نعمان عابد حسين شحادة

نعمان عابد حسين شحادة

1- بيانات شخصية : تاريخ الميلاد : 1944 الجنسية : أردني مكان الإقامة: عمان الحالة الاجتماعية: متزوج


- الانحباس الحراري

- الانحباس الحراري والتغير المناخي
- التغير المناخي والظواهر الحالية

تعاني مناطق متعددة من العالم في هذه الأيام من ظواهر جوية متباينة، ولكنها تمتاز جميعها بالعنف الشديد وبآثارها التدميرية العنيفة.

وأبرز تلك الظواهر:
- الأمطار الموسمية العنيفة التي تعرضت لها باكستان منذ 12 يوليو/تموز، وتسببت في حدوث فيضانات هائلة ألحقت بإقليم السند دمارا واسعا، وأدت إلى وفاة أكثر من ألفي شخص وشردت أكثر من عشرين مليون شخص، ودمرت مدنا وقرى كثيرة، وألحقت بالبنى التحتية وبالزراعة والسكن وطرق المواصلات وغيرها دمارا هائلا.

- موجات الحر العنيفة المتلاحقة التي شهدتها روسيا وتسببت في حرائق هائلة وألحقت بالمناطق التي تعرضت لها دمارا واسعا، وأدت إلى تناقص إنتاج الحبوب في روسيا بنسبة 6.6%. وقد وصلت درجة الحرارة خلالها حدودا لم يتم تسجيلها منذ بداية عمليات الرصد الجوي قبل أكثر من 130 عاما.

- موجات الحر العنيفة التي تعرضت لها الأقطار الواقعة في الحوض الشرقي للبحر المتوسط مثل الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان، والتي وصلت درجات الحرارة العظمى في بعض أيامها حدودا لم تصل إليها منذ سنوات عدة، مما جعل النصف الأول من العام الحالي 2010 الأشد حرارة منذ عشرات السنين.

- الفيضانات التي تعرضت لها موريتانيا وسببت خرابا ودمارا واسعين.

- الجفاف الذي تتعرض له المناطق الواقعة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا.

- الفيضانات والانزلاقات الأرضية التي تعرضت لها الصين بسبب الأمطار الغزيرة التي تسببت في مقتل أكثر من 300 شخص.

"
ومما يدعو إلى القلق أن ظاهرة الانحباس الحراري تتفاقم بسرعة كبيرة، خاصة أن نسبة الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي تتسارع بشكل كبير
"
الانحباس الحراري

المقصود بالتغير المناخي هو التغير الذي طرأ على الدورة العامة للغلاف الجوي والظواهر الجوية المرتبطة بها، مثل الأعاصير والمنخفضات الجوية والجفاف والفيضانات وغيرها، نتيجة لظاهرة الانحباس الحراري.

أما الانحباس الحراري فالمقصود به ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي بشكل متواصل منذ مطلع الثورة الصناعية في أوروبا، بسبب ما نتج عن الصناعة من انبعاث كميات كبيرة من الغازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان وغيرهما من الغازات التي تمنع جزءا من الإشعاع الأرضي من الهروب إلى أعلى وتبقيه قريبا من سطح الأرض مما يساهم في رفع درجة الحرارة.

وقد قدرت الزيادة في درجة حرارة الغلاف الجوي خلال الفترة 1860 – 2000 بحوالي 0.6 م°.

ومما يدعو إلى القلق أن ظاهرة الانحباس الحراري تتفاقم بسرعة كبيرة، خاصة أن نسبة الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي تتسارع بشكل كبير، كما في الشكل1.

(الشكل 1) زيادة نسب الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي (اضغط لتكبير الصورة)
ولهذا من المتوقع أن تصل الزيادة في درجة حرارة الغلاف الجوي التي لم تتعد 0.6 م° في نهاية القرن الماضي، في منتصف القرن الحالي إلى 2.5م°، وأن تتجاوز في حوض البحر المتوسط في نهاية القرن الحالي 4م° كما في الشكل 2.

وكانت الهيئة الدولية للتغير المناخي (NOAA) قد توقعت مسبقا أن درجة الحرارة سنة 2010 ستسجل حدا عاليا وغير مسبوق، وبالفعل كان معدل درجة حرارة الأشهر الخمسة الأولى منها الأعلى منذ بداية عمليات الرصد الجوي، وأعلى من متوسط درجة حرارة القرن العشرين بحوالي 1.2 ف.

(الشكل 2) ارتفاع درجة الحرارة خلال الفترة 1860- 2050
وكما يذكر جوناثان ليك من وكالة ناسا
 (NASA) الأميركية فإن معدل درجة حرارة 12 شهرا الماضية كان الأعلى خلال 130 سنة الماضية.

وكما يذكر علماء أرصاد جوية يعملون في كل من دائرة الأرصاد البريطانية وفي وكالة ناسا الأميركية، من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه العام لدرجة الحرارة حتى نهاية العام الحالي.

ولا يشير هذا الاتجاه إلى التغير المناخي فقط بل إلى ظاهرة النينو التي ساهمت في إطلاق المحيطات المدارية لكميات هائلة من الطاقة.

"
تأثير الانحباس الحراري على ارتفاع درجة الحرارة مضاعف في المناطق القطبية والباردة أكثر منه في المناطق المدارية بكثير
"
الانحباس الحراري والتغير المناخي

لقد كان تأثير الانحباس الحراري على ارتفاع درجة الحرارة مضاعفا في المناطق القطبية والباردة أكثر منه في المناطق المدارية بكثير. وقد كان لتلك الزيادة في درجة حرارة المناطق القطبية تأثير كبير على ذوبان الجليد وتناقص سمك الطبقات الجليدية.

كما يذكر عدد من علماء المناخ تعقيبا على موجة الحر العنيفة التي تعرضت لها أوروبا عام 2003 أن الزيادة الكبيرة في شدة موجات الحر مرتبطة بالتغير المناخي، وقد أدت إلى انفصال كتل هائلة من الجليد مثل ما حدث خلال النصف الأول من شهر أغسطس/آب من العام الحالي 2010، عندما انفصلت جزيرة جليدية تبلغ مساحتها 258 كلم2 أي أربعة أضعاف مساحة منهاتن عن جزيرة غرينلند.

وقد أدى تناقص الفرق في وفرة الطاقة بين المناطق المدارية والمناطق القطبية إلى ضعف الدورة العامة للغلاف الجوي في المناطق المعتدلة والمناطق الباردة، خاصة أن ذلك الفرق هو المحرك الأساسي للدورة العامة للغلاف الجوي.

وقد أدى ذلك إلى زحزحة نطاقات الضغط الجوي والرياح باتجاه الشمال وإلى تناقص الفرق في درجة الحرارة بين الكتل الهوائية القطبية والكتل الهوائية المدارية التي يسبب التقاؤها تكوّن المنخفضات الجوية للمناطق المعتدلة.

وقد أدى ارتفاع درجة حرارة المياه في المناطق الباردة إلى ضعف التيارات البحرية المدارية التي تنقل الطاقة من المناطق المدارية إلى المناطق القطبية، مما ساعد على ارتفاع درجة حرارة المناطق المدارية وزيادة معدلات التبخر من المسطحات المائية المدارية.

وساعد الارتفاع في درجة حرارة المسطحات المائية المدارية على ارتفاع الرطوبة المطلقة للكتل الهوائية المدارية بحيث تحولت تلك الكتل من كتل مستقرة إلى كتل غير مستقرة.

"
من النتائج الرئيسية المتوقعة للتغير المناخي حدوث ظواهر جوية عنيفة ومتباينة في جهات كثيرة من العالم
"
التغير المناخي والظواهرالحالية

إذا كان عدد كبير من علماء المناخ البارزين مثل بيتر سكوت يرون أنه من الخطأ أن نربط بين حدوث أية ظاهرة جوية والتغير المناخي
، فإنهم يؤكدون في الوقت نفسه -كما تذكر الهيئة الدولية للتغير المناخي (IPCC) في تقريرها الرابع عام 2007- أن من أبرز النتائج المترتبة على التغير المناخي التباين والعنف المتوقعين للظواهر الجوية مهما كانت نسبة التغير المناخي بسيطة.

ومما يؤكد هذا الاعتقاد أن مراكز مناخية عالمية وعلماء مناخ بارزين قد أكدوا منذ سنوات عدة على أن من النتائج الرئيسية المتوقعة للتغير المناخي حدوث ظواهر جوية عنيفة ومتباينة في جهات كثيرة من العالم. وهذا هو بالضبط ما نشاهده هذه الأيام فمن أمطار غزيرة وفيضانات في باكستان وفي الصين وفي بعض أقطار المغرب العربي إلى موجات حر شديدة في روسيا وفي الكثير من أقطار الحوض الشرقي للبحر المتوسط وشرقي الولايات المتحدة وغير ذلك.

ويربط عدد من علماء المناخ بين بعض تلك الظواهر، فهم يرون أن ارتفاع درجة حرارة مياه البحار والمحيطات المدارية قد ساهم في ارتفاع الرطوبة المطلقة في أجواء تلك المناطق مما ساهم في غزارة الأمطار الموسمية التي تعرضت لها باكستان، وقد ساهمت ظاهرة النينو التي تشهدها تلك المناطق في هذا العام في زحزحة النطاقات المناخية المدارية باتجاه الشرق وفي زيادة غزارة الأمطار الموسمية.

ويذكر أولئك العلماء أن تجمع الهواء المداري الذي سبب الأمطار الموسمية في باكستان وأدى إلى حدوث تيارات هوائية صاعدة بالغة العنف انتقلت بفعل التيار المداري النفاث الذي يظهر في أجواء المناطق المدارية على ارتفاع يصل إلى 17 كلم إلى روسيا لتشكل تيارات هوائية هابطة وتتسبب في تكون مرتفع جوي ضخم لم تشهده روسيا منذ أكثر من 130 عاما، وقد ساعد مجمل تلك الظروف على تعرض روسيا لموجة حر شديدة وجفاف كبير مما تسبب في حدوث الحرائق الضخمة التي تعرضت لها البلاد.

أما موجات الحر الشديدة التي تعرضت لها أقطار الحوض الشرقي للبحر المتوسط منذ بداية شهر أغسطس/آب الماضي، فترتبط بتمدد ذراع ضخم من منخفض الهند الموسمي باتجاه الشمال الشرقي متسببا في اندفاع كتلة ضخمة من الهواء المداري الحار باتجاه المنطقة مما أدى إلى ارتفاع درجة الحرارة إلى حد غير مسبوق منذ بداية السجل المناخي.

وتمتاز موجة الحر الحالية بطول مدتها، فهي قد بدأت منذ بداية أغسطس/آب تقريبا ولا تزال مستمرة حتى اليوم وقد زاد معدل ارتفاع درجة الحرارة أثناء تلك الموجة عن 10 م°.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك