نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري


التغير الخاص
الانفتاح أَم الانغلاق؟
التغير الجارف
التنافس على الصين

"مسلمو الصين ليسوا في هذه الدنيا" هذه العبارة كتبها الأمير شكيب أرسلان قبل نصف قرن وهو يسعى جاهدًا لتقصي أحوال مسلمي الصين والتعريف بهم. ولو أن هذه المقولة أطلقت قبل قرن أو اثنين لكانت أيضًا معبرة وصادقة، ولو استخدمناها هذه الأيام -وربما غدًا وبعد غد- لظلت على صدق تعبيرها عن تلك الحقيقة المؤلمة".

هذه الفقرة برمتها كتبها الأستاذ فهمي هويدي سنة 1981 في كتابه "الإسلام في الصين". والحقيقة أن العقود القليلة الأخيرة حملت إلى عموم الصين – كما هو معلوم- رياح تغيير شاملة وغير متوقعة -في سرعتها على الأقل– فهل ما زال وضع المسلمين في الصين –والحديث هنا عن مسلمي قومية هوي الممثلين لأغلبية مسلمي الصين تحديدا- يعطي نفس الانطباع السيئ الذي خرج به الأمير قبل ثمانية عقود والكاتب الكبير قبل حوالي ثلاثين سنة؟

التغير الخاص
لا يفتأ الصينيون من جهتهم يرددون أن نموذجهم الشيوعي مختلف عن الشيوعية السوفياتية والألبانية، وحتى الكوبية والكورية الشمالية، ويسمون نموذجهم هذا بـ"الاشتراكية الصينية الخاصة"، أي التي احتفظت بالأصول العامة للأيديولوجية المذكورة، مع مراعاة خصائص الدولة الصينية والأجواء الدولية والإقليمية التي تحيط بها.

إلا أنهم لا ينكرون أن "اشتراكيتهم الخاصة" تعرضت لتطورات كبيرة طوال تاريخها لأسباب سياسية وغير سياسية، خاصة بعد أحداث الميدان السماوي (تيانانمين) الدامية عقب المطالبة بالديمقراطية سنة 1989، وسقوط الاتحاد السوفياتي -الممثل الأول والأكبر للشيوعية- سنة 1991، وعودة هونغ كونغ -بمزاجها الثقافي والاقتصادي المعروف- إلى أمها الصين سنة 1997 فكل هذا وأمثاله من أحداث مثل دعما لتطوير التجربة الصينية الحديثة برمتها.

إلا أن مرحلة العنفوان الشيوعي الصيني مثلت قبل الانفتاح الأخير عودة نسبية إلى الانغلاق، حتى بدت الصين دولة أسرار تتشكل من جديد، وهي وإن لم تمتنع عن المشاركة في الأحداث العالمية، فإن شؤونها الداخلية كانت تُرسَم داخل أسوار مغلقة بإحكام، وهو ما قد يعتبر سمتا للدول الشيوعية المعاصرة عامة.

"
من أجل التغيير في أيديولوجيتها أباحت الصين ما أباحت مما كان محرَّمًا لديها من قبل، وهذا الأمر صنع ثغرات تتسع حينًا وتضيق أخرى لمرور التغيير الثقافي والاجتماعي والديني إلى أعماقها
"
وعموما فقد أذاب القرن الماضي بأحداثه أسوار الانغلاق الصينية الشهيرة بشكل حاسم، حتى وصفه المفكر الصيني "وو بن" بأنه "أهم قرن في تاريخ الثقافة الصينية والمجتمع الصيني، ولا يوجد (في هذا التاريخ) -على وجه التقريب- قرنٌ تغيّر بمثل تلك الصورة العنيفة والمتكررة والعميقة".

وعبر أحد المسلمين الصينيين عن حال بلاده بعد خروجها من كل هذه الانغلاقات التاريخية والأيديولوجية قائلا: "لقد صارت بلادنا رأسمالية في كل شيء إلا السياسة والإعلام".

والحقيقة أن المجال الرئيس الذي انخلعت فيه الصين من الفكرة الشيوعية هو نفسه الذي تمحورت الشيوعية التقليدية حوله منذ انطلاقها، ألا وهو المجال الاقتصادي، ومن أجل هذا التغيير في أيديولوجيتها أباحت الصين ما أباحت مما كان محرَّمًا لديها من قبل، وهذا الأمر صنع ثغرات تتسع حينًا وتضيق أخرى لمرور التغيير الثقافي والاجتماعي والديني إلى أعماق الصين، أول بلد ملياري السكان في التاريخ.

الانفتاح أَم الانغلاق
صحب هذه التغيرات التي طرأت على الحالة الصينية عامة تطورٌ نوعي لوضع القوميات والأقليات التي يتكون منها الشعب الصيني، وبالنسبة للمسلمين خاصة برز في صفوفهم نشاط اقتصادي واجتماعي وتعليمي وثقافي لم يكن موجودا ولا مسموحًا به في حدود بلادهم قبل قليل، وانتشرت منهم أعداد كبيرة في عواصم العالم الإسلامي لأغراض اقتصادية وتعليمية.

وكان من الطبيعي أن تطفو على السطح مشكلات مصاحبة لهذا التطور الاجتماعي والاقتصادي الواسع في الصين، خاصة بالنسبة لأقلية كالمسلمين لها حساباتها وتقاليدها وأحكامها الدينية التي تمثل جزءًا من هويتها الخاصة.

ومن جهة أخرى، صحب هذه التغيرات تطور نوعي إيجابي في وضع المسلمين في بلد العجائب والغرائب.

ومشكلة المسلمين الصينيين المعاصرين كانت تكمن قبل ذلك في أنهم انحازوا إلى الثورة الصينية في الأربعينيات حتى انتصرت، ثم صاروا من ضحاياها، مما جعلهم يَضربون على أنفسهم عزلة وانغلاقًا داخل العزلة الصينية الكبرى.

وحين تطورت التجربة الشيوعية للصين خلال الثلث الأخير من القرن العشرين، حافظت على المبدأ الشيوعي العتيد الخاص بأولوية الدولة وسيطرتها، وتصرفت في قوانين الملكية، وحرية السوق، والانفتاح النسبي على العالم، ومنْح شيء من الحرية الدينية للناس، ما لم يكن في ذلك كله خطر على الدولة نفسها، حيث أكد الدستور الصيني بالنسبة للحرية الدينية تحديدا وبشكل فعلي أنه "لا يحق لأيٍّ من أجهزة الدولة أو المنظمات الاجتماعية أو الأفراد إرغام أي مواطن على الاعتقاد بأي دين أو عدم الاعتقاد به، ولا يجوز التعصب ضد أي مواطن يعتقد بأي دين أو لا يعتقد به... (إلا) أنه لا يجوز لأي شخص أن يقوم بنشاطات تخريب النظام الاجتماعي والإضرار بصحة المواطنين البدنية وعرقلة نظام التعليم الوطني مستخدما الأديان".

كان مثل هذا الانفتاح الجديد مغريًا للمسلمين كأقلية تاريخية في هذا البلد كي يشاركوا في معمعان الحياة الصينية. لكن ثارت الشكوك في صفوفهم منذ البداية حول إمكانات انقلاب الدولة عليهم كما حدث في عهد إمبراطورية منشو القاسي وعقب انتصار الثورة الشيوعية.

كما اختلف المسلمون حول شرعية الانضمام إلى الحزب الشيوعي الحاكم، والذي كان شرطا في الوصول إلى أي منصب مهم -كرئاسة مؤسسة أو جامعة أو أيٍّ من مواقع التأثير-، خاصة أن الانضمام لهذا الحزب يفرض على أصحابه القيام بمجموعة من المراسيم التي تثور حولها شكوك شرعية، منها: النطق بقَسَم الولاء للنظام الشيوعي، فيقسم العضو أمام شارة الحزب الشيوعي الصيني أنه مستعد في كل وقت للتضحية بنفسه من أجله، ويرفع يده اليمنى أثناء تلاوة القسم. كذلك يحني الأعضاء رؤوسهم أمام جسد الميت من أعضاء الحزب أو صورته تعبيرًا عن الوفاء والاحترام له.

"
شارك كثير من المسلمين الصينيين بالفعل في مجرى الحياة الصينية السريع، إلا أن أفكار كثير من علماء المسلمين التقليديين في الصين لا تمتاز بالانفتاح على الآخر
"
ومع هذا شارك كثير من المسلمين الصينيين بالفعل في مجرى الحياة الصينية السريع، وشغل بعضهم وظائف رفيعة في الدولة، مثل: خيو لنج يا الذي شغل منصب رئيس الوزراء والرجل الثالث في الدولة، ومثّل بلاده في جنازة الرئيس ياسر عرفات سنة 2004 وجنازة الملك فهد بن عبد العزيز سنة 2005. وأسعد الكريم، ووانج زن وي وإسماعيل تليوالدي، الأعضاء باللجنة المركزية للحزب الشيوعي، وغيرهم.

وقد بقي من عناصر هذه المشكلة أن أفكار كثير من علماء المسلمين التقليديين في الصين لا تمتاز بالانفتاح على الآخر، حتى المسلم المخالف في البيئة أو المذهب الفقهي، فهم متحمسون بشدة للمذهب الحنفي، محبوسون في نظمهم التعليمية داخل متون عتيقة، ولا صلة قوية لهم بغيرهم من علماء المسلمين (والتقصير هنا يُسأل عنه الجانبان)، فلم يناقشوا مع علماء الأقطار الأخرى مشكلات المسلمين كأقليات، ولم يطالعوا ما كُتب في ذلك من كتب ودراسات إلا في نطاق محدود إلى الآن.

ويجب أن نعذر هؤلاء العلماء بالطبع شيئًا ما، فقد كان لغول الدولة الشيوعية تأثيره في تفضيلهم الانغلاق على انفتاح لا يضمنون معه أي قدر من السلامة، ولا يدرون معه ما يحمله الغد في العلاقة بين الطرفين.

التغير الجارف
لقد اختلف عمق الإحساس بالتغير داخل المجتمع الصيني من جماعة وطنية إلى أخرى، ولا زال وضع المسلمين الصينيين في هذا الجانب أقل من المأمول منهم بالنظر إلى مكانتهم التاريخية في بلادهم قياسا إلى الجماعات الدينية الأخرى، والواقعُ الحياتي دائمًا قاس في هذا الجانب، حيث يتجاوز من لا يجيد التأقلم معه، وبصورة مؤلمة أحيانا.

ولكن، لعل من حسن حظ الأقلية المسلمة في الصين أن التغير الواسع الذي جرى في البلاد قد نتجت عنه آثار ثقافية شملت مجموعات كبيرة من الشباب المسلم هناك تثقفوا بثقافة الدول ذات الأغلبية المسلمة وجامعاتها، وتأثروا بالتيارات الإسلامية المعتدلة العاملة في الساحة العالمية، وقدّموا رؤية براغماتية تؤمن بالتعاطي مع الدولة الصينية ونظامها السياسي العتيد، والاستفادة من أجواء الانفتاح السياسي النسبي والانفتاح الاقتصادي الواسع في البلاد لتحقيق مكاسب للأقلية المسلمة لا تتصادم مع أنظمة الدولة، خاصة في النواحي الاقتصادية والتعليمية، وتعطي المسلمين نصابهم المناسب للمشاركة في صناعة بلدهم: صين المستقبل.

ودعم ذلك أن الصين الاقتصادية الباحثة عن أسواق تستوعب السلع والتجار على السواء يهمها أن يشارك مسلمو بلادها في دعم العلاقات مع العالم العربي والإسلامي الذي يمثل كتلة سكانية ذات مستوى عال نسبيا من استهلاك منتجات ذات درجات متفاوتة من الجودة والثمن.

لقد كان التغير الصيني خلال العقود الأخيرة جارفا، ولم يمهل أحدا في الداخل، وربما لا يمهل أحدا في الخارج أيضًا، فإما التطور، وإما الانجراف الذي تفقد معه المجتمعات والدول، وليس الأفراد وحدهم، توازنها وقدرتها على البقاء.

وقد جاء التطور الإسلامي في الصين على ثلاثة محاور أساسية:
أولها: المحور الاقتصادي، ويبدو مشتركا بين أكثر القوميات والطوائف الصينية، ولعله هو الذي فتح الأبواب أمام التطور في المحاور الأخرى.

ثانيها: المحور الثقافي والإعلامي: وتجلى تطوره في حركة ترجمة فتية ومتصاعدة من العربية إلى الصينية، وأهمية هذه الترجمة هي أنها تصل العقل الإسلامي الصيني بأصوله، وتعرّضه للتأثر بالنشاط الفكري العريض الذي أنتجه العقل العربي الحديث.

ومما تُرجم أخيرا من العربية إلى الصينية: كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، ومكتوبات الشيخ أحمد الفاروقي السرهندي، ولا تحزن للدكتور عائض القرني الذي وُزِّع منه بين الصينيين قرابة ربع مليون نسخة، وقد سبقت ترجمة كتاب معالم في الطريق لسيد قطب، والشهادتان لمحمد الغزالي، وغير ذلك من المؤلفات العربية الفكرية والأدبية.

"
كان التغير الصيني خلال العقود الأخيرة جارفا، ولم يمهل أحدا في الداخل، وربما لا يمهل أحدا في الخارج أيضًا، فإما التطور، وإما الانجراف الذي تفقد معه المجتمعات والدول، وليس الأفراد وحدهم، توازنها وقدرتها على البقاء
"
كما اهتم مسلمو الصين بالتعريف بالإسلام باللغة الصينية عبرالإنترنت، فأنشؤوا بعض المواقع الضخمة لهذا الغرض، منها: موقع "إسلامك أون لاين دوت كوم"، وموقع "تو مسلم دوت كوم"، وغيرهما.

ثالثا: المحور التعليمي: ويظهر تطوره في اتساع القاعدة الطلابية للمسلمين الدارسين في الجامعات الصينية والمبتعثين للدراسة في الخارج، وكذلك مشاركتهم في هيئات التدريس الجامعي. كما اهتم المسلمون بتعلم اللغة الصينية الأم (لغة هان)، والتي كانت محل إهمال منهم في السابق.

وقد جاء هذا كله متساوقا مع النظم الجامعية التي غلب على الطلاب الصينيين الالتحاق بها بالخارج، مثل: جامعة الأزهر، والجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد، والجامعة الإسلامية في المدينة المنورة. ولعل هذا قد شارك في إنقاذ حركة الترجمة المذكورة بقدر كبير من التشويه الذي تعرضت له في بلد مثل إندونيسيا، حيث اختطلت الأفكار وتم التسويق لكثير منها باعتباره فكرا إسلاميا دون أن يكون كذلك.

ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى جهود الدولة والجماعات الإسلامية الباكستانية في الارتقاء بمسلمي الصين على خلفية العلاقات الودية العميقة بين الدولتين الحليفتين، وقد بدأ ذلك منذ تباشير الانفتاح الصيني أوائل الثمانينيات حين التقى الرئيس الباكستاني الأسبق محمد ضياء الحق بوفد الجمعية الإسلامية الصينية في إسلام آباد، وتبعت ذلك أعمال كثيرة كرعاية بعثات الحج الصينية، واستقبال مئات الطلاب الصينيين للدراسة في جامعات باكستان ومدارسها.

التنافس على الصين
ثمة تنافس ديني حثيث بين الإسلام والمسيحية على صين المستقبل، مما لا يخفى على المتابع القريب، فقد نتج عن الحكم الشيوعي فراغ ديني في صفوف الأكثرية المنتمية إلى الأديان الوثنية القديمة: الكونفوشيوسية والطاوية والبوذية، مما فتح المجال أمام كل من الإسلام والمسيحية لسد هذا الفراغ.

وثمة عوامل إيجابية تدعم كل طرف من المتنافسين في الساحة الصينية العريضة، فمن إيجابيات وضع المسيحية هناك أن توزعها وطبيعة ظهورها في الصين لا تتيح لها فرصة للانفصال عن كيان الدولة، في حين أن المسلمين حين يقع الضغط السياسي عليهم يجدون فرصا للانتفاض على الحكم الصيني من واقع توزعهم الجغرافي التكتلي المنتظم في البلاد.

كما تجد المسيحية في الصين دعما ماديا قويا قادما من الكنائس الغربية، وخاصة الفاتيكان، وتجد كذلك دعما سياسيا يأتيها من البلاد الغربية المهتمة بحقوق الإنسان بصورة جادة أو وظيفية.

"
ثمة تنافس ديني حثيث بين الإسلام والمسيحية على صين المستقبل، فقد نتج عن الحكم الشيوعي فراغ ديني, مما فتح المجال أمام كل من الإسلام والمسيحية لسد هذا الفراغ
"
لكن هذه المسيحية ارتبطت بالاستعمار، أو مثلت وجها من وجوه الغرب الذي تعرضت الصين الحديثة على يديه لكثير من الكوارث، مما أنشأ حواجز نفسية بينها وبين الشعب والدولة الصينية، ولعل هذه الحساسية أصبحت تمثل دافعًا للتحدي الصيني والاستمرار في خط الصعود والتفوق في جوانب متعددة (تصدر الصين منذ بضع سنوات تقريرًا سنويًا عن حقوق الإنسان في الولايات المتحدة ردًا على تقرير وزارة الخارجية الأميركية حول حقوق الإنسان في العالم).

وأما المسلمون الصينيون، فليسوا غرباء عن الوطن الصيني غربة المسيحية، إذ إن وجودهم في هذه البلاد أكثر تجذرا من الناحية التاريخية، حيث عُرف الإسلام في الصين منذ قرون طويلة، كما شارك المسلمون هناك خلال تاريخهم في الدفاع عن الصين واستقلالها وحريتها إلى جانب بقية العرقيات والطوائف الأخرى، وهم أيضًا لا يمثلون امتدادا لجهات مكروهة من عموم الصينيين كما هو حال المسيحية والغرب.

ومع هذه الاعتبارات كلها، فإن الزحف التنصيري على الصين يكسب إلى صفوفه آلاف الأشخاص كل عام، في حين ينضم إلى الإسلام المئات فقط من الصينيين، ولعل كاسب الرهان في هذا السباق على الصين سيُعرَف خلال نصف قرن من الآن.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك