غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


أخيرًا، نجح المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل في جرِّ السلطة الفلسطينية إلى هاوية "المفاوضات المباشرة" دون أي مرجعية أو شروط أو التزامات سوى ما تقرره طاولة التفاوض، اعتمادا على خبرته الإيرلندية الفاشلة بحسب كل الخبراء الدبلوماسيين، مقدرا أنه يمكن استنساخها على المسار الفلسطيني الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط ذات الوضع المختلف والآيل إلى التفجر.

وتأتي المفاوضات في وقت يرى فيه الأميركيون والاتحاد الأوروبي أن هناك أسبابا للتفاؤل، أهمها ما يقوم به رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض من تنفيذ خطة بناء دولة فلسطينية (دولة الأمر الواقع) دون انتظار أي اتفاقات، مما جعل الضفة الغربية تتمتع بواحدة من أسرع معدلات النمو الاقتصادي في العالم في العام الماضي.

"
زخم المواقف المتفائلة بالمفاوضات المباشرة لم يساعد كثيرا في إقناع الشارعين الفلسطيني والعربي اللذين عاينا أساليب وأدوات الضغط والابتزاز الأميركي والعربي الرسمي
"
ويترافق ذلك مع خسارة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) معظم رصيدها المستند إلى "الرفض والإرهاب والمقاومة والموت"، وموافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على حل الدولتين، ووعده بالتفاوض على جميع جوانب إقامة دولة فلسطينية، ناهيك عن هاجس امتلاك إيران أسلحة نووية من شأنها أن تدفع العرب والإسرائيليين إلى التقارب أكثر، مما يزيد فرص السلام الإسرائيلي الفلسطيني.

غير أن هذا الزخم من المواقف المتفائلة حيال المفاوضات المباشرة التي انطلقت يوم 2 سبتمبر/أيلول الجاري في واشنطن، لم يساعد كثيرا في إقناع الشارعين الفلسطيني والعربي اللذين عاينا أساليب وأدوات الضغط والابتزاز الأميركي والعربي الرسمي التي مورست على الفلسطينيين.

وقد بدأ ذلك برضوخ إدارة الرئيس باراك أوباما لحكومة اليمين الإسرائيلية لحاجتها إلى مساعدة اللوبي اليهودي في انتخابات الكونغرس النصفية، فضلاً عن معلومات تؤكد أن الهدف الحقيقي لدى الحكومة الإسرائيلية من استئناف المفاوضات هو ملء الفراغ السياسي في المنطقة، واستثمار هذه المفاوضات مجددا كمظلة لتشريع وتسريع الاستيطان في القدس والضفة الغربية، انطلاقاً من القناعة الصهيونية بأن حدود الدولة العبرية تقررها الأعمال الاستيطانية، وأن "الاحتياجات الأمنية" المتعلقة بالسيطرة الإقليمية ستحترم فقط إذا ما أسندت بالسيطرة على الأرض.

وانطلاقا من ذلك، كان متوقعا أن يرفض نتنياهو صاحب الخبرة الطويلة في تبريد الزخم التفاوضي، أي بحث في حدود الدولة الفلسطينية العتيدة قبل حسم قضية الترتيبات الأمنية التي تعتبر في العرف الصهيوني "مصطلحات محددة لقضايا غير محدودة".

وأهم هذه الترتيبات أن تكون الدولة الفلسطينية المستقبلية منزوعة السلاح ولديها شرطة مسلحة تسليحاً خفيفاً، وأن تبقى إسرائيل منتشرة على الحدود بين الضفة الغربية والأردن، بمعنى قبول الفلسطينيين بسيادة إسرائيلية كاملة في منطقة غور الأردن بذريعة أن المسافة المتوسطة بين نهر الأردن والبحر المتوسط لا تزيد عن 67 كلم فقط. وآخر تلك الترتيبات أن يتعهد الفلسطينيون بعدم إبرام اتفاقات دفاعية مع بلدان معادية لإسرائيل.

"
هذه التنازلات ستدفع بالقضية إلى حيز قانوني منافٍ لمطالب الفلسطينيين وأمانيهم في قيام دولة طالما حلمت بها الأجيال المتعاقبة، ومناف لمسيرة النضال التي أنجزت باللحم الحي طوال فترات الصراع المديدة
"
لا شك أن هذه الاشتراطات الأمنية الإسرائيلية تهدف إلى التعجيز وإحالة عمليات التفاوض إلى دائرة العبث وتقطيع الوقت، كما أنها تشكل مدخلا مناسبا للبدء في ترجمة العديد من المخططات الإسرائيلية، بما في ذلك التحضير لعملية ترحيل واسعة للفلسطينيين، ولاسيما في ظل المعلومات الصحفية التي أشارت إلى وجود مخططات لتشييد أبنية وبنى تحتية على الحدود العراقية الأردنية على مساحة 20 كلم2، وارتباط ذلك بما نقلته وكالة الأنباء الإماراتية من أن مصادر عسكرية إسرائيلية أكدت وجود خطط لإخلاء عشرات الآلاف من الفلسطينيين من أماكن سكناهم في الضفة الغربية وقطاع غزة في حال اندلاع أي حرب مقبلة.

ورغم التقديرات التي تشير إلى صعوبة -إن لم تكن استحالة- وصول هذه المفاوضات إلى أي نتائج تذكر لكونها جاءت بالإكراه، على اعتبار افتقادها أي مرجعيات أو تعهدات حيال كافة القضايا الرئيسية والفرعية، فإن ذلك لا يعفي من المسؤولية الكبرى التي وضع العرب والفلسطينيون أنفسهم تحت وطأتها.

ذلك أن مجرد القبول بالدخول في هذه المفاوضات قد أسس لحالة من إعادة التموضع للقضية الفلسطينية لن تستطيع الدبلوماسية العربية ولا قدرة المفاوض الفلسطيني، تجاوزها في أي حراك مستقبلي للموضوع الفلسطيني.

فقد استطاعت إسرائيل إلغاء كافة المرجعيات التي ظل العرب يستندون إليها في التفاوض معها، وخاصة القرارات 242 و338 ومبدأ "الأرض مقابل السلام" الذي أقره مؤتمر مدريد وأكدته مبادرة السلام العربية التي أقرت في قمة بيروت العربية عام 2002، والتي من الواضح أنه قد تم سحبها من السياق التفاوضي وبموافقة عربية أكيدة.

هذه التنازلات ستدفع بالقضية إلى حيز قانوني مختلف تماماً ومنافٍ ليس فقط لمطالب الفلسطينيين وأمانيهم في قيام دولة طالما حلمت بها الأجيال المتعاقبة، وإنما أيضاً لمسيرة النضال التي أنجزت باللحم الحي طوال فترات الصراع المديدة، والتي تقزمت إلى كيان -إن تحقق- لن يكون أكثر من إدارة لتسيير الشؤون المحلية بأسلوب لامركزي في كثير من التفاصيل.

"
ثمة لعبة تفاوضية فاشلة وخطيرة خاضتها الدبلوماسية العربية، بدأت خيوطها الأولى منذ انطلاق العربدة الأميركية بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، مرورا بتدمير مؤسسات السلطة الفلسطينية واحتلال العراق واختلاق المشكلة تلو الأخرى للسودان
"
ومع الأسف، وبعد أن تجمعت خيوط المشهد كاملة، بات يتضح أن ثمة لعبة تفاوضية فاشلة وخطيرة خاضتها الدبلوماسية العربية، بدأت خيوطها الأولى منذ انطلاق العربدة الأميركية بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، مرورا بتدمير مؤسسات السلطة الفلسطينية واحتلال العراق واختلاق المشكلة تلو الأخرى للسودان، عبر آليات القتل والتدمير والضغط الدبلوماسي، واختلاق المحاكم، وتجيير عمل المؤسسات الدولية عبر توظيف قراراتها لصالح الحرب على العرب.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه -والعالم العربي يعيش لحظة تخل واستقالة عن كل قضاياه المصيرية- هل تم تقديم كل هذه التنازلات المجانية للرئيس أوباما الذي تتدهور شعبيته وتشتد حملات المحافظين عليه، لكي يستطيع أن يذهب إلى الانتخابات النصفية للكونغرس معززا بإنجاز إطلاق المفاوضات المباشرة بين السلطة الفلسطينية ونتنياهو من دون شروط كان يصر عليها الجانب الفلسطيني وبعض العرب.. حتى وإن لم تثمر هذه المفاوضات شيئا يذكر؟

من يضمن صمود العرب في الملفات المصيرية الأخرى التي باتت ترتب باستعجال واضح وتتسيد المشهد العربي القادم؟ فالسودان مثلاً الذي يتضح مدى العجز العربي -حتى لا نقول التهاون- تجاهه، من يضمن عدم انسحاب منطق التساوم والابتزاز الذي شهده الملف الفلسطيني على الملف السوداني من دارفور إلى الجنوب؟ خاصة أن هذا الملف قد جرى تزنيره بحزمة من الآليات القانونية التي باتت تشكل مرجعاً وممراً إجبارياً للتعامل مع حيثيات هذا الملف، وقد جرى ذلك كله في وسط الانشغالات العربية بحروب وتحالفات ومحاور يتضح الآن مدى جدواها، بقبول العرب والفلسطينيين الدخول في بازار المفاوضات العبثية.

يتضح أننا أمام مشهد جديد نكرسه بكل وعي وثقة، هو مشهد ضياع فلسطين، فهل يمكن الحفاظ على ما تبقى من السودان؟

المصدر : الجزيرة

التعليقات