عادل لطيفي

عادل لطيفي

كاتب وباحث أكاديمي


الكارثة وانكماش المد الإنساني
ظرف غير ملائم، ولكن..
صورة باكستان

بالرغم مما قدم لباكستان من مساعدات بعد مرور ما يقارب الشهرين على الطوفان غير المسبوق الذي ضرب البلد وبالرغم من الوعود الكثيرة التي أعطيت، فإن التحرك الدولي لم يرق إلى حجم هذه الكارثة الإنسانية.

فما قدم يعد أدنى بكثير مما تحقق على إثر كوارث أخرى كانت خسائرها وضحاياها أقل بكثير مما حل بباكستان. لماذا هذا التردد؟ هل توقف الوازع الإنساني على أبواب باكستان؟ الحقيقة أن هذا البلد لم يكن ضحية الأمطار الطوفانية فحسب بل سقط كذلك ضحية صورته القاتمة في العالم.

الكارثة وانكماش المد الإنساني
كان الأمين العام للأمم المتحدة قد دق ناقوس الخطر عندما ذكر بأن كارثة طوفان باكستان تفوق في حجم خسائرها خسائر زلزال هذا البلد سنة 2004 وخسائر تسونامي وزلزال هايتي مجتمعة. وقد جاء التذكير بمأساوية الوضع على إثر ما رصدته الهيئة الدولية من فتور نسق المساعدات التي قدمت للضحايا الباكستانيين مقارنة مع ما عوّد عليه المجتمع الدولي من تجنيد لكل الطاقات المالية والبشرية واللوجستية زمن الكوارث المماثلة.

عشرون مليون ضحية وخسائر قدرت بثلاثة وأربعين مليار دولار ستضاف إلى الديون التي وصلت أكثر من خمسين مليار دولار في ظل اقتصاد يخصص سنويا ثلاثة مليارات دولار لخدمة الديون. أضف إلى ذلك أن هذه الكارثة قد حلت بمجتمع يعاني من الفقر الشديد وكذلك من ويلات الحرب. فالعديد من المناطق التي غمرتها المياه خصصت مؤخرا للسكان الفارين من الحرب، أي أن المساكن فيها هي مجرد خيام أو بيوت قصديرية بنيت على عجل في مناطق فيضانية حول المدن.

"
ما قدمه الحليفان الرئيسيان لباكستان -الولايات المتحدة وفرنسا- يبقى دون ما كان قد قدم لضحايا تسونامي آسيا وزلزال هايتي
"
أول من تفاجأ بفتور وحتى بعدم اكتراث المتبرعين في البلدان الشمالية كانت هيئات الإغاثة الدولية وجمعيات العمل الإنساني التي أصبح البعض منها يخجل من ذكر ما توصل لجمعه لفائدة الضحايا الباكستانيين.

ففي فرنسا على سبيل الذكر لم تتمكن منظمة "عمل ضد الجوع" (action contre la fin) خلال أسبوعين من تجميع سوى ستة وعشرين ألف يورو لفائدة ضحايا باكستان. هذا المبلغ تمكنت المنظمة من جمعه في ظرف ساعتين على إثر زلزال هايتي. نفس المصاعب واجهها الصليب الأحمر الفرنسي وهو أعتى منظمات التضامن في هذا البلد. حيث لم تتجاوز قيمة ما جمعه خلال أسبوعين ثلاثة وعشرين ألف يورو لفائدة باكستان في حين تمكن خلال نفس الفترة من جمع مليوني يورو لفائدة هايتي.

ربما نفهم هذا الفشل الفرنسي ضمن غياب روابط تاريخية ولغوية بين فرنسا وباكستان. لكن وضع التبرعات خلال الأسبوعين الأولين في الولايات المتحدة وكذلك في بريطانيا لم يكن أقل قتامة.

ففي حين تمكن الصليب الأحمر الأميركي خلال حملة تبرع عن طريق الرسائل القصيرة (SMS) من جمع 3.1 ملايين دولار لفائدة ضحايا زلزال هايتي لم تتمكن هذه المنظمة خلال حملة مماثلة لفائدة باكستان من جمع سوى عشرة آلاف دولار.

ولم يقتصر عدم المبالاة هذه على تبرعات الجمهور والخواص بل شمل كذلك الجهات الرسمية. فما قدمه الحليفان الرئيسيان لباكستان، الولايات المتحدة بخمسة وسبعين مليون دولار وبريطانيا بأربعين مليون دولار، يبقى دون ما كان قد قدم لضحايا تسونامي آسيا وزلزال هايتي. أضف إلى ذلك أن نسبة ضئيلة فقط وصلت إلى ميدان المأساة خلال العشرين يوما الأولى.

ظرف غير ملائم، ولكن..
يرى البعض أن فتور الحس الإنساني لدى جمهور المتبرعين في البلدان الكبرى (لأن مستوى المعيشة وأهمية الدخل تسمح بالتبرع) يعود بدرجة أولى إلى أسباب طبيعية ونفسية. فالفيضانات كارثة فعلية لكنها تمتد لعدة أيام أو حتى لعدة أسابيع. هذا على عكس الزلازل والأعاصير والتسونامي وهي كوارث فجائية تحفز الإعلام على الاهتمام بها وتحرك نحوها المشاعر تحت تأثير الصدمة.

في حالة باكستان لم تأخذ الفيضانات صورتها الكارثية إلا بعد الأسبوع الأول، لكن سبقت ذلك بعض الإشارات الإعلامية التي أفقدت الحدث صبغته الفجائية وقللت من عامل الصدمة لدى المشاهدين.

هناك عامل ظرفي آخر ربما لم يساهم إيجابيا في تحفيز المتبرعين. فالكارثة حصلت في فصل الصيف وهي فترة يقل فيها عادة اهتمام الناس بوسائل الإعلام وبالأخبار وبدرجة خاصة في البلدان الكبرى. وهي كذلك فترة الإجازات والعطل والسفر وما يصاحب ذلك من ارتفاع مصاريف العائلات.

يذهب البعض أبعد من ذلك إلى الحديث عن ظرف الأزمة الاقتصادية العالمية الذي لم يكن مساعدا على تقديم يد العون لباكستان. ويتعلق الأمر هنا بالجهات الرسمية بدرجة أولى ذلك أن أغلب دول العالم اختارت سياسة تقشف صارمة دفعت فيها قطاعات الصحة والتعليم الفاتورة الكبرى.

"
انكماش المد الإنساني في حالة فيضانات باكستان يفسر نسبيا بالعديد من العوامل لكنه مرتبط بشكل رئيس بعامل هيكلي, إنه صورة باكستان في العالم وخاصة لدى المواطنين في الغرب
"
ضمن هذا الخيار الاقتصادي الصارم، لم يكن بإمكان الحكومات تبرير أية مساعدة لدولة أخرى. ربما من المهم في هذا السياق التذكير بالتردد الألماني لتقديم يد العون الأوروبية لليونان الغارقة في الديون وهو موقف له سند شعبي قوي. إذا كان هذا حال التضامن داخل البيت الأوروبي، فكيف نستغرب اللامبالاة تجاه باكستان.

توجد بعض المعطيات الأخرى التي أوردتها الصحافة في الغرب، قد تكون ساهمت ولو بشكل ثانوي في الحد من التفاعل الإيجابي مع حملات التبرعات. ومن بينها تعدد الكوارث في السنوات الأخيرة والتي استحوذت على حيز كبير من تعاطف السكان في الدول الكبرى. فكأن باكستان دفعت لوحدها فاتورة تواتر الكوارث الطبيعة مع بداية هذه الألفية.

كل ما ذكر له جانب كبير من الصحة، لكنه يفقد كل مصداقية وتماسك إذا نظرنا إلى حجم الكارثة وإلى حيوية التحرك الأممي والأهلي. فعشرون مليون ضحية في بلاد غرق جزء كبير منها تحت المياه وانهار كل اقتصادها هو وضع غير مسبوق.

كما أن الأمم المتحدة وكذلك منظمات العمل الإنساني ضاعفت من حملاتها بشكل فاق ما قامت به في كوارث أخرى، لكن استجابة الجمهور والخواص لم تكن في مستوى جهدها ومطامحها.

انكماش المد الإنساني في حالة فيضانات باكستان يفسر نسبيا بالعوامل التي ذكرت، لكنه مرتبط بشكل رئيس بعامل هيكلي. إنه صورة باكستان في العالم وخاصة لدى المواطنين في الغرب.

صورة باكستان
لم تسقط باكستان ضحية الفيضانات فقط بل سقطت كذلك ضحية الصورة التي أعطتها لنفسها في العالم. فاسم باكستان يحيل أولا وقبل كل شيء إلى التطرف الإسلامي الممثل في طالبان، كما يحيل إلى الفساد والانقلابات العسكرية والاغتيالات.

هذه الصورة صنعها الإعلام وهذا صحيح إلى حد ما. فماذا يعرف العالم عن المناظر الطبيعية الخلابة في هذا البلد؟ ومن يعرف غزارة تقاليده الموسيقية التي أنجبت نصرة فتح علي خان؟ صورة قاتمة هي تلك التي يحملها المواطنون العاديون عن هذا البلد، لأن الإعلام أبى إلا أن يلخصه في مجموع تطرفه السياسي وترسخ تقاليده الاجتماعية البالية. صورة لا تنافس بأي حال بقية دول الشرق الآسيوي التي عملت على إنتاج صورة سياحية عنها مثل الهند وتايلند والصين وسنغافورة وحتى فيتنام.

في مجمل هذا المشهد الآسيوي تبدو باكستان، وكذلك أفغانستان، حالات شاذة. هناك تقابل واضح بين صورة يطغى عليها الموت والحياة البائسة مع صورة الانفتاح والنمو الاقتصادي.

لكن علينا أن لا نحمل الإعلام عموما، وخاصة الغربي منه، مسؤولية هذه الصورة السلبية. إذ وجب الإقرار بأن مشاهد الموت غير المبرر وحتى الوحشي منه هو جزء من الواقع الباكستاني لم تسلم منه حتى المدارس ودور العبادة بأنواعها.

وقد أوردت وسائل الإعلام العالمية مشهدا يلخص هذا التناقض بين واقع ضحايا الفيضانات المأساوي وما يتطلبه من تحريك لمشاعر التضامن الوطني وبين انتشار ممارسة العنف داخل المجتمع دون رقابة رسمية. فقد شاهد العالم عبر الإنترنت مشاهد الأخوين مجيز بوت (19 سنة) ومنيب بوت (15 سنة) في مدينة سيالكوت وجماهير غفيرة تنهال عليهما بالضرب المبرح. توفي الشقيق الأصغر على الفور، ودامت معاناة شقيقه لأكثر من ساعة.

تم بعد ذلك سحل الجثتين عن طريق عربة قبل أن يتم شنقهما فوق عمود كهربائي. كل هذا المصير الدرامي يقف وراءه مجرد اتهام الأخوين بالسرقة. حصل ذلك يوم 15 أغسطس/آب، أي عندما كانت المنظمات الأهلية والأمم المتحدة تجند كل قواها لدعم ضحايا الفيضانات.

التفجير الانتحاري في كويتا الذي تبنته طالبان باكستان يجسد بدوره تناقضات المجتمع الباكستاني ومدى انتشار العنف السياسي والاجتماعي. فما معنى أن يخطط مسلمون لقتل مسلمين آخرين يحتفلون بيوم القدس وللتنديد بالصهيونية؟ ما معنى أن تواصل طالبان باكستان عملياتها العسكرية وملايين الباكستانيين البؤساء يصارعون الموت؟ كيف سيفكر العالم في هذا البؤس الباكستاني إذا كان الفاعلون السياسيون على هذه الدرجة من الوحشية؟ ففي كل مناطق العالم التي شهدت حروبا أهلية عادة ما تبادر حركات التمرد بإعلان هدنة "إنسانية" في حال حدوث كوارث طبيعية. شعار واحد ووسيلة واحدة وهدف واحد يحكم حركة طالبان، الموت أولا وأخيرا.

"
لا تتحمل الحركات السلفية لوحدها مسؤولية الصورة السلبية لباكستان, فالنخبة السياسية العسكرية الحاكمة ساهمت بدورها أيما مساهمة في تلويث سمعة البلد وسكانه
"
لا ننس أن نذكر في هذا السياق بحادث كثير الرمزية. فقد تم استهداف أحد مكاتب الإغاثة الأممية قبيل استفحال كارثة الفيضانات مما أدى إلى سقوط العديد من الضحايا. كيف يمكن لمثل هذا العمل أن يحفز المانحين والأمم المتحدة لمد يد العون؟

لا تتحمل الحركات السلفية لوحدها مسؤولية الصورة السلبية لباكستان. فالنخبة السياسية العسكرية الحاكمة ساهمت بدورها أيما مساهمة في تلويث سمعة البلد وسكانه. فالمحسوبية والفساد والاغتيال السياسي ممارسات مألوفة في الحياة السياسية الباكستانية.

وهذا ما حدا بوزير الخارجية الباكستاني إلى تقديم ضمانات للمانحين حول التصرف في أموال التبرعات من طرف أجهزة محايدة. لقد كان الشك في مصداقية الحكومة الباكستانية عاملا حاسما في تردد الكثير من المواطنين في الغرب في تقديم يد العون حسب ما أبرزته ردود القراء في بعض الصحف في ألمانيا وفي بريطانيا.

تناقض آخر راح ضحيته المواطن الباكستاني المنكوب، تناقض بين امتلاك القنبلة النووية والانخراط في نادي القوى العسكرية العظمى من ناحية وبين صورة مجتمع بدائي لا حول له ولا قوة أمام الأمطار من ناحية ثانية.

فمن المستفيد إذن من إهدار طاقات البلد في ما سمي جهلا بالقنبلة النووية الإسلامية. القنبلة الحقيقية في باكستان هي الفقر، هي التطرف وهي الفساد السياسي، هذا هو الدرس الأول. الدرس الثاني أنه ليس بإمكان أي بلد اليوم أن يعيش معزولا معولا فقط على موارده وعلى قناعاته.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك