عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوري


- الانسحاب من العراق
- الوضع الكارثي
- الانسحاب من أفغانستان

ارتفعت وتيرة التصريحات الإعلامية في أيامنا هذه حول انسحاب القوات العسكرية الأميركية من العراق، الذي من المتوقع أن يستكمل مع مطلع العام 2012 ومن أفغانستان مع مطلع العام 2014.

ويثير الاستعجال الأميركي في تنفيذ خطوات الانسحاب العسكري خصوصاً في العراق، أسئلة تتعلق بحجم الانسحاب وتوقيته ومدته والهدف منه وإمكانيات التراجع عنه، كما تتعلق بمرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي في كلا البلدين المدمرين، وحجم ومهام القوات التي ستبقى تحت ستار التدريب وتأهيل القوات العراقية والأفغانية.

وترفض الإدارة الأميركية اعتبار الانسحاب إقرارا بالفشل، كما يرفض حلفاؤها في حلف شمال الأطلسي (ناتو) أي انسحاب من أفغانستان يمكن أن يبدو هزيمة، لكونه سيفقد الحلف مصداقيته.

لكن الرئيس الأميركي باراك أوباما يريد إنهاء الانسحاب من العراق والشروع في سحب القوات الأميركية من أفغانستان في عام 2011، أي قبل عام من الانتخابات الرئاسية.

غير أن ذلك قد لا يحظى بإمكانية التحقق على الأرض، وهو يعلم أن الحرب في أفغانستان أضحت تفتقر إلى تأييد الرأي العام الأميركي، وباتت تشكل نقطة ضعف بالنسبة له، وهو مقبل على الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ويحضر للانتخابات الرئاسية عام 2012.

إضافة إلى النقاش الواسع داخل الأوساط السياسية الأميركية والغربية بشأن ضرورة الحرب في أفغانستان التي تحولت إلى دولة مخدرات لا دولة ديمقراطية، وإلى أحد البلدان الأكثر فسادا في العالم، يدور نقاش آخر -خصوصاً في الأوساط الغربية- حول أوجه المقارنة بين الوسائل والإمكانيات الهائلة التي جرى تسخيرها للحرب في أفغانستان وبين النتائج التي تمّ تحقيقها.

"
هناك إشارات متضاربة في كل من واشنطن وبغداد حول حيثيات وإرهاصات الانسحاب الأميركي
"
الانسحاب من العراق

يركز المسؤولون الأميركيون والعراقيون على أن الانسحاب يأتي تنفيذاً للاتفاقية الأمنية التي جرى التوقيع عليها بين الإدارة الأميركية وحكومة نوري المالكي في نوفمبر/تشرين الثاني 2008 وقضت بالانسحاب من العراق خلال ثلاث سنوات، تنتهي في اليوم الأول من عام 2012.

وهناك إشارات متضاربة في كل من واشنطن وبغداد حول حيثيات وإرهاصات الانسحاب الأميركي، إذ جرى الإعلان عن سحب آخر الوحدات القتالية قبل الموعد المقرر لها في نهاية أغسطس/آب الحالي، وسبق ذلك القيام بترتيبات ميدانية خلال الشهور الماضية، تمثلت في تسليم القوات العراقية العديد من المواقع، وسحب كميات كبيرة من معدات الاحتلال، وخفض مستوى الدعم اللوجستي.

وترافق كل ذلك مع تصريحات إعلامية متناغمة لعدد من المسؤولين الأميركيين، حيث أكد الجنرال مايكل باربيرو نائب القائد العام للقوات الأميركية في العراق على جاهزية القوات الجوية العراقية لتسلم زمام مسؤولية حماية الأجواء العراقية بعد انسحاب القوات الأميركية، مع أنها لا تمتلك سوى مئة طائرة!

كما أشار الجنرال مايكل مولن إلى أن القوات التي ستبقى بعد الانسحاب لن تتعدى بضع مئات من الجنود، وصرح أنتوني بلينكن مستشار نائب الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي بأن "الانسحاب حاصل لا محالة".

وفي نفس السياق، أكد وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس على التزام الولايات المتحدة بالاتفاق مع الحكومة العراقية على تنفيذ الانسحاب ضمن المهلة الزمنية، ولم ينسَ الإشارة إلى أن "الوضع على الصعيد الأمني يتطور إيجابياً"!

لكن قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال راي أودييرو أعلن أن القوات الأميركية ستبقى في العراق ما رغبت الحكومة العراقية في ذلك، مفترضاً أنها ستحمي العراق من القوات الأجنبية، في إشارة إلى الدول المجاورة.

ومن جهته صرح الرئيس أوباما بأن "الولايات المتحدة لم تر بعد نهاية تضحياتها في العراق"، ولا يفهم بالضبط ما المقصود من هذا التصريح، خاصة أن الإدارة الأميركية لن تكتفي برفع لافتة "المهمة أنجزت"، بل ستفتح أبواب العراق للشركات الأمنية الخاصة للقيام بالمهام القذرة، إضافة إلى الخمسين ألف جندي الذين ستكون لهم مهام عديدة غير معروفة تماما.

وعلى الجانب العراقي جاءت التصريحات متضاربة، حيث تحدث رئيس أركان الجيش العراقي بابكر زيباري أن الانسحاب يسير بشكل جيد، "لكن المشكلة ستبدأ مع حلول عام 2011، أي عندما يصبح عدد قوات الاحتلال لا يزيد عن بضع مئات من الجنود".

وطالب بإيجاد أساليب أخرى لتعويض الفراغ الذي سيحدث بعد 2011، لأن "الجيش العراقي لن يكتمل قبل العام 2020".

بالمقابل، أكد رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي في أكثر من مناسبة أن الجيش العراقي يمتلك الجاهزية المطلوبة "لحماية أمن العراق وسيادته"!

وعلى العكس من ذلك أكد فرياد راوندوزي عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، أن "القوات العراقية تحتاج إلى وقت أطول بعد 2011 لتكون قادرة على حماية الحدود الإقليمية".

"
الإدارة الأميركية الحالية التي ورثت كارثة الحرب وإرهاصاتها وتداعياتها عن إدارة بوش السابقة، عاجزة عن إيجاد إستراتيجية بديلة
"
الوضع الكارثي

رغم إعلان الولايات المتحدة المتكرر أنها لن تؤخر انسحابها المبرمج والتدريجي من العراق والذي سينتهي في بداية 2012، فإن القوى السياسية فشلت في التوصل إلى صيغة ائتلافية مقبولة لدى الجميع، لتشكيل حكومة قادرة على ضبط تدهور الأوضاع والفوضى التي ألمت ببلاد الرافدين بعد الاحتلال الأميركي وتقويض دعائم الدولة وتمزيق مكوناتها.

ويبدو أن الإدارة الأميركية الحالية التي ورثت كارثة الحرب وإرهاصاتها وتداعياتها عن إدارة بوش السابقة، عاجزة عن إيجاد إستراتيجية بديلة.

لذلك تلجأ إلى ترداد حجة تلقي بها مسؤولية الحرب على الحزب الجمهوري وصقوره، وما أسفرت عنه من دمار وفوضى، وتحاول بواسطتها التنصل من المسؤولية الدولية والقانونية والسياسية والأخلاقية، وتكتفي بمطالبة القوى الطائفية بالإسراع في تشكيل الحكومة.

والغريب أن يوجه الرئيس أوباما رسالة خاصة إلى السيستاني يطلب فيها تدخله لحل أزمة اختيار رئيس الحكومة.

وقد ظهر أن الانتخابات الأخيرة لم تنقذ العراق من ورطته، بل زادها تمسك المالكي برئاسة الوزراء في ظل الانفلات الأمني، حيث شكّل الاختلاف على تشكيل حكومة -بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على الانتخابات النيابية- ظاهرة على تأكيد انتفاء المشترك بين القوى السياسية العراقية، وعلى أن انهيار الدولة المركزية أفضى إلى بعثرة الهوية العراقية، ونشأت على أنقاضها دويلات تعيش على الدمار والخراب ويصعب توحيدها تحت قبة العراق الموحد.

وأمل العراقيون خيرا من اللقاءات التي جرت بين المالكي وعلاوي والصدر والطالباني والبارزاني وسواهم، لكنها لم تفض إلى ما يتمناه عامة العراقيين، حيث الأحزاب الطائفية والإثنية ضائعة في اتخاذ مواقف حاسمة، وتلجأ إلى لعبة المقايضة على موقع الرئاسة، وعلى اقتسام المواقع والمناصب السيادية، وعلى اقتسام ونهب العراق.

ويعكس هذا اللهو العبثي الأزمة العامة في العراق الذي تحول إلى ساحة مكشوفة يستحيل معرفة تحولاتها الداخلية دون معرفة امتدادات الطوائف الإقليمية، ودور إيران ودول الجوار في التأثير عليها، ومعرفة موقع أطرافها في إدارة معادلة تفتقد بنى وقواعد يمكن البناء عليها.

وبالتالي، فإنه من المرجح أن تكون النتيجة مأسوية، في ظل استقواء القوى السياسية العراقية بعباءات ومظلات خارجية تلعب دورها الخاص في إعادة تشكيل العراق نحو مزيد من العنف والدمار والتآكل الناجم عن الاقتتال على الغنيمة من جانب والدعم الخارجي من جانب آخر.

ويشي استمرار تعثر تشكيل الحكومة العراقية الجديدة بحجم الأزمة التي يواجهها العراق، وأهم من ذلك الأخطار التي تنتظر العراقيين في المستقبل، بالنظر إلى جملة المشاكل والقضايا العالقة وطبيعة الخلافات والصراعات الطائفية والعرقية والمذهبية وكثرة التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية وتداخلها مع الواقع الكارثي، خاصة أنها ستزداد تعقيداً بعد الانسحاب الأميركي.

واللافت في هذا السياق أن تحصل صحيفة ذي غارديان البريطانية على تصريح من طارق عزيز من زنزانته، اعتبر فيه أن أوباما كان مخطئا حين ساند فكرة الإسراع بسحب القوات الأميركية من العراق، لأن ذلك يفترض أن يجعل البلاد لقمة في أفواه الذئاب.

"
الانسحاب من أفغانستان ومن قبلها من العراق يدخل في إطار ترتيب التراجع العسكري، ضمن إستراتيجية لا تقل خطورة في كلفتها السياسية عن إستراتيجية الهجوم التي وضعتها إدارة الرئيس السابق جورج بوش
"
الانسحاب من أفغانستان

تخطط الولايات المتحدة لتنفيذ بدء انسحاب قواتها العسكرية من أفغانستان في يوليو/تموز 2011 ليكتمل مع مطلع 2014، وعليه أعلن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس عن مغادرة منصبه في العام المقبل، أي عندما تبدأ القوات الأميركية بالانسحاب من أفغانستان.

وأكد عزم قوات الاحتلال على التراجع العسكري، بصرف النظر عن النتائج الميدانية التي تكون حققتها "قوات التحالف"، وعن مدى مقدرة الجيش الأفغاني على أخذ زمام المبادرة، وتحمل المسؤوليات في السيطرة على الفراغات الأمنية التي ستنجم عن الانسحاب.

ولا شك في أن الانسحاب من أفغانستان ومن قبلها من العراق يدخل في إطار ترتيب التراجع العسكري، ضمن إستراتيجية لا تقل خطورة في كلفتها السياسية عن إستراتيجية الهجوم التي وضعتها إدارة الرئيس السابق جورج دبليو بوش، وأخذت مسميات مختلفة في إطار "الحرب على الإرهاب"، وتذرعت بحجج "نشر الديمقراطية" و"إسقاط الدكتاتورية" و"تمكين المرأة" وسواها من الذرائع والحجج، وارتكزت في حملتها على فكرة أن نقل المعركة إلى ساحات بعيدة والهجوم يشكل أفضل السبل للدفاع عن الولايات المتحدة وحماية الأمن القومي من الهجمات الإرهابية.

ويجادل الساسة الأميركيون بأنهم أوجدوا ديمقراطية عراقية وأخرى في أفغانستان، لكن مجادلتهم تنطوي على تبسيط وسذاجة، لأن الأحزاب التي وجدت في أفغانستان وفي العراق نهضت إما على استقطاب مذهبي أو طائفي أو قبلي، وهي لا تمت بصلة إلى التقاليد والممارسات الديمقراطية، ذلك أن نزعات التعصب وكره الآخر ومحاولات إقصائه هي التي تلعب الدور الرئيسي في تحديد الاختيارات السياسية للناس.

ولا يختلف حال العراق عن حال أفغانستان، حيث عمل الاحتلال على التفكيك والتقويض والدمار العام، وأنتج تكوينات متعاونة معه عملت على زعزعة وحدة البلاد ضمن فوضى عارمة.

وبالتالي باتت أفغانستان اليوم مهددة بالتقسيم القبلي من خلال قيام سلطات محلية مستقلة في الأقاليم القبلية، الأمر الذي يهدد بنشوء صراعات قد تفضي إلى اقتتال أهلي.

وفي كل الأحول، يبدو أن الانسحاب العسكري الأميركي بدأ يُنفذ على الأرض في العراق، ولن تتراجع عنه الإدارة الأميركية الحالية، بصرف النظر عن المبررات السياسية وعن الفراغ الأمني المتوقع، لكونه يفسح المجال أمام أوباما للأخذ بزمام المبادرة وتحسين صورته أمام دافعي الضرائب الأميركيين، ويخفف الأعباء عن كاهل الولايات المتحدة التي باتت تترنح تحت ضربات الأزمة المالية والديون وتكاليف قواتها المحتلة.

وربما يشكل الانسحاب تراجعاً في الدور الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، تنظر إليه الدول الإقليمية الفاعلة على أنه تطور خاصة إيران وتركيا، لكونه يوفر نافذة مفتوحة للتعامل مع بعض الأزمات والملفات الشائكة في المنطقة، وهي تسعى إلى ملء جزء من الفراغ الذي سيخلفه الانسحاب الأميركي من العراق، ثم في وقت لاحق من أفغانستان.

المصدر : الجزيرة

التعليقات