فيوليت داغر

فيوليت داغر

ولدت فيوليت داغر في تنورين- لبنان في منتصف الخمسينيات وتعيش في فرنسا منذ أكثر من ثلاثة عقود، وهي متزوجة ولها ابنة.


يشهد العالم الغربي في بدايات الألفية الثالثة ظهور سلوكيات التعصب والتطرف ومظاهر العنصرية بشكل أكثر وضوحا، لا بل عودة إلى مبادئ الفاشية التي صعدت في أوروبا مطلع ثلاثينيات القرن الماضي.

فمع إمساك المحافظين الجدد واليمين الأميركي بمفاتيح السيطرة على توجهات العالم بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001، كان لنا أن نشهد اتساعا لرقعة المتبنين لخطاب اليمين المتطرف الأوروبي وتلوث الوعي كمن أصيب بوباء معدٍ.

هذا الخطاب الذي استطاع الولوج إلى أوساط يمينية كانت معروفة تاريخيا باحترام القيم الأساسية الدستورية السائدة، جسّد نفسه في عمل ممنهج لأحزابها لفرض قراءتها على الواقع السياسي وإدارة الشأن العام، لكن بطريقة مخالفة للنسق الذي تقوم عليه قيم العلمانية والديمقراطية، ولو أنها استفادت من الآليات الانتخابية الديمقراطية لركوب موجة التطرف وتجميع الأصوات والوصول إلى السلطة أو إدامتها ما أمكن.

مبادئ وقيم عصر التنوير التي قام عليها المجتمع الغربي، والتي تجسد بعضها بالثورة الفرنسية وبعضها الآخر بتأصيل مجموعة من الحريات والحقوق في المجتمع الأوروبي، هي ما يرفضه هؤلاء الفاشيون الجدد.

ومناداة قوى التقدم والحركة المدنية والحقوقية بالتعددية والإخاء والمساواة بين البشر والعدالة الاجتماعية والحكم الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان، ليست في نظرهم سوى تعبير عن الضعف ومضيعة للوقت.

كما أن هناك رفضا للعقلانية عند هذه الشريحة الاجتماعية وتغليبا للتعبيرات الغريزية ولاندفاعة الطاقة الحيوية، فما امتزاج الثقافات والأجناس إلا بمثابة إبادة جماعية لخصائل الذات المتفوقة.

"
بتنا نرى تحالفا قويا بين الفاشيين الأوروبيين ولوبيات الضغط الصهيونية ضد الإسلام والمسلمين الذين يصوَّرون باعتبارهم مصدر الشر وسبب البلاء
"
وحيث إن الغريب عنصر ضعف في جسد الأمم يؤثر على تماسك الجماعة، فالمناداة بتطهير الأمة من العناصر الغريبة عنها أمر مشروع. أما الفرد فليس هو الأساس، وإنما الأمة القوية القادرة على حماية الشعب، بحيث يمكن التضحية بالفرد للحفاظ على الأمة.

لذا يجب البحث عن قائدها التاريخي الذي هو بمثابة الأب الروحي والمثل الأعلى وممثل السلطة الأمثل والصنم الذي يقدس ويهاب بأسه ولا يرد أمره.

وهو يمكن أن يكون ذلك "القبضاي" بالعامية أو "الأزعر" الذي لا يهاب الوغى، كما يمكن أن يكون عميلا مأجورا وأن يتحول إلى قاتل إن اقتضى الأمر.. عليه أن يبرهن أنه يحتل مكانته بجدارة كي يضمن رص الصفوف وراءه وتحوّل الجموع إلى مدافعين عن الأمة.

تكثف المقاربات النفسية الاجتماعية والأنثروبولوجية مجالات العنصرية في ستة تعبيرات، بدءا من المعرفة التبسيطية القائلة بأن البشر ينقسمون إلى أعراق عدة يحمل كل منها مواصفات متوارثة، انتقالا إلى العلوم الإنسانية وجعلها علوما طبيعية للأعراق، أو إلى نطاق الأيدولوجيا التي يتم بموجبها إخضاع العمل السياسي لأمثولة عنصرية، أو إلى إدخال الأساطير الحديثة، مرورا بتقنيات جديدة وعلموية تحمل وعودا بالخلاص، كالعودة إلى طوباويات ضائعة والحنين إلى عرق مفقود أو رسم تصورات مستقبلية كمولد عرق وإنسان جديد.

في الحياة اليومية، تتجسد العنصرية في الاستهداف الكلامي والتمييز في التفاصيل (توقيف البوليس لشخص على أساس لونه أو شكله أو ملبسه، رفض التوظيف بسبب الاسم الأجنبي..)، وتجنب أو رفض التعامل مع المختلف، والاعتداء الفيزيائي المباشر أو الاعتداء الرمزي (على مقبرة أو مكان عبادة أو مركز ثقافي)، وصولا إلى التعديات والإجراءات الجماعية ضد جماعة قد تصل إلى المناداة بالتخلص منها أو القضاء عليها.

لقد تعزز امتداد هذه الظاهرة في أوروبا مع ارتفاع منسوب الأزمات المتلاحقة والتورط بشكل أكبر في مناطق النزاع المسلح في العالم الإسلامي، فبان تأثيرها في صفوف شرائح اجتماعية دنيا، تتشبع بالخوف من الغد والبطالة والتهميش، وتحوّل قلقها نحو الآخر المختلف الأجنبي و"كل من ليس معنا ومنّا". لكن خطرها ازداد مع توجهها نحو بث أفكارها عبر التعليم والإعلام والتربية الأيدولوجية الصارمة.

والأزمة الاقتصادية وتبعاتها ليست وحدها ما يلقي بثقله على التكوين الأيدولوجي للشخصية العنصرية، فهناك عناصر اجتماعية نفسية من تفكك أسري وغربة عن المجتمع وخواء فكري وفراغ عاطفي وغيرها.

فالتخلص من العار والمعاناة التي تعْلق بطفولة هذه الجماعات أو مما هو غير مقبول في الذات ومستقر في اللاوعي، يرمى على من هم في موقع أضعف منهم، حتى لو كانوا لا يختلفون كثيرا عنهم وينتمون لنفس العرق أو الدين أو اللون، مما يفسح المجال لظهور سلوكيات من نوع الدفاع الأعمى عن الهوية وإثبات الذات، والتمركز حول الجماعة، ومناصبة العداء للأيدولوجيات المخالفة، وتفصيل العدو على المقاس مع تحميله وزر ما آل إليه وضعه.

هذا الأمر يجعل من هذه الشرائح قوى كامنة لعنف يتحين الفرصة للتعبير عن نفسه عبر لعبة "شد الكباش" مع الأطراف والاتجاهات المغايرة، وإن كانت هذه الآليات النفسية لا تقتصر على فئة بشرية أو شعب بعينه وتختلف درجتها وحدّة تعبيراتها من شخص أو زمن لآخر، فالقوى الظلامية والأيدولوجيات المتطرفة تلجأ إلى كل الأساليب المتاحة أو غير المعهودة والالتفافية لتسجل انتصاراتها.

وأحيانا يتم ذلك من حيث لا نتوقع، وقد يكون على يد مصابين بالخبل أو وصوليين مهووسين يشغلون المشهد السياسي الأمامي، وإن كان من يحركهم ويرسم توجهاتهم هم أصحاب النفوذ الفعلي ضمن جوقة تحالف المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية والجيوستراتيجية.

أوروبا التي كانت المسرح الرئيسي للحرب العالمية الثانية وخسرت ما يزيد عن ستين مليون نفس وسويت بعض مدنها بالأرض، كان ذلك لحد كبير من فعل هذا النوع من النماذج الذين جعلوا من هتلر وموسوليني وستالين وغيرهم أصناما.

لكن الذاكرة قصيرة وشريحة من الأوروبيين على الأقل تبدو كأنها نسيت هذا الزمن أو لم تكتو بناره أو لم تدرس تاريخها وتستنبط حكم التاريخ، فتأتي اليوم لترفع لافتة التطرف والعنصرية، بحيث باتت تعابير الفاشية الجديدة تنتشر بأسرع مما يمكن أن يتصوره مجتمع متقدم تقنيا ومفهوميا واقتصاديا.

"
القوانين الاستثنائية التي تتتابع متجاوزة التوجهات الأوروبية، لا تقتل الحريات وتجهز على مبادئ وقيم الجمهورية فقط، وإنما تحوّل الأنظار بالأخص عن مشاريع القوانين التي تضرب حقوق العمال والكادحين
"
وللأسف، عدد ممن كان بالأمس ضحية هذا الطاعون يبدو اليوم كأنه الشريك في الجريمة أو الموجه لها ضد أقليات محددة يُخشى تشكلها كجاليات سياسية ومدنية قادرة على الدفاع عن حقوقها، لتكون كبش المحرقة والضحية الفضلى.

بتنا نرى تحالفا قويا بين الفاشيين الأوروبيين وبين لوبيات الضغط الصهيونية ضد الإسلام والمسلمين الذين يصوَّرون باعتبارهم مصدر الشر وسبب البلاء.

فتتسلط الأضواء عليهم في كل مرة عبر مدخل جديد لا يرقى إلى أكثر من تفصيل، لكن الجزء يعمم على الكل وتجرد الصورة من تفاصيلها ليُجتزأ المشهد إلى ما يراد له فقط أن يكون، ثم يأتي الإعلام ليقدمه كقراءة ملزمة يفترض أن تعمم وتفرض بالقوة عبر تدنيس الوعي وتلويث الرؤية.

العنصرية لا تعرف حدودا في شيطنة الآخر. وكما كان اليهود والغجر وغيرهم ضحايا للنازية، يعاني الغجر وذوو الأصول الأفريقية مما تعانيه الجاليات المسلمة في أكثر من بلد أوروبي.

فثلاثية الغجر والسود والسمر باتت الموضوع المفضل لغياب الأمن وزيادة الجريمة والانحراف والهجرة السرية.. إلخ.

أما التزام الصمت على من يشيعون البغضاء والتفرقة بين الشعوب فليس مجلبة للضرر على المستهدفين فقط، وإنما يطال بنصاله الجميع. ففي الزمن الرديء تضرب البلية المجتمعات دون انتقاء عندما تتدحرج القيم من أعاليها وتفقد وظيفتها ككوابح لجنوحات الغرائز.

لذا دقت نواقيس الخطر منذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، لتؤكد كل مواثيق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن أي مذهب يقوم على التمييز أو الاستثناء أو التقييد أو التفضيل أو التفوق على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الإثني، يعتبر "مذهبا خاطئا علميا ومشجوبا أدبيا وظالما وخطرا اجتماعيا".

وإذا كان لا يغيب عن المواثيق والإعلانات الدولية والإقليمية شجب وتجريم العنصرية، فهناك نقاط رمادية حتى اليوم في ما يمكن تسميته بالعنصرية الثقافية وأخرى في مستوى التجريم والملاحقة القانونية.

وحيث لا توجد التزامات قانونية دولية للمحاسبة في هذه القضية بنفس المستوى المتعلق بجريمة التعذيب مثلا، فالمعركة الحقوقية والقانونية على أشدها لانتزاع مواقف ملزمة لأصحاب القرار وكرسي القضاء من أجل المحاسبة الصارمة.

على سبيل المثال، أدينت فرنسا قبل خمس سنوات من قبل لجنة مناهضة العنصرية في الأمم المتحدة، لكن بدا ذلك دون جدوى، حيث تكرر الأمر هذا العام وعادت اللجنة لتحذير سلطات هذا البلد من التمادي في الانحراف عن التزاماته الدولية بحقوق الإنسان.

وهذا الأمر نبه إليه مفوض مجلس أوروبا لحقوق الإنسان أيضا وأطراف دولية عدة، كما لفتت منظمات غير حكومية وأحزاب يسارية النظر إلى تصاعد الحوادث العنصرية المرتبطة بظاهرة الخوف من الإسلام والترتيبات المتخذة ضد أقليات عرقية، وأنزلت الآلاف إلى الشوارع في مظاهرات حاشدة، وشلّت حركة البلد بالإضرابات.

فتحت مبرر القيام "بإصلاحات" ومواجهة أوضاع خاصة، تُستهدَف هذه الأقليات الدينية والعرقية بقرارات أو توصيات تحرم البعض من الجنسية بذرائع أمنية أو جرمية، وتمنع البعض الآخر من التصويت، وتفرض القيود على التنقل، وتستبعد آلاف الأطفال من التعليم، وتعمد إلى الترحيل القسري للمئات، كما تلجأ إلى ما يعتبر أسلحة تدمير للمواطنة والكرامة الإنسانية.

للأسف، هذه الإجراءات التي تقتات من تهييج العواطف على حساب إعمال العقل، تتنامى على حساب قيم الجمهورية وكل ما تبقى من إعلان حقوق الإنسان والمواطن والثورة الفرنسية.

فالمادة 16 من دستور 1958 في فرنسا الذي يعلن تمسكه بحقوق الإنسان، أتاحت لرئيس الجمهورية الحق في اتخاذ الإجراءات الاستثنائية عند الضرورة.

"
من أجل تنظيم حركة البشر وحماية الجماعات المستضعفة، يجب الشروع جديا في تشكيل مؤسسة دولية فاعلة من كل الأطراف المعنية يُعهد إليها أمر إدارة هذه الثروات البشرية المتنقلة
"
وهذا ما يتم الآن باسم أمن الوطن، لكن بانتهاك فاضح لأولى مواد الدستور الفرنسي نفسه التي ترفض أي تمييز بين المواطنين على أساس الأصل أو اللون أو المعتقد.

وإذا استمر الأمر بالتراجع على هذا المنوال لكون الحبل على الجرار عبر التحضير لما يسمى "إصلاحات" قبيل الانتخابات الرئاسية، فقد تصبح أطروحات مبادئ حقوق الإنسان مجرد وجهة نظر في أعرق الديمقراطيات.

هذه القوانين الاستثنائية التي تتتابع متجاوزة برعونتها التوجهات الأوروبية في هذا الشأن، لا تقتل الحريات وتجهز على مبادئ وقيم الجمهورية فقط، وإنما تحوّل الأنظار بالأخص عن مشاريع القوانين التي تضرب حقوق العمال والكادحين، وعن السياسات التي تؤثر سلبا على ملايين البشر بسبب وضعهم الاجتماعي أو أصلهم، في وقت تزكم الأنوف فيه رائحة فضائح سرقة المليارات من أقلية تنعم بمكاسب حرام.

هذا غيض من فيض مما يشهده الواقع اليوم حول جمع اليمين الأوروبي أصواته بالضرب على وتر الهجرة واتباع سياسات إبعاد ومضايقات طالبي اللجوء سنويا.

ومع أن كلفة إبعاد المهاجر غير الشرعي تصل إلى 27 ألف يورو، جرى في السنة الماضية طرد ما لا يقل عن 29 ألف أجنبي على سبيل المثال من فرنسا، وذلك رغم أن المفوضية الأوروبية تدعو إلى اتباع سياسة استيعاب لمليوني مهاجر كل سنة في أوروبا، لكون التقديرات تشير إلى نقص خمسين مليون عامل بعد نصف قرن من الآن، بما سيسبب حدوث أزمة عمل ونقصا ديمغرافيا كبيرا.

أولى خطوات مقاومة العنصرية تكمن في رفض منطقها التمييزي ومواجهته بالتعاون بين كل الأطراف من مختلف الأصول والعقائد والثقافات ضمن جبهة عريضة موحدة تعمل على تفكيك منهجها في العقول وانتزاع انتصارات فعلية على الأرض.

كذلك، من أجل تنظيم حركة البشر وحماية الجماعات المستضعفة، يجب الشروع جديا -بعد المحاولات الفاشلة حتى اليوم- في تشكيل مؤسسة دولية فاعلة من كل الأطراف المعنية (مسؤولين من البلدان المصدرة والمستقبلة وممثلين عن المهاجرين أنفسهم)، يُعهَد إليها أمر إدارة هذه الثروات البشرية المتنقلة، وذلك انطلاقا من احترام حقوقها والاستفادة من طاقاتها وخبراتها، وتعريفها بما لها وما عليها وبظروف البلد المقصود، وتقريب الصورة المنسوجة في مخيلتها عن الحقيقة على الأرض، وكذلك تجنبا للمفاجآت وإهدار الوقت والمال بعد خسارة الأهل والوطن، وكي لا يبقى مصير المهاجرين رهن هذا النوع من السياسيين في بلدان الاغتراب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك