علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


- ليست صاعقة في سماء صافية

- الاستيطان والعقبة الكأداء
- انتفاضة الأقصى والتحول النوعي
-انتفاضة الأقصى المغدورة

تمر هذه الأيام الذكرى العاشرة لاندلاع انتفاضة الأقصى الفلسطينية التي انطلقت شراراتها من باحة المسجد الأقصى في 28 سبتمبر/أيلول 2000، وهزت العالم وأعادت القضية الفلسطينية إلى موقعها الأساسي، وعادت معها مطالب الشعب الفلسطيني في فلسطين والشتات إلى الواجهة في الحرية والاستقلال وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم.

فأين أصبحنا من انتفاضة الأقصى، وهي الانتفاضة الكبرى الثانية للشعب الفلسطيني في عقدين متتاليين من الزمن، وما المآلات التي انتهت إليها بعد بحور الدماء التي نزفت على أرض فلسطين، وبعد استشهاد عدة آلاف من المواطنين ومن الكوادر العسكرية والسياسية ومن قيادات الصف الأول عند عموم الفصائل والقوى الفلسطينية؟

ليست صاعقة في سماء صافية
لم تكن انتفاضة الاستقلال الفلسطينية التي انبثقت خيوط إشعاعها فجر 28/9/2000 صاعقة في سماء صافية أو وليدة لحظتها، فقد جاءت بفعل تراكمات هائلة على امتداد سنين "تسوية مدريد" التي تماهت رويدا رويدا على أرض الصراع مع مشروع التسوية الأميركي الإسرائيلي، بعد أن وصلت "التسوية" على مسارها الفلسطيني الإسرائيلي إلى طريق مسدود.

وقد جاءت بعد أن اتضح للجميع أن صيغة مدريد "للتسوية" التي تأسست في العام 1991 لم تعد أصلا تعني الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التي استدارت وانقلبت حتى على "مبدأ الأرض مقابل السلام" الذي قبل به النظام الرسمي العربي تحت وطأة اختلال موازين القوى وحالة التردي العام، وأعادت إنتاج مبدأ جديد عنوانه "السلام مقابل السلام".

"
في انتفاضة الأقصى التي نعيش ذكراها السنوية العاشرة نزل الشعب الفلسطيني إلى الشارع وقال بقوة للذين اعتقدوا أنه استكان، إنه لا شيء يمكن أن يمر من وراء ظهره وعلى حساب حقوقه الأساسية
"
ووصلت الأمور بها إلى المطالبة بالتطبيع العربي الشامل معها، بل والإسلامي مقابل ما يسمى "تجميد الاستيطان" مع إصرارها على مطلب الاعتراف بما يسمى "يهودية إسرائيل"، في إشارة واضحة تفضح مدى الطابع العنصري للكيان الصهيوني العبري فوق أرض فلسطين العربية.

كما جاءت لحظات اشتعال الانتفاضة الكبرى الثانية بعد انفضاض قمة كامب ديفيد الثانية (يوليو/تموز 2000) التي جمعت الوفود الثلاثة الأميركية الإسرائيلية الفلسطينية، حين عملت الإدارة الأميركية على محاولة تمرير مشاريع تصفية عناصر القضية الفلسطينية عبر المقايضة عليها وعلى حق العودة بوجه خاص.

وذلك من خلال إعلان اعتراف إسرائيل بـ"الكيان الفلسطيني" الموعود حال إعلان قيامه، مقابل تعويضات مالية تغطى من المجتمع الدولي، ومقابل ضم 10% من الضفة (الكتل الاستيطانية) فورا لدولة الاحتلال، وتقزيم قضية القدس، ومبادلة أراض من الضفة الغربية وغور الأردن.

لكن أوراق قمة كامب ديفيد الثانية تكسرت تحت وطأة قوة الشارع الفلسطيني الذي خرج إلى ميدان الانتفاضة التي هزت العالم بأسره، وأظهرت الاستعداد الكفاحي العالي لديه.

وقد انتهت قمة كامب ديفيد الثانية الماراثونية المطولة بمؤتمر صحفي ظهرت من خلاله الحيرة وعدم الارتياح على قسمات وجه الرئيس الأميركي بيل كلينتون، الذي أراد ومعه الإدارة الديمقراطية الأميركية أن تنتهي قمة كامب ديفيد الثانية بأشياء أكثر ملموسية، بل وباختراق يشبه إلى حد ما بمفعوله وأثره الصاعق ما فعلته قمة كامب ديفيد الأولى قبل أكثر من عقدين من الزمن.

وعليه، ففي انتفاضة الأقصى التي نعيش ذكراها السنوية العاشرة نزل الشعب الفلسطيني إلى الشارع وقال بقوة للذين اعتقدوا بأنه استكان، إنه لا شيء يمكن أن يمر من وراء ظهره وعلى حساب حقوقه الأساسية، وإن مشاريع دولة الاحتلال ستلقى المصير نفسه في ظل عملية الصمود الفلسطيني، وستصطدم بجدار الصمود الفلسطيني الشعبي.

الاستيطان والعقبة الكأداء
إن تراكمات المرحلة الممتدة من مؤتمر مدريد إلى حين انفضاض قمة كامب ديفيد الثانية في يوليو/تموز 2000، هيأت التربة التي أسست لانطلاق شرارات انتفاضة الأقصى في الوضع الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1967 وحتى داخل المناطق المحتلة عام 1948.

ففي مسار التسوية السياسية المختلة التي لم تشفع للأرض الفلسطينية المحتلة ولم تحمها أو ترحمها من بطش المصادرة والتهويد، تواصلت عمليات الاستيطان ومصادرة الأرض ونهبها.

فكانت الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 على الدوام هدفا إستراتيجيا لمشاريع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بعد مدريد 1991، خصوصا في منطقة القدس ومحيطها، حيث لم تهدأ جرافات الاحتلال عن نهب الأرض والتهامها، كما التهم جدار الفصل العنصري مساحات كبرى منها (بحدود 13%)، إضافة لفرض السطوة الإسرائيلية الكاملة على مناطق الأغوار واعتبارها خارج إطار العملية التفاوضية لمنع أي تواصل بين الكيان الفلسطيني المفترض والأردن المجاور.

وفي هذا الصدد تشير العديد من المراكز البحثية المعنية إلى أن أكثر سلطات الاحتلال صادرت أو استولت على أكثر من 600 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية ومحيط مدينة القدس المحتلة منذ مؤتمر مدريد نهاية العام 1991 وإلى حينه.

كما كانت عموم الضفة الغربية مسرحا لاعتداءات يومية للاحتلال ومستوطنيه، من عمليات توغل وحملات اعتقال ومصادرة أراضٍ، في وقت يواجه فيه أهالي غزة أسوأ أزمة إنسانية نتيجة للحروب والعمليات العسكرية المتلاحقة ضدهم، إضافة إلى الحصار الأخير الذي جعل من قطاع غزة أكبر معتقل للبشر في العالم.

"
انتفاضة الأقصى الفلسطينية شكلت نقطة انعطاف بارزة وتحولا نوعيا في مسار المشروع الوطني الفلسطيني، حيث أظهر فيها شعب فلسطين احتياطيا هائلا من الشجاعة والجرأة والإقدام والاستعداد للتضحية من أجل حرية الوطن
"
أما القدس فما زالت تواجه مصيرها وحيدة في ظل حملة تهويدية شرسة، تنذر بابتلاعها في وقت ليس ببعيد، في ظل استمرار خطط الاستيطان وهدم المنازل وتغيير التوازنات الديموغرافية فيها، ومساعي المؤسسة الإسرائيلية الرسمية لتحويل المدينة المحتلة إلى مدينة توراتية.

وعليه، جاءت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الثانية التي نعيش الآن عامها العاشر ردا مباشرا على استمرار الاحتلال وعمليات نهب الأرض وتهويدها من جانب، وعلى تسوية أوسلو واستنساخاتها من جانب آخر (اتفاق أوسلو الأول 13/9/1993، اتفاقية الحكم الذاتي لغزة وأريحا 4/5/1994، اتفاق أوسلو الثاني لتوسيع نطاق الحكم الذاتي 28/9/1995، واتفاقية واي بلانتيشين لترتيب انسحاب إسرائيل من 13% من أراضي الضفة الغربية 23/11/1998، وصولا إلى مفاوضات كامب ديفيد في يوليو/تموز 2000، وطابا 2001).

وقد قزمت هذه التسوية الحقوق الوطنية الفلسطينية إلى ما هو أدنى من قرارات الشرعية الدولية التي قبلها الشعب الفلسطيني رغم الإجحاف الكبير الذي تحمله في طياتها، فكان من المنطقي أن تصل التسوية الراهنة إلى عنق الزجاجة كنتيجة مباشرة للتصادم بين البرنامج الائتلافي الوطني الفلسطيني المستند لقرارات الشرعية الدولية وبرنامج التسوية الصهيوني للحل الدائم، وهو البرنامج القائم تحت سقف معادلة قوة البارود والنار.

انتفاضة الأقصى والتحول النوعي
إن انتفاضة الأقصى الفلسطينية شكلت نقطة انعطاف بارزة وتحولا نوعيا في مسار المشروع الوطني الفلسطيني، حيث أظهر فيها شعب فلسطين احتياطيا هائلا من الشجاعة والجرأة والإقدام والاستعداد للتضحية من أجل حرية الوطن الفلسطيني، فرفض الفلسطينيون بشجاعة واقتدار الحلول المجزوءة المبسترة للصراع التي قدمتها إسرائيل في مفاوضات كامب ديفيد الثانية في يوليو/تموز 2000.

ودفعوا مقابل هذا الرفض المزيد من الدماء السخية، بما في ذلك محاصرة الرئيس ياسر عرفات في مقره في المقاطعة في قلب مدينة رام الله ومن ثم رحيله الغامض، واستشهاد الآلاف من المواطنين من الكوادر السياسية والعسكرية من الذين استهدفتهم عمليات الاغتيال الإسرائيلية على نطاق واسع، في ظل صمت دولي مريب ساعدت على صنعه الإدارة الأميركية.

فانتفاضة الأقصى الفلسطينية تخللتها أحداث جسام تمثلت في اغتيالات قادة من المقاومة، على رأسهم الرئيس الشهيد ياسر عرفات والشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الشهيد أبو علي مصطفى والمئات من القادة السياسيين والميدانيين، إضافة لشن حرب غير متكافئة على المخيمات والتجمعات الفلسطينية المختلفة من مخيم جنين وصولا إلى المخيمات الواقعة على أطراف قطاع غزة في شماله وجنوبه في رفح وخان يونس وجباليا وغيرها.

وكان ذلك في وقت اعتقد فيه الإسرائيليون أن الحركة الوطنية التحررية للشعب الفلسطيني قد أخمدت، وأن الشعب الفلسطيني استكان تحت طبقات من اليأس والتراجع المتكرر الناجم عن الاتفاقات البائسة المتلاحقة وسياسات البطش والابتزاز الإسرائيلية، والتدهور العام في الأوضاع الحياتية للناس في الأرض المحتلة عام 1967، واستمرار تفكك وتراجع الوضع العربي المحيط.

ولعل تحرك الشارع العربي الهائل والعظيم في كل مكان مع انفجار وتصاعد انتفاضة الأقصى والاستقلال شكل عنصرا جديدا وهاما في الوضع الذي استجد بعيد انطلاقة الانتفاضة الكبرى الثانية، بعد أعوام طويلة من الانقسامات في طول الساحة العربية وعرضها.

وفي انتفاضة الأقصى والاستقلال، حقق الفسطينيون نتائج مذهلة كرستها وصنعتها تضحيات دماء أبنائهم على أرض القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وداخل الأراضي المحتلة عام 1948 عندما نهضت جماهير الشعب الفلسطيني داخل إسرائيل في الجليل والمثلث والنقب والساحل لإسناد نضال وكفاح أبناء شعبهم في المناطق المحتلة عام 1967 فسقط منهم 13 شهيدا برصاص الاحتلال مازالت دماؤهم شاهدا وعلامة فارقة في قتل الدولة لمواطنيها.

"
الخيار الحقيقي أمام الفلسطينيين هو خيار ديمومة الفعل والتأثير في الساحة الدولية وديمومة المقاومة بكل أشكالها الممكنة وإعادة طرح القضايا الفلسطينية على طاولة البحث الجاد، إضافة إلى الإسراع بحل التباينات الداخلية خصوصا بين حركتي حماس وفتح
"
فالفلسطينيون داخل مناطق 1948 مواطنون إسرائيليون بالجنسية، لكن الدولة التي يحملون جنسيتها وتدعي احترامها لحقوقهم القومية، اضطهدتهم وقتلت 13 منهم لمجرد قيامهم بفعاليات تضامنية مع أبناء شعبهم داخل المناطق المحتلة عام 1967.

إن انتفاضة الأقصى التي نعيش ذكراها العاشرة تميزت بتجلياتها التي اختلفت نوعيا وكميا عن تجليات الانتفاضة الكبرى الأولى بين أعوام 1987-1993 تبعا للظروف والمعطيات التي رافقت كلتا الانتفاضتين.

ولعل من نتائج القفزة الانتقالية النوعية التي تحققت في الانتقال من الانتفاضة الأولى إلى الثانية ما يفسر اتساع دائرة العنف الدموي الإسرائيلي، وارتفاع منسوب القمع الفاشي مترافقا مع الاستخدام الواسع لكل أدوات وتكنولوجيا الحرب المتطورة ضد شعب أعزل يقاتل بجلده وأظافره وبسلاح الإضراب الجماهيري الديمقراطي، مترافقا مع المقاومة العنفية الفدائية النوعية ضد قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين الجاثمين فوق الأرض المحتلة عام 1967.

انتفاضة الأقصى المغدورة
أخيرا، إن انتفاضة الأقصى الفلسطينية التي نعيش ذكراها العاشرة تعرضت لحملات القمع والبطش الدموي المنفلت على يد جيش الاحتلال، كما تعرضت لعمليات الغدر السياسي التي أريد منها وأدها وتسميم حصادها.

وقد استغلت الإدارة الأميركية ودولة إسرائيل أحداث سبتمبر/أيلول التي ضربت برجي التجارة في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن لتحريض وتأليب العالم كله على الشعوب الإسلامية، ومنها الشعب الفلسطيني وانتفاضته الصاعدة.

كما جاءت تحولات الملف العراقي في حينها لتلقي بظلالها أيضا على الانتفاضة الفلسطينية التي باتت آنذاك مطوقة تماما، خصوصا وأن الأوضاع العربية الرسمية ارتدت وتراجعت تحت ثقل التحولات الدولية، رغم أن الشارع العربي والعالمي كان قد هب في وقفة نادرة إلى جانب الشعب الفلسطيني وانتفاضته.

ومع هذا فإن دروس وعبر انتفاضة الأقصى الفلسطينية تشير بوضوح صارخ إلى أن الخيار الحقيقي أمام الفلسطينيين هو خيار ديمومة الفعل والتأثير في الساحة الدولية وديمومة المقاومة بكل أشكالها الممكنة وإعادة طرح القضايا الفلسطينية على طاولة البحث الجاد، إضافة إلى الإسراع بحل التباينات الداخلية خصوصا بين حركتي حماس وفتح واستكمال الحوار الوطني الفلسطيني، والسير قدما تجاه إصلاح الذات الفلسطينية وتوحيد أدوات الفعل المؤثرة.

فخيارات الفلسطينيين العادلة واقعية، لكنها تحتاج إلى وحدة البرنامج وأدواته ووحدة الإرادة، بدلا من المراوحة في المكان، والانزلاق نحو هاوية المزيد من التردي الداخلي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك