عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني


فوجئ مذيع إحدى المحطات التلفزيونية عندما قلت له في إحدى المقابلات إن السلطة الفلسطينية تؤيد الاستيطان، وإن ما أسمعه في الإعلام لا يعنيني بقدر ما يعنيني ما أراه على الأرض، وكان واضحا أن ترتيب أسئلته قد أصيب بإرباك، واضطر إلى أن يبحث معي في هذا الرأي.

لم يكن من المتوقع أن يستسلم المذيع لرأيي لأن وسائل الإعلام تضج بالأخبار عن المفاوضات، وعن الاستيطان كنشاط صهيوني يعرقل الاستمرار في التفاوض، وربما رأى في هذا الرأي اتهاما غير موزون، أو دربا من دروب تشويه صورة السلطة الفلسطينية.

ما زلت عند هذا الرأي، وفيما يلي حججي:
أولا- تشويه الحقائق في الساحة العربية، إذ ليس من الذكاء أن يأخذ المرء الأخبار عن الساحة الفلسطينية بجد ويعتبرها صحيحة لأن الكثير منها ليس دقيقا ويهتم فقط بإيراد الخبر دون الرجوع إلى الخلفيات أو الجدل المنطقي الذي يحكمه.

وأغلب الناس يتأثرون بالخبر حتى لو لم يكن ناجما عن حدث، ويقعون في مطبات الخبر اليومي الذي لا يستند إلى تحليل أو جدل علمي.

وهنا أقدم أمثلة.. ألقى زعيم عربي ذات مرة خطابا في مؤتمر القمة العربي، دعا فيه إلى تجاوز الخلافات العربية والمصالحة لكي يدخل العرب في عهد جديد.

"
إسرائيل لا تهتم بالمفاوضات التي تتعلق بحقوق عربية، وهي تصل غايتها فقط عندما يلتزم الجانب العربي بأمنها وبملاحقة المواطنين العرب الذين يريدون المقاومة أو تسول لهم أنفسهم بها
"
تحدثت وسائل الإعلام عن الخطاب لأكثر من شهر، وأوسعت وسائل إعلام أخرى في تحليل الخطاب والإشادة به وبحكمة القائد العظيم، لكنها جميعها لم تتحدث عن أن هذا القائد لا يملك إرادة سياسية حرة، وليس بمقدوره أن يقوم بالمصالحات الفعلية بدون موافقة أميركا. ولا غرابة بعد ذلك أن المصالحات لم تتم، واستمرت المشادات بين الأنظمة العربية.

ومثال آخر يتعلق بمفاوضات كامب ديفد عام 2000 التي تحدث عنها الإعلام بإسهاب، وتحدث عنها الفلسطينيون المؤيدون للسلطة باستفاضة على اعتبارها مثلا لصمود القيادة الفلسطينية وتمسكها بالثوابت الفلسطينية.

لم تقدم أي وسيلة إعلام وثيقة واحدة حول تلك المفاوضات، ولا حول ما تم طرحه على عرفات، أو ما تم رفضه من قبله.. كلها كانت أحاديث إعلامية غير مستندة إلى معلومات موثقة، وتبين فيما بعد أنه لم تجر مفاوضات على مدى نحو أسبوعين، وأن الأطراف لم تجلس معا لأكثر من ساعة من الزمن في جلسة غير تفاوضية.

ومثال ثالث يتعلق بذلك القائد الفلسطيني الذي كان خارجا من خمارة في بيروت وصرح بأن منظمة التحرير الفلسطينية ستدمر المصالح الأميركية في الخليج.. اشتعل الإعلام وقتها بردود الفعل بينما كان القائد مخمورا، ولم تكن أصلا لديه القدرة على التدمير.

المعنى أن الساحة العربية ليست ساحة ديمقراطية، والبحث العلمي لا يتمتع بحرية في الوصول إلى المعلومات، والعربي يتعرض لكثير من التضليل والكذب من قادته ومن وسائل الإعلام، وعلى المرء أن يطور قدرات كبيرة من أجل تحصين نفسه من غسيل الدماغ والتشويهات التي يتعرض لها.

لا الإعلام الفلسطيني ولا القيادات الفلسطينية مستثناة من هذه الظاهرة، وأكبر دليل على ذلك أن مختلف الشعارات التي تم رفعها من قبل القيادات عبر حقب متعددة من تاريخ القضية الفلسطينية قد تهاوت، وأن كل الزمجرة والتظاهر بالرجولة التي رافقتها لم تكن سوى فقاعات تلاشت.

ثانيا- التفاوض في ظل الاستيطان، فالسلطة الفلسطينية تفاوض منذ عام 1994 والاستيطان لم يتوقف.

لقد ارتفعت أصوات فلسطينية وعربية وإسلامية ومن الغرب أيضا تقول إن الاستيطان يأكل الأرض ولا يترك مجالا لإقامة دولة فلسطينية، وإن التفاوض يفقد معناه ومضمونه، لكن السلطة الفلسطينية لم تتوقف عن التفاوض، واكتفت بتصريحات مفادها أن الاستيطان يؤثر سلبا على المفاوضات. والذي يستمر في التفاوض تحت حراب الاستيطان لا يستطيع تبرئة نفسه من تهمة تأييد الاستيطان.

لم تختلف السلطة الفلسطينية في موقفها عبر سنوات طويلة عن الموقف الأميركي الذي طالما ردد بأن الاستيطان يشكل عقبة في طريق السلام، ولم يتطور إلى إجراء عملي يرغم إسرائيل على وقف الاستيطان. الاستيطان استمر في ظل مختلف الحكومات الصهيونية، واستمرت المفاوضات.

ثالثا- أوباما ورّط الجانب الفلسطيني، إذ لم تعلن السلطة الفلسطينية أنها لن تفاوض إلا إذا تم تجميد الاستيطان تماما، إلا بعدما أعلن الرئيس الأميركي أوباما معارضته للاستيطان في خطابه الشهير بجامعة القاهرة، وكأن السلطة أرادت أن تلحق بركب أوباما الذي ظنت أنه سيكون قادرا على وقف الاستيطان، أي أن المسألة كانت عبارة عن انتهاز فرصة حتى لا تبدو السلطة في موقف دون الموقف الأميركي من الاستيطان.

وقد كان رأيي منذ البدء أن أوباما لن يصمد عند أقواله، وأن السلطة الفلسطينية ستعود إلى المفاوضات دون أن يتوقف الاستيطان.

رابعا- استمرار الاستيطان المجمد، فالاستيطان الصهيوني في القدس ومجمل الضفة الغربية لم يتوقف إطلاقا بعد إعلان رئيس وزراء إسرائيل عن تجميده. فقد استمر بناء الوحدات السكنية الجديدة في مختلف مناطق الضفة الغربية، وكان النشاط الاستيطاني ظاهرا للناس عموما خاصة أمام الذين يمرون قرب المستوطنات الصهيونية.

ورغم ذلك، عادت السلطة إلى المفاوضات غير المباشرة ومن ثم إلى المفاوضات المباشرة. ويبدو أن مسألة ربط المفاوضات بتجميد الاستيطان عبارة عن دجل سياسي وتضليل لأن التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل لم يتوقف.

"
فلسفة التفاوض الفلسطينية لا تحيد عن استمرار التفاوض، وإذا كان للاستيطان أن يستمر، فإن الفشل لا يعني وقف التفاوض
"
خامسا-
أهم نقطة في كل الاتفاقيات مع إسرائيل وفي التطبيقات العملية على الأرض، هي التنسيق الأمني الذي يلتزم بموجبه الجانب الفلسطيني بملاحقة الإرهاب والإرهابيين، ويلتزم بمتطلبات الأمن الإسرائيلي.

التنسيق الأمني هو المقياس الحقيقي لمدى التزام السلطة بالمطالب الإسرائيلية، وهو الذي يرتبط به وجودها وتدفق الأموال إليها، وهذا هو مربط الفرس بالنسبة لإسرائيل عند توقيعها لأي اتفاق مع أي جهة عربية، وهي ليست مستعدة للتوقيع ما لم يلتزم الجانب العربي بالوقوف حارسا على بواباتها.

إسرائيل لا تهتم بالمفاوضات التي تتعلق بحقوق عربية، وهي تصل غايتها فقط عندما يلتزم الجانب العربي بأمنها وبملاحقة المواطنين العرب الذين يريدون المقاومة أو تسول لهم أنفسهم بها. ولهذا لا ترى إسرائيل في المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة مع الجانب الفلسطيني إلا وسيلة لاستهلاك الوقت وإيهام الفلسطينيين بأنها يمكن أن تقدم لهم شيئا في يوم ما.

وعليه فإن جدية الجانب الفلسطيني تجاه الاستيطان لا تتجلى إلا إذا أوقف التنسيق الأمني، ولا جدية هناك أو فائدة من وقف المفاوضات مع استمرار التنسيق الأمني. وقف المفاوضات مع استمرار التنسيق الأمني عبارة عن تضليل للشعب الفلسطيني، وإيهام لكل العرب والمسلمين بأن السلطة الفلسطينية ضد الاستيطان.

لا قيمة لوقف المفاوضات ما دامت الأجهزة الأمنية الفلسطينية تعتقل الفلسطينيين بسبب علاقتهم بالمقاومة أو بسبب نواياهم، وكل الحديث ضد الاستيطان في مثل هذا الوضع لا يمكن أن يكون مقنعا، خاصة عندما يشاهد المرء أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية تعمل ضد ما من شأنه أن يقض مضجع المستوطنين.

سادسا- الأمن مقابل الخبز، فمنذ عام 1994 والسلطة الفلسطينية تدور في حلقة واحدة هي مفاوضات جوهرية حول أمن إسرائيل مقابل مفاوضات حول حقوق معيشية للشعب الفلسطيني.

صحيح أنه تم التطرق أحيانا للحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، لكن ذلك كان هامشيا، وبقي جوهر المفاوضات يدور حول رواتب الموظفين، أو رفع حواجز أو إفراج عن معتقلين، أو فتح المجال أمام العمال الفلسطينيين للعمل في إسرائيل.

حتى الحقوق الوطنية الثابتة المتمثلة فقط في ثابتين هما حق العودة وحق تقرير المصير، لم تحظ بجدية من قبل السلطة الفلسطينية التي ركزت في الأساس على إقامة دولة. ومن المعروف أن إقامة دولة ليست من الحقوق الثابتة على اعتبار أنها خيار فلسطيني خاص يتمخض عنه حق تقرير المصير.

لم تسع السلطة الفلسطينية منذ عام 1994 إلى تحرير الشعب الفلسطيني من استعباد الدول المانحة المالي للشعب الفلسطيني، وأبقت الشعب -وخاصة الموظفين الحكوميين- معلقين بذيل الدول المانحة التي تأتمر في النهاية بأوامر أميركا وإسرائيل. ومن يتعلق بذيل أموال عدوه لا يمكن أن يكون مناهضا لسياسات هذا العدو وعلى رأسها الاستيطان.

السلطة الفلسطينية تقول إنها ضد الاستيطان وهي تملك خيارات للتفاوض، وتشرح بأن خيارها هو الذهاب إلى مجلس الأمن لفك الأزمة.

خيار لا شك أنه ساذج إذا كان حسن النية لأن أميركا تشكل محورا أساسيا في المجلس وهي تملك حق النقض، أي أن الهروب من أميركا إلى مجلس الأمن عبارة عن ارتماء في الحضن الأميركي.

"
الحديث ضد الاستيطان ضمن معطيات الهزيمة والخنوع لا طائل منه ولا جدوى، ولا يعني إلا شيئا واحد هو أن السلطة الفلسطينية تؤيد الاستيطان عمليا وترفضه إعلاميا
"
الخيارات الحقيقية لا تدور ضمن الخيار الوحيد الذي عبر عنه رئيس السلطة الفلسطينية وكبير مفاوضيه، وإنما يكون من خارجه. الخيار الذي يدور ضمن الدائرة ليس خيارا، وإنما هو عبارة عن التفاف للعودة إلى ذات الدائرة.

وعلى أي حال، قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس إنه سيفاوض إن فشلت المفاوضات، وسيفاوض إن فشل الفشل، وسيفاوض إن فشِل فشَل الفشَل، وكبير مفاوضيه كتب أن الحياة مفاوضات.

لم يحصل في التاريخ الإنساني أن أصبحت المفاوضات منهج حياة بدل أن تكون أداة أو آلية إلا لدى فلاسفة السياسة الفلسطينيين.

المعنى أن فلسفة التفاوض الفلسطينية لا تحيد عن استمرار التفاوض، وإذا كان للاستيطان أن يستمر، فإن الفشل لا يعني وقف التفاوض.

وقد ظهرت بعض الأنظمة العربية على الشاشة كثيرا في مسألة العودة إلى المفاوضات غير المباشرة والمباشرة، والسبب أن الأميركيين والفلسطينيين والإسرائيليين كانوا بحاجة إلى عملية إخراج للفلسطينيين من توريط أنفسهم بإعلان وقف التفاوض.

لم يكن من المناسب أن يبلع المسؤولون الفلسطينيون كلامهم بدون زفة من نوع ما تجعلهم يظهرون على أنهم متعاونون مع الآخرين وليسوا متصلبين، وكانت الأنظمة العربية هي أداة توفير غطاء العودة.

البعد العربي ليس بعدا للرهان من أجل مستقبل الأمة العربية، وهو في العادة يتم استخدامه لتمرير رزنامات أو برامج خارجية، ذلك أن أغلب الأنظمة العربية منصبة من قبل الغير ولا تملك إرادة سياسية حرة، ولا تستطيع أن تقرر لنفسها بنفسها.

السلطة الفلسطينية تهدد بوقف المفاوضات إذا عاد نتنياهو إلى الاستيطان.. ستقف المفاوضات ولكن إلى حين، وستعود ما دام الوضع الفلسطيني على ما هو عليه من ضعف وخنوع وتسليم.

وإذا لم تتم العودة إلى المفاوضات بسرعة فإن التنسيق الأمني سيستمر وسيستمر معه الاستيطان. إسرائيل لا تريد أكثر مما عليه الأمور الآن، وإذا كان هناك ما يشغلها، فبالتأكيد ليس السلطة الفلسطينية.

من لا يريد أن يفاوض، عليه أن يقوم بخطوات عملية لإثبات مواقفه مثل: وقف التنسيق الأمني وتغيير التحالفات واستبدال جهات التمويل وتغيير الأوضاع الداخلية بما فيها الوزارة وإدارات المؤسسات وإطلاق يد المقاومة والعودة بالأمور إلى وحدة وطنية فلسطينية على قاعدة التحرير.

أما الحديث ضد الاستيطان ضمن معطيات الهزيمة والخنوع فلا طائل منه ولا جدوى، ولا يعني إلا شيئا واحد هو أن السلطة الفلسطينية تؤيد الاستيطان عمليا وترفضه إعلاميا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك