توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


ما يرفعه الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورهطه المفاوض باعتباره ضمانة إنجاز شيء ما في المفاوضات المباشرة التي يخوضونها، هو وقف الاستيطان. ومقولة أن هذه المفاوضات تبدأ بدون شروط لا يسلّم بصحتها أحد، إذ شروط إسرائيل الموافق عليها أميركيا تتضمن "يهودية الدولة" بما يفيد إسقاط حق العودة, و"تبادل الأراضي" بمعنى عدم الانسحاب إلى حدود 67، بل وضم الكتل الاستيطانية الكبرى إلى إسرائيل.. وكل ذلك قبلت به سلطة عباس.

ومقابل كل هذا الخضوع العلني لشروط إسرائيل, يظن عباس ورهطه أنهم يتغطون بما أسموه "شرط وقف الاستيطان", وهو ما يشار إليه مرارا بكلمة "تجميد" الاستيطان، حتى من قبل مسؤولين في السلطة الفلسطينية.

ومع أنه لا ضمانة لمنح حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وليبرمان وباراك ورقة التوت الممزقة هذه لسلطة عباس، فإن مجرد حديث السلطة عن "تجميد" الاستيطان كشرط أوحد للدخول في مفاوضات "تنهي المطالب الفلسطينية" لدى الصهاينة, أمر فيه استخفاف مهين بعقول الفلسطينيين قبل حقوقهم، وبعقول العرب وحتى العالم بأسره.

"
العرب يربطون أمن إسرائيل بأمن واستقرار المنطقة ككل والعالم معها، في شهادة على ما تروج له إسرائيل لجعل أمنها مفتاحا للأمن الإقليمي والدولي، بل لربط حروبها المضمرة أيضا بهما
"
ولكن العالم -بحكوماته على الأقل- لا يستاء، بل ينظر ويضحك ممن يضحكون على أنفسهم بهذه الطريقة.

فلا يوجد سياسي لا يعرف أن المستوطنات سرطان خبيث أتى على جسد الضفة الغربية كلها حيث استقر وحيث جاور وحتى حيث انسحب, وأن المستوطنين ليسوا مجرد "جيران" جدد للعرب بنوا بضعة بيوت جديدة مؤخرا بسبب "تكاثرهم الطبيعي".

وسواء اختارت السلطة أن تسميه اشتراطا من جانبها أو ضمانة من أميركا، فإن الحديث الإسرائيلي والأميركي هو عن "تجميد البناء" في المستوطنات لفترات محددة فقط، في حين أن الترجمة العربية لذلك (السلطة وبعض أجهزة الإعلام) وهي "وقف الاستيطان"، ترجمة خادعة بعمد.

ولكن لنقلْ -لأغراض الحوار و"أخذ العيار لباب الدار"- إن حكومة نتنياهو ستقبل مجرد "وقف البناء" في المستوطنات لبدء المفاوضات, وإن رهط عباس سيوقفون المفاوضات المباشرة فعلا إن جرى استئناف ذلك البناء.. ما الذي سيحصل إن أوقفت الحكومة الإسرائيلية البناء لشهر أو اثنين -كما باتت تحدد مددها التي خفضت مؤخرا وصراحة- وبدأت المفاوضات وبالتالي "التنازلات" الفلسطينية والعربية؟

وتصريح السلطة وعدد من مسؤولي الحكومات العربية بأن أميركا مارست ضغوطا عليهم لتأييد ذهاب عباس إلى المفاوضات المباشرة، دليل كاف على أن المطلوب من هؤلاء جميعا هو المزيد من التنازلات, بل وتنازلات أبعد وأخطر من كل ما سبق.

ولهذا يمكن لإسرائيل أن توقف البناء في المستوطنات، وبعد وجبة من التنازلات الفلسطينية والعربية تعود من جديد لتوسيع القائم منها، بل وبناء مستوطنات جديدة بقولها -وهو قول لن يكون كله افتراء- إن مفاوضيها الفلسطينيين قبلوا بضم الأراضي التي ستبني عليها لما سيؤول إلى إسرائيل ضمن "تبادل الأراضي"، أو ستقول إن هذا متطلب لأمنها الذي قبل به عباس وعرب آخرون باعتباره "هدفا" رئيسيا للمفاوضات مجمعا عليه ومسلما به, وليس "مكسبا" إسرائيليا من تلك المفاوضات على إسرائيل تقديم مقابل له.

لا بل إن العرب يربطون أمن إسرائيل واسع الذمة هذا بأمن واستقرار المنطقة ككل والعالم معها، في شهادة على ما تروج له إسرائيل لجعل أمنها مفتاحا للأمن الإقليمي والدولي، بل لربط حروبها المضمرة أيضا بهما، مما سنأتي إليه.

وسنفترض أن السلطة في حال عودة إسرائيل عن "تجميد" بناء المستوطنات ستوقف المفاوضات أو "ستجمدها" هي أيضا، ولكنها لن تلغيها حتما.

فعباس يقول صراحة أن لا بديل عن المفاوضات إلا المفاوضات.. وهي ستجري سرا ومباشرة أيضا لأن لعباس ورجال السلطة صلات متشعبة بمختلف الأجهزة الإسرائيلية تفوق ما يقال عن لزوم تسيير أمور الضفة المحتلة، بما يؤشر على حقيقة أن اللقاءات المباشرة لم ولن تتوقف بعودة البناء في المستوطنات، فماذا سيحدث بعدها؟

بالنظر إلى تاريخ التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي، فإن السيناريو الوحيد الممكن بعد استكمال وجبة البناء الجديدة أن تقبل حكومة نتنياهو زعم تجميد آخر لشهر أو اثنين.

"
الحقائق على الأرض -بغض النظر عمن تسبب فيها وكيف وعمن تضرر منها وإلى أي حد- باتت شرعيتها تعادل سند ملكية أو حجة إرث أو أكثر، وذلك لأن العرب قبلوا إعطاءها تلك الشرعية
"
ولكن هذه الحكومة لن تفعل ذلك بإخراج يحاول أن يخفف من حرج مفاوض فلسطيني هو الأمثل لتحقيق أهدافها (كما فعلت حكومات إسرائيلية سابقة), بل هي ستسجل هذا الإجراء الشكلي غير المؤثر بتاتا في قائمة "التنازلات المؤلمة" التي تقدمها إكراما للوسيط الأميركي وليس بأدنى درجة من الاعتراف بحق فلسطيني يجري الاعتداء عليه، وستطلب مقابله تنازلا تفاوضيا سخيا يتطوع به الفلسطينيون أو يفرض عليهم.. وهكذا دواليك.

ففي حقيقة الأمر ليس هناك وقف للاستيطان ولا تجميد ابتداءً حتى ليوم واحد، بل مفاقمة له مؤكدة رقميا.

وما يجري على السطح مجرد انعكاس لمراحل العمل على مخطط الاستيطان. وأكثر هذه المراحل بروزا -أي البناء- هو أقصرها استهلاكا للوقت والجهد وحتى المال، وتكفيه فترة شهر أو اثنين ليحيل ما كان مخططا استيطانيا رئيسيا يجري العمل عليه في السر لسنوات (مع أنه ليس سرا بأكثر بما يتيح للسلطة تجاهله أو إنكار حدوثه) إلى حقيقة على الأرض.

والحقائق على الأرض بغض النظر عمن تسبب فيها وكيف وعمن تضرر منها وإلى أي حد، باتت شرعيتها تعادل سند ملكية أو حجة إرث أو أكثر.. وذلك لأن العرب قبلوا إعطاءها تلك الشرعية، ليس فقط عبر تنازلات في ما سمي مفاوضات السلام التي جرى التعذر بأنها وسيلة المضطر لتحصيل بعض حقوقه, بل في عروض تقدم طوعا يرتب فيها مقدموها على أنفسهم كلفا والتزامات خطيرة.

وأبرز تلك الصكوك ما سمي بالمبادرة العربية، فمتى استحقت إسرائيل الأرض التي احتلتها بعدوان يخرق كل شرعية على وجه البسيطة، ليقدم لها عرض مقايضة لانسحابها من تلك الأرض مقابل دخولها كامل الأرض العربية ووصولها إلى كافة مفاتيحها السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية؟

فهذا هو معنى التطبيع المجرب، وما يتفتق من ويلاته هو ما لا تستطيع الحكومات المتورطة فيه إخفاءه, وحتما هو ليس كل الضرر الناشئ عنه.

ولا نبالغ إن قلنا إن الاحتلال الإسرائيلي المباشر أقل ضررا من التطبيع الذي يبدأ طوعا، ولكنه لا يعود كذلك فور بدئه.

وبيريز عراب السلام هو القائل فور توقيع اتفاقية "وادي عربة" التي أكملت المثلث الخانق مع أوسلو وكامب ديفد، "لقد جرب العرب قيادة مصر لسنوات، وعليهم أن يجربوا قيادتنا الآن"!

لهذه "القيادة" تريد إسرائيل التطبيع مقدّما وتسميه إثبات حسن نية، بينما هي تعلن سوء نيتها بما يتجاوز عدم الانسحاب إلى الاستيطان الكثيف المتصاعد، بما يجعل القضية قضية استيطان فقط لا قضية احتلال, ثم تنزل إلى قضية حجم الاستيطان..

وكل ذلك توظفه إسرائيل لتتدخل وتتحكم بشكل دائم في تفاصيل ما ستؤول إليه الأرض التي "قد" تنسحب منها، بل وتريد أن تتحكم في حدود تلك الأرض الشرقية، وأكثر من هذا، لما وراء تلك الحدود.

فكيف يتطوع أحد بفتح أبوابه لهذا الجسم السرطاني لينتقل من عضو لن يخليه إلى أعضاء أخرى ستبتلى به، في حين هو يطلب أن تفتح له الدورة الدموية ليجول في كامل الجسم العربي لا أقل، وذلك مقابل أمر واحد: أن يصدق ذلك السرطان أن العرب لا يريدون استئصاله؟!

وإسرائيل لن تصدق هذا لأن لها أطماعا تتجاوز البقاء إلى السيطرة. وأطماعها المنفذة بوقاحة غير مسبوقة -وليس عدم قدرة العرب على التعايش السلمي مع أقوام مسالمة لطالما هاجرت إلى أرضهم تاريخيا وبأعداد كبيرة مرارا- هي ما أعاد الغلبة الساحقة إلى الأصوات الشعبية العربية المطالبة باستئصال هذا الورم، بعدما جرى تخدير البعض بوهم السلام.

"
بعض تجاوب العالم مع القضية العربية هو رغبة منه في أن يجري احتواء ذلك السرطان (إسرائيل) في الجسم العربي بالحد الذي يمنع أو يحد من انتشاره خارجه
"
وبعض تجاوب العالم مع القضية العربية هو رغبة منه في أن يجري احتواء ذلك السرطان في الجسم العربي بالحد الذي يمنع أو يحد من انتشاره خارجه.

ويؤكد هذا أن ظهور تصنيف إسرائيل كأحد أهم الأخطار التي تهدد البشرية في استطلاعات الرأي الغربية، سبق حملات التأييد الشعبي لحل أقرب إلى العدالة -وليس الحل العادل- للقضية الفلسطينية.

الحديث الجاري الآن خادع وغير ذي صلة بوقف الاستيطان، فوقفه يعني كحد أدنى التراجع عن اعتبار كامل الضفة المحتلة "يهودا والسامرة" التي تقول النصوص التوراتية إنها أرض موعودة لملوك بني إسرائيل.

وما عرض على الفلسطينيين في كامب ديفد ورفض حينها, هو دولة على جزء من "أراضي يهودا والسامرة", حسب النسخة الإسرائيلية.

أي أن العرب في كامل فلسطين، ما دامت مرجعية الأساطير التوراتية تقدم على حقائق التاريخ بموافقة مجموعة دول الغرب "العلمانية", سيظلون ينظر إليهم باعتبارهم "المستوطنين" في أرض يهودا والسامرة, مما يعني أن مجرد قبول إسرائيل بتلك الدولة الفلسطينية المسخ على جزء من تلك الأرض "تنازل مؤلم" من طرفها. فإلى متى سيقبل اليهود المتطرفون ومن يستثمرونهم من ساستهم العلمانيين بهذا؟

ليس طويلا.. فنتنياهو يطلب اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل -مرفقة بالطبع بالمستوطنات الكبرى- "كدولة للشعب اليهودي"، ويشير إلى وجود "ما يزيد على مليون من غير اليهود يعيشون في إسرائيل موطن اليهود، ويحظون بكافة الحقوق المدنية".

ويقول إنه لا يرى "أي تناقض بين دولة تضمن الحقوق القومية للغالبية والحقوق المدنية للأقلية في نفس الوقت". وتصنيف الحقوق هذا الذي يطرح لأول مرة تحت تسميتي قومية ومدنية, الأرجح أن تليه تعريفات تحدد ما هو الحق المدني -الأقل مرتبة من الحق القومي حتما- الذي قد يستثني الحق السياسي ابتداء, مما يجعل بقاء العرب في فلسطين 48 ليس فقط مهددا، بل سيبقى أيضا مهددا وجود العرب كأغلبية في ذلك الجزء من "يهودا والسامرة" الذي ستقوم عليه ما يسمى دولة فلسطينية، مقابل أقلية يهودية ستزرع فيها عبر إبقاء بضع مستوطنات صغيرة كمسمار جحا.

فالأقلية اليهودية ستطالب بتعديل ديمغرافي يجعلها الأغلبية ذات الحقوق القومية الأسمى، وإلى حينه ستبقى مدخلا واسعا لسيادة إسرائيل على ما تشاء من شؤون تلك الدولة.

أما الحديث العائد عن "إنهاء المطالب الفلسطينية"، فقد سبق أن طَرح في عهد عرفات في اجتماع بين السلطة ومسؤولين إسرائيليين في الجانب الأردني من البحر الميت في تسعينيات القرن الماضي، واستخلص فيه اعتراف بانتهاء تلك المطالبات.

"
حين تتحدث إسرائيل عن مصالح لها وأفعال تنوي القيام بها في ما وراء الأردن وحتما عبره جغرافيا، فهذا يعني أنها تتحدث وكأن تجاوزه كدولة متوفر لها أو يمكن أن يتوفر
"
ويبدو أن الانتقال يجري الآن إلى مرحلة الحديث عن المطالب الإسرائيلية عند العرب بأبعد من فلسطين التاريخية.

فإسرائيل لم ولن تعلن نهاية مطالباتها في أرضنا عند توقيع اتفاق نهائي مع الفلسطينيين، لا بتحديد حدودها الجغرافية ولا حدود مصالحها.. أمر شبيه بقصة التحكيم وخلع أبي موسى الأشعري لصاحبه دون أن يخلع عمرو بن العاص صاحبه.

فحديث الحكومة الإسرائيلية يجري الآن وبصراحة غير مسبوقة، عن مصالح لإسرائيل على "الجبهة الشرقية"، وهي تحدد حديثها على أنه يتعلق بالعراق بعد خروج أغلب جيوش حليفتها أميركا منه، أي بما يؤكد أن أطماعها كانت دائما تصل إليه بقدرٍ أكثر من خوفها منه.

فالعراق الآن لم يعد يمثل قوة عسكرية ولا حتى قوة سياسية قومية كما كان.. كما تتحدث عن إيران أيضا بما يؤشر على امتدادات وليس نهايات ما تعتبره إسرائيل منطقة نفوذها الواجبة.

والعجيب أن الأردن لا يقلق بهذا الشأن، والأعجب في أمر عدم القلق الرسمي (فقلق الشعب بلغ ذروته وله حديث آخر) أن حديث إسرائيل ليس عن سيطرة أمنية على مجموعات متسللين عبر النهر للقيام بعمليات ضدها، بل عن سيطرتها العسكرية للتدخل في أمور في العراق وإيران عسكريا وليس فقط سياسيا.

أقل ما يقال عن هذا أن إسرائيل تقفز عن وجود الأردن، أو تعتبره غير موجود أكثر من كونه منطقة "عبر الأردن" أي نهر الأردن، كما كان يسمى في الغرب قبل إقامة إمارة شرق الأردن بدعم بريطانيا (أو بقرار الحلفاء تقسيم المنطقة) التي أسمته "دولة عازلة" في وثائقها، أي عازلة لإسرائيل والصراع الذي سيتفجر عند إنشائها الموعود والمضمر، عن مناطق النفط وعن القوة العسكرية العربية المتركزة في العراق حينها.

وحين تتحدث إسرائيل عن مصالح لها وأفعال تنوي القيام بها في ما وراء الأردن وحتما عبره جغرافيا، فهذا يعني أنها تتحدث وكأن تجاوزه كدولة -بطريقة أو بأخرى- متوفر لها أو يمكن أن يتوفر، وهذا ما ينبغي على الأردن أن يتوقف عنده ويتعامل معه بما يوازي خطورة مدلولاته.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك