعار العربي، وتعلن حاجتها الملحة والعاجلة جدا إلى صحوة ضمير وأخلاق عربية وعالمية، وإلى مواقف وطنية وقومية عروبية وإسلامية حقيقية وجادة، وليس إلى بيانات واستعراضات، وتعلن حاجتها إلى من يتطلع إلى الحقول الخُضْر في إنسان يحصد قمح حريته منذ أن حل الاحتلال ولم يتعب"...!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك