مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني


- المقاومة.. مشروع حياة

- المقاومة والحكم.. صيغة تعايش
- خلاصة

أعادت العمليات البطولية الأخيرة في الضفة الغربية التي قتل فيها عدد من المستوطنين الإسرائيليين وجرح آخرون، بوصلة القضية الفلسطينية إلى مسارها الصحيح، كما أعادت التذكير ببدهيات القضية وتوصيف الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.

فقد أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني بالدرجة الأولى، وأن الصراع مع الاحتلال صراع وجودي حضاري له جذور ضاربة في أعماق التاريخ، وأن انخراط حركة حماس في صلب النظام السياسي الفلسطيني ما هو إلا وسيلة من وسائل التخفيف عن الناس فحسب وإدارة شؤونهم اليومية وتغطية ظهر مقاومتهم سياسيا، بينما تبقى المقاومة حجر الزاوية في المشروع الفلسطيني النهضوي، والخيار الإستراتيجي لاستعادة الحقوق المشروعة والأرض السليبة.

لم تكن العمليات الأخيرة -وخاصة عملية الخليل- تعبر عن حالة مقاومة معزولة عن سياقها المقاوم العام، فقد سبقتها عمليات مماثلة، منها ما تكلل بالنجاح وأثمر إثخانا في الاحتلال ومستوطنيه، ومنها ما تم إحباطه على يد أجهزة أمن سلطة رام الله التي توظف جلّ جهودها وطاقاتها في سبيل تطوير آليات التنسيق الأمني لخدمة مصالح الاحتلال وحماية أمن كيانه المصطنع.

لكن العمليات الأخيرة تشير إلى منهجية عمل جديدة في إطار التحدي الأساسي الذي واجه حركة حماس عقب مشاركتها في انتخابات عام 2006 وانخراطها في مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني، والمتمثلة في سياستها المعلنة حول الجمع بين الحكم والمقاومة، وتحمل دلالات بالغة الأهمية تصبغ المرحلة المقبلة بسمات خاصة، مما يعني أن الوضع الفلسطيني على أبواب مرحلة جديدة ذات تجليات وآليات عمل مختلفة عن سابقاتها.

"
حماس تدرك أن الخطر كل الخطر في انحراف البوصلة واختلال الأولويات وطغيان مفاعيل العمل السياسي وتجلياته في الحكم على العمل المقاوم الذي يشكل قلب المشروع التحرري
"
المقاومة.. مشروع حياة

من المعروف أن الشعب الفلسطيني ما زال يرزح تحت نير الاحتلال وتستباح أرضه ومقدراته، وتُهوّد قدسه ومقدساته، ويكابد في كل لحظة مرارات المعاناة وقهر العدوان، فلا مفر إذن من أن يواجه قدره ومصيره، ويدافع عن نفسه في وجه المخططات والإجراءات الإسرائيلية المسعورة التي تتربص به صباح مساء.

لم يواجه الشعب الفلسطيني إشكاليات جوهرية في مضمار ممارسة المقاومة ما قبل توقيع اتفاقات أوسلو ونشأة السلطة الفلسطينية، إلا أن مرحلة إدارة السلطة للواقع الفلسطيني في الضفة والقطاع التي كبلتها الالتزامات والقيود الأمنية، أثبتت بشكل قطعي أن تأسيس كيان سلطوي تحت أي شكل كان في ظل هيمنة الاحتلال أمر خاطئ بكل المقاييس، وأن تجربة السلطة جرعت الفلسطينيين وقضيتهم العلقم، وأوردتهم مصائب وإشكاليات لا حصر لها ولا سبيل إلى معالجتها حتى اليوم.

منذ عدة أعوام لعبت سياسة المصلحة والاضطرار لعبتها بحكم المستجدات الطارئة والتركيبة الحاكمة الجديدة التي حملت حماس إلى سدة الحكم إثر فوزها في الانتخابات التشريعية مطلع العام 2006، مما أدخل حركة المقاومة التي تتصدرها حماس في حالة من التأرجح بين التهدئة والاستمرار، وفتح المجال فسيحا أمام تأويلات واتهامات بتخلي حماس عن مشروعها المقاوم ما زالت تجد صداها حتى اليوم.

وما خلط أوراق الفهم لدى البعض أن المقاومة احتلت حتى الأمس القريب قلب الشعار السياسي الفلسطيني لدى العديد من قوى الشعب الفلسطيني وفصائله الحية، إلا أنها لم تحتل صدارة العمل والأجندة الفعلية على أرض الواقع بحكم مقتضيات التجربة السياسية والديمقراطية الأخيرة، وعايشت شللا واضحا في قطاع غزة لاعتبارات المصلحة الوطنية، في الوقت الذي كابدت فيه -ولا تزال- ضغطا هائلا وملاحقة منقطعة النظير لاعتبارات التنسيق الأمني على أرض الضفة الغربية.

في مواجهة ذلك اعتمدت تجربة حماس على محاولة إحداث مقاربة محددة عبر سعيها للمزاوجة بين الحكم والمقاومة، إلا أن الواقع الفلسطيني الملبد بأشكال التآمر والحصار جعل لضرورات الواقع ومصالح الناس أولوية قصوى قُدِّمت على ما سواها من مصالح واعتبارات.

وما هي إلا أشهر معدودات حتى تكرست قناعة جديدة لدى الحركة إزاء تعذر المزاوجة المطلوبة بصيغتها المثلى. ورغم عملية "الوهم المتبدد" التي تم خلالها أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط منتصف عام 2006 ودفعت حماس والفلسطينيون في سبيلها ثمنا باهظا، فإن المقاومة المبادِرة دخلت في حالة جمود عملي باستثناء إطلاق الصواريخ في مرحلة ما قبل الحرب على غزة نهاية عام 2008، مرورا بالتوقف عن إطلاقها تقريبا في مرحلة ما بعد الحرب، وما أورثه ذلك من إشكاليات وطنية وتنظيمية داخلية لا يتسع المقام لذكرها في إطار معالجات المقال.

"
حماس أدركت أن حكايتها مع المقاومة هي حكاية الوطن والقضية والمصير، حكاية الأمل والصمود والتحدي، ولن تقوم لها قائمة إذا لم تمنحها الصدارة
"
من هنا أدركت حماس أن الخطر كل الخطر في انحراف البوصلة واختلال الأولويات وطغيان مفاعيل العمل السياسي وتجلياته في الحكم على العمل المقاوم الذي يشكل قلب المشروع التحرري، وعلمتها تجربتها الراهنة التي امتدت في العمق ما يزيد عن أربع سنوات أن المزاوجة الحقيقية بين الحكم والمقاومة ثمنها باهظ وتكاليفها بالغة، وأن الانسياق مع الحكم وتعقيداته يأتي تلقائيا على حساب المقاومة ومشروعها، ويعني بوضوح غياب التوازن الناظم للعمل الوطني الفلسطيني السليم بشقيه السياسي والمقاوم، وتضعضع المعادلة النموذجية المبنية على أساس التوافق والمواءمة بين المسارين، لا الغلبة والمدافعة أو الإقصاء والإحلال.

ويوما بعد يوم ازدادت قناعة قيادة حماس بأن الواقع الفلسطيني يحتاج إلى ضبط دقيق لعناصر معادلته الوطنية في إطار توافق المسارات، وأيقنت تماما أن التعاطي مع الكيان الفلسطيني السلطوي الذي يدور في فلك القدرية السياسية والوطنية، ينبغي أن يكون بقَدَر أيضا، وأن لا يصبح منتهى الآمال وغاية المقصود فلسطينيا، وأن لا يشكل -على أهميته- جوهر ومحور العمل الوطني الفلسطيني أيا كانت الظروف، فالمقاومة لا بد أن تعمل بغطاء سياسي مستثمر لإنجازاتها، والعمل السياسي في إطار الحكم أو خارجه ينبغي أن يستند إلى مقاومة فاعلة ذات حركة راشدة.

وكان لحماس في تجارب الآخرين عبرة، فقد انتقلت حركة فتح بكليتها من حال إلى حال، من حال الكفاح إلى حال التفاوض، وتخلت عن المقاومة كإستراتيجية وطنية تحررية، ولم يعد في قاموسها الحقيقي سوى التغني بأمجاد الماضي، والعيش على الذكريات، وعلى هامش الفعل المقاوم الاستثنائي الذي ساد في أوقات معينة زمن الرئيس الراحل ياسر عرفات إبان انتفاضة الأقصى.

كل ذلك أورث فتح أمراض السلطة وأدرانها الكثيرة، إذ كان من الصعب -إن لم يكن من المستحيل- خوض غمار السلطة والحكم دون تشرّب العديد من ملوّثاتها وإشكالياتها، حتى باتت فتح حركة هرمة عاجزة ينخرها السوس من كل الاتجاهات.

لذا أدركت حماس أن حكايتها مع المقاومة هي حكاية الوطن والقضية والمصير، حكاية الأمل والصمود والتحدي، ولن تقوم لها قائمة إذا لم تمنحها الصدارة، فالمشروع الوطني الفلسطيني لا يمكن تقزيمه في غزة وحسب، والضفة الغربية تحتاج إلى إعادة بناء مقاومتها على أسس فاعلة وأرضية عميقة.

وكان لزاما عليها تجاوز مرحلة الإعداد والاستعداد في غزة إلى مرحلة المبادرة والمبادأة بالهجوم في الضفة قبل أن يضيع الوطن في بحر التهويد والاستيطان والتحديات.

من هنا شكلت عملية إعادة تقييم تجربة حماس السياسية والوطنية في ضوء النتائج والمآلات التي بلغتها القضية الفلسطينية، والسعي لإعادة رسم مواضع النقاط التكتيكية على حروف المواقف الإستراتيجية والسياسات الكلية للحركة، بما يضمن استخلاص العبر وتصويب الأداء وتحديد المسار والاتجاهات والسياسات خلال المرحلة المقبلة، تحديا بالغ الأهمية أمام الحركة باتجاه العمل على بلورة رؤية جديدة ذات آليات دقيقة وملائمة تُحسن التعاطي مع الواقع الفلسطيني في ضوء تعقيداته وتشابكاته الإقليمية والدولية، وتستوعب كل أخطاء ومثالب الماضي، بما يعيد الاعتبار للمقاومة، ويمنح مساحة أوسع للعمل المقاوم إلى جانب العمل السياسي وتجلياته الديمقراطية.

المقاومة والحكم.. صيغة تعايش
انطلاقا من القناعة التامة بعدم إمكانية نفي الحكم أو المقاومة من دائرة العمل الوطني، وأن المقاومة والكفاح يبذران بينما الحكم والسياسة يحصدان، تحرص حماس هذه الأيام على بلورة معادلة جديدة تمنح المقاومة حقها، لكونها الأداة الأهم لاسترداد الحقوق وإجبار العالم على الإصغاء للفلسطينيين والانصياع لمطالبهم العادلة.

بيد أن الأمر في نسخته الفلسطينية يحمل خصوصية مميزة تثقله بالعديد من القيود والمحددات، وتمنحه معادلة فريدة ذات طراز خاص، وتجبره على إتيان نسق مختلط حافل بالتعقيدات والتشابكات الذاتية والموضوعية.

"
تستوجب الحالة الفلسطينية الراهنة مقاومة فاعلة ذات أذرع ضاربة، في نفس الوقت الذي تستلزم فيه تمثيلا لحركة المقاومة في مؤسسات الحكم والنظام السياسي
"
في عمق التجربة الفلسطينية الراهنة لا تستطيع حركة المقاومة أن تغادر مربع السياسة والحكم بالكلية، وفي المقابل لا تستطيع أن تلغي أو تجمد المقاومة وترهن دورها وكيانها ومستقبلها لصالح الحكم، فالمقاومة والحكم وسيلتان تكملان بعضهما بعضا، وتحتاجان -كما أسلفنا- إلى صيغة ما للتوفيق والمواءمة بين بعض عناصرهما الصادمة والمتناقضة، مما يعني أن عملية إبداعية يجب أن تأخذ مجراها دون أن يطغى أحدهما على الآخر.

تستوجب الحالة الفلسطينية الراهنة مقاومة فاعلة ذات أذرع ضاربة في نفس الوقت الذي تستلزم فيه تمثيلا لحركة المقاومة في مؤسسات الحكم والنظام السياسي على إيقاع المعطيات الراهنة حول الضفة الغربية المستباحة إسرائيليا، والقدس التي تواجه التهويد المبرمج والطمس المتواتر، وغزة التي ينهش فيها الحصار ويتربص بها العدوان، بموازاة حال التآمر الإقليمي والدولي الذي يستهدف شطب القضية وتصفيتها وفق الرؤية الإسرائيلية والأميركية.

لا تكمن مشكلة المزاوجة بين الحكم والمقاومة في بسط التشخيص وإرساء القواعد وامتشاق العموميات والخطوط العريضة، بل تكمن في طرق باب الآليات والتفاصيل الذي يفتح كوّة واسعة من الاجتهادات المتباينة، خصوصا في مضمار مساحات التوغل في إطار مؤسسات النظام السياسي، ودرجة المصلحة الكامنة في التماهي مع سلطاته ومكوناته المعروفة، والطاقات والشخوص المفرزة، وقضايا أخرى.

ولعل الإشكالية الأكثر تعقيدا التي تعترض درب المزاوجة الفذة بين الحكم والمقاومة تكمن في أمرين:

أولهما- رفض النظام الإقليمي والدولي القطعي لانخراط حركة المقاومة في مؤسسات الحكم والسلطة أيا كانت درجة تمثيلها، وفرضه الحصار السياسي والمالي والاقتصادي لخنقها ووأدها في مهدها.. وفي تجربة حماس مثل وعبرة.

ثانيهما- تصدير رموز وقيادات المقاومة الأساسية لمشهد الحكم، مع ما يعنيه ذلك من تحميلها وزر الأخطاء الحاصلة، وجعلها مضغة في أفواه الناقدين والشامتين والمرجفين.

لأجل ذلك فإن بالإمكان وضع المحددات المقترحة الموجزة التالية كناظم عام وموضوعي لمسار العلاقة المنشودة بين الحكم والمقاومة:

- استثناء رموز وقيادات المقاومة الأساسية من مواقع الحكم ومشهد العمل الرسمي، وإبقائها بعيدة عن دائرة النقد والتجريح الذي يشكل لازمة ثابتة للالتصاق بالعمل الحكومي على الدوام.

- تصدير قيادات وشخصيات مقربة من حركة المقاومة أو ذات نفس وطني صرف لتقلد زمام العمل الرسمي بكافة إشكالياته وتعقيداته وتفاصيله الصغيرة.

"
حماية القضية الفلسطينية، وصيانة حاضر ومستقبل الفلسطينيين، ومواجهة إجراءات ومخططات الاحتلال، تبقى هدفا فلسطينيا مقدسا لا ينبغي التفريط فيه أو التنازل عنه مهما بلغت كثافة الضغوط وحجم المحن
"
- إعمال مبدأ التدرج في التوغل داخل مؤسسات النظام السياسي، والابتعاد عن الحسم الكامل لمكوناته حتى لو توفرت القدرة على ذلك.

- السماح ببلورة برنامج سياسي متوازن ومقبول دوليا لأي حكومة فلسطينية متوافق عليها في إطار أي مصالحة وطنية لاحقة بما لا يخلّ بالحقوق والثوابت الفلسطينية.

- تحييد قطاع غزة تماما عن دائرة الفعل العسكري والعمل المقاوم بهدف تجنيبه دوائر الاستهداف، دون أن يلغي ذلك دوام الاستعداد وحق الدفاع عن النفس ومواجهة العدوان.

- قصر عمل المقاومة المسلحة على استهداف الجنود والمستوطنين في الضفة الغربية.

- تفعيل عمل المقاومة الشعبية في القدس والضفة والقطاع.

وكي تنجح المقاربة الراهنة والمزاوجة المطلوبة فإن حماس تتحدث بشكل واضح عن مقاومة راشدة ذات عينين، وذات نظرة ثاقبة وأفق بعيد، تعرف متى تصمت ومتى تعمل ومتى ترد بما ينسجم مع مقتضيات مصلحة الفلسطينيين وظروف قضيتهم الوطنية.

وهذا ما يعني اقتراب الحركة فعليا من المحددات السابقة التي تسمح لها بالحفاظ على كيانها السياسي والسلطوي في غزة، وتعزيز حضورها الشعبي والمعنوي الكبير المبني على ديمومة الفعل المقاوم، وتقليل نقاط التصادم مع المحيط الإقليمي والدولي إلى حدها الأدنى، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية في ضوء الظروف والمعطيات الدولية الراهنة من جديد.

خلاصة
من المؤكد أن ممارسة حماس للمقاومة في إطار أي رؤية للجمع بين الحكم والمقاومة تجبي معها تكاليف صعبة وتخلف آثارا ليست هينة على الحركة وقياداتها وعناصرها المكشوفة لبطش الاحتلال في الضفة الغربية، خصوصا في ظل مستويات التعاون الأمني العالية بين الاحتلال وأمن السلطة هناك، ولربما تصيب بسهامها الحركة وسلطتها في غزة باعتبار أن حماس تشكل وحدة واحدة بعيدا عن التقسيمات الجغرافية.

غير أن حماية القضية الفلسطينية، وصيانة حاضر ومستقبل الفلسطينيين، ومواجهة إجراءات ومخططات الاحتلال، تبقى هدفا فلسطينيا مقدسا لا ينبغي التفريط فيه أو التنازل عنه مهما بلغت كثافة الضغوط وحجم المحن والتحديات.

على أي حال فإن الأسابيع والأشهر القادمة ستشكل محك الاختبار الحقيقي للتوجه الحمساوي الجديد في إطار المقاومة الراشدة ذات المعادلة الفريدة، وستكشف عن مدى مواءمة الآليات الجديدة لطبيعة الظروف المحلية والإقليمية والدولية السائدة من عدمه، وهو ما ستبنى عليه بوضوح مواقف واتجاهات الحركة إبان المرحلة المقبلة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات