- التهديدات الخارجية

- التهديدات الداخلية
- التهديدات المركبة

لا شك أن انسحاب معظم القوات القتالية الأميركية من العراق طبقا لتوقيتاتها المعلنة سيترك أثرا بالغا، ليس على خريطة توازن القوى المحلية في العراق، بل سيتعداها إقليميا من لبنان إلى أفغانستان.

ومن الواضح أيضا في ظل جدية هذا الانسحاب أن الكثير من الأطراف الرئيسية والثانوية السياسية والعسكرية اللاعبة على الساحة العراقية ستسعى إلى إعادة ترتيب أوراقها وتحالفاتها وفق حجم الاختلال الحاصل في موازين القوى وتقييم الفراغ الذي سيتركه هذا الانسحاب، خاصة في شقه العسكري، وما سيجره من انزلاق تدريجي نحو الفوضى والاضطراب في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والأمنية.

إن معظم أشكال هذه التهديدات سواء الخارجية والداخلية أو المركبة قد يمكن تصنيفها من الناحية النظرية وعزلها بعضها عن بعض، غير أنها في حقيقة الأمر متداخلة من حيث التأثير.

التهديدات الخارجية
تتخذ المخاطر الخارجية في العراق نمطين، أحدهما ذو مظهر دولي والآخر إقليمي، على المستوى الأول يتقدم الاحتلال الأميركي في المرتبة الأولى كتهديد رئيسي للشعب العراقي من خلال استمرار الوجود الفعلي لقوات أجنبية على الأرض العراقية.

"
النفوذ والمشروع الإيراني للهيمنة على العراق في مقدمة التهديدات، ولدى العراقيين الكثير من الأسباب الواقعية للتشكيك في النوايا الإيرانية
"
وبغض النظر عما يجري من انسحابات جزئية للقوات القتالية فإن بقاء خمسين ألف جندي من قوات النخبة المدعومة بقوة جوية ضاربة والمعززة بمائة ألف مرتزق حسب المصادر الأميركية لتعويض القوات المنسحبة، كافية لتبديد أي أوهام بأن الولايات المتحدة الأميركية ستتخلى في المدى القريب أو حتى المتوسط عن العراق وعن مصالحها الإستراتيجية فيه، خاصة إذا ما قارنا عدد هذه القوات مع القوات الأميركية الموجودة منذ أكثر من نصف قرن في اليابان أو في كوريا الشمالية وبموجب اتفاقيات مشابهة لتلك التي عقدتها الحكومة العراقية مع القوات الأميركية.

ومن الواضح أن سحب هذه القوات لن يمس الأهداف والمصالح الإستراتيجية الأميركية الثابتة في العراق، وإنما يأتي فقط في سياق المناورة على مستوى الوسائل والآليات وفق معادلة تقليص الكلفة.

فهذا الانسحاب إنما يأتي على خلفية جملة عوامل، يأتي في مقدمتها حجم الخسائر المادية والبشرية الباهظة التي تكبدتها قوات الاحتلال في العراق وانهيار معنويات الجندي الأميركي في العراق الذي أدى إلى غياب إرادة القتال لديه أو وجود قضية يموت من أجلها.

والأمر الثاني هو الحاجة والاضطرار للمناورة بالقوة القتالية لتفادي الهزيمة الوشيكة لقوات ناتو في أفغانستان، كما يأتي الاستحقاق الانتخابي ليعزز الالتزام بتوقيتات الانسحاب التي أعلنها الرئيس الأميركي باراك أوباما واستثمارها من قبل الديمقراطيين لضمان ولاية انتخابية ثانية.

على المستوى الإقليمي يأتي النفوذ والمشروع الإيراني للهيمنة على العراق في مقدمة التهديدات، ولدى العراقيين الكثير من الأسباب الواقعية للتشكيك في النوايا الإيرانية.

فإيران تدعم منذ سبع سنوات حكومات الاحتلال المتعاقبة وفق مبدأ المحاصصة، وتحاول بكل الوسائل أن يبقى الحكم في العراق من حصة الأحزاب الموالية لها، كما أنها تدعم مباشرة الكثير من المليشيات العسكرية كعصائب أهل الحق أو كتائب حزب الله في العراق، وهي أيضا من يتحكم بالهدنة التي تجدد دوريا كل ستة أشهر بين مليشيا جيش "المهدي" من جهة والقوات الأميركية والحكومية من جهة أخرى.

وإيران إذ تمسك بهذه الأوراق بقوة منذ سبع سنوات وتناور بها داخل العملية السياسية وخارجها إنما تعد نفسها فعليا في ظل الغياب العربي لملء الفراغ في حال انسحاب القوات الأميركية وانحسار دورها تدريجيا في العراق.

كما يضع انسحاب هذه الأعداد الكبيرة من القوات الأميركية جنوبا نحو قواعدها في الكويت بهدوء من العراق دون معيقات إيرانية الكثير من علامات الاستفهام ودوائر الشك عن احتمال حصول تفاهمات أميركية إيرانية تحت الطاولة لغرض تأمين ظهر هذه القوات، والاتفاق على حكومة في بغداد تقبل القسمة على الطرفين من حيث الولاء المزدوج وتقاسم النفوذ وتأمين المصالح المشتركة.

"
الفدرالية والطائفية والعنصرية -وهي مقومات الدستور الحالي- تعد اليوم أشد مخلفات الاحتلال الأميركي خطورة وفتكا بمستقبل العراق وأجياله القادمة
"
التهديدات الداخلية

لا تقل العملية السياسية الجارية في العراق خطورة وتهديدا عن الاحتلال العسكري، فهي بمنزلة الصفحة السياسية للاحتلال والهدف النهائي له، ويأتي الدستور كتهديد رئيسي لوحدة البلاد من خلال ترسيخ مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية في كل مفاصله ليشكل وصفة جاهزة لتقسيم وتفتيت العراق وتحويله مع مرور الزمن -إذا بقي هذا الدستور- إلى كيانات هزيلة متناحرة فيما بينها على السلطة والثروة.

فالفدرالية والطائفية والعنصرية -وهي مقومات الدستور الحالي- تعد اليوم أشد مخلفات الاحتلال الأميركي خطورة وفتكا بمستقبل العراق وأجياله القادمة.

كما تأتي طبيعة القوات الحكومية الحالية التي تشكلت بإشراف الاحتلال بعد قرار حل الجيش العراقي الوطني لتضع تهديدا إضافيا على المستوى الداخلي، فعوضا عن أن تكون هذه القوات صمام أمان للوحدة الوطنية، حرص الاحتلال منذ اللحظة الأولى على أن تشكل نواة هذه القوات من مليشيات الأحزاب التي تعاونت وتواطأت معه.

فهذه القوات التي تجاوزت مليون جندي تفتقر إلى عقيدة عسكرية وطنية جامعة بما يكفي لصيانة الوحدة الوطنية ومواجهة الأطماع والعدوان الخارجي، فقد صممت أصلا وفق مقاسات المحاصصة الطائفية والعرقية وتم حرمانها رغم مرور سبع سنوات من أي فرصة للتسليح أو التدريب أو استكمال بقية صنوفها القتالية.

والغرض من كل ذلك بقاء هذه القوات بحاجة دائمة لإشراف إدارة الاحتلال، بالنتيجة أصبحت هذه القوات أقرب في الوصف إلى قوات مكافحة الشغب وقمع القوى الوطنية منها إلى وصف جيش وطني وفق المعايير الدولية، الأمر الذي قد يجعل منها برميل بارود وقنبلة موقوتة لتفجير البلاد بدلا من أن تكون ضمانة لوحدتها، وخاصة في ظروف انزلاق البلاد إلى الفوضى حيثما خفت قبضة الاحتلال أو زالت، ولا سيما أن معظم قيادات هذه القوات تدين بولائها لأحزاب السلطة الطائفية والعنصرية ذات النزعة الانفصالية.

وقد تبدو المليشيات والتنظيمات الإرهابية المتطرفة والمجاميع الخاصة القادمة من خارج الحدود غير ظاهرة للعيان في المرحلة الراهنة، وهي تعمل تحت الأرض على هيئة خلايا نائمة أو ترتبط بهدنة مع الاحتلال، وهي في الواقع تشكل دولة داخل الدولة.

وفي حالة الفوضى والاضطراب الأمني -وهو المناخ المناسب لظهورها- لن تستغرق وقتا طويلا لكي تطفو على السطح لاستعادة مسك الأرض وملء الفراغ من جديد، خاصة أن القوات الحكومية العراقية الحالية التي لا تتجاوز أهليتها وجاهزيتها القتالية 10% غير قادرة على إدارة الملف الأمني في عموم العراق وهي مخترقة من قبل هذه المليشيات من جهة.

ثمة أنماط أخرى من التهديدات المحلية غير ظاهرة للعيان، يأتي في مقدمتها ذلك الكم الهائل من الجواسيس الذين جندوا لصالح قوات الاحتلال أو من قبل أجهزة السلطة أو عشرات الأجهزة التابعة لاستخبارات دول أجنبية وفي مقدمتها الموساد الإسرائيلي.

"
بعض الأحزاب والجهات المحلية تلتقي أفكارها ومصالحها وعقائدها مع مصالح دول وجهات خارجية وتتفق معها في ضرورة تفتيت العراق وإزالته كقوة وحجر زاوية في معادلة توازن القوة في المنطقة
"
التهديدات المركبة

وهي من أعقد أنواع المخاطر على الإطلاق، حيث تتلاقى وتتلاقح مصالح جهات داخلية ومحلية مع مصالح جهات خارجية.

ففي وقت قد يرحل فيه الاحتلال سواء برفض الشعب العراقي أو تحت استنزاف ضربات المقاومة المستمرة، وقد تجد بعض أنماط التهديدات الداخلية طريقها إلى الحل من خلال المصالحة الوطنية أو الاتفاق على عقد سياسي وطني جديد يضمن إعادة الثقة والاطمئنان بين كل الأطراف والفرقاء، فإن بعض الأحزاب والجهات المحلية تلتقي أفكارها ومصالحها وعقائدها مع مصالح دول وجهات خارجية وتتفق معها في ضرورة تفتيت العراق وإزالته كقوة وحجر زاوية سواء في معادلة توازن القوة في المنطقة أو من معادلة الصراع العربي الصهيوني.

ومثل هذا الخطر المركب ينطبق اليوم في الساحة السياسية العراقية تحديدا على الأحزاب الكردية العنصرية ذات النزعة الانفصالية في شمال العراق والمتحالفة إستراتيجيا ومصيريا مع إسرائيل ومع الاحتلال الأجنبي، والتي تعد تقسيم العراق هدفا إستراتيجيا لها، وكذلك الأحزاب الدينية الطائفية التي صممت وصنعت في إيران وتعد نفسها جزءا من المشروع التوسعي الإيراني القومي على حساب العراق.

إن مظاهر التهديد والمخاطر التي تحيق بالعراق لا تقتصر فقط على الاحتلال ومن يتعاون معه، بل تكمن كذلك في بعض جوانبها في القوى الوطنية العراقية المقاومة والمناهضة للاحتلال من خلال عدم بلورتها قيادة موحدة حتى الآن في إطار جبهة عمل واحدة.

وهذا هو الذي عطل حتى الآن رغم توفر الظروف الموضوعية إنتاج المكافئ السياسي الوطني والبديل الواضح لمشروع الاحتلال، وهو الطريق السليم والخيار الإستراتيجي الوحيد المتبقي أمام الشعب العراقي لملء الفراغ وتقصير عمر الاحتلال وتحقيق الاستقلال الناجز.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك