نواف الزرو

نواف الزرو


العرب.. من اللاءات إلى المفاوضات
دراما المفاوضات المباشرة
جدران وقوانين حديدية للمفاوضات
تخليد الاحتلال والسلام المستحيل
الخيارات الفلسطينية العربية في الأفق

الأجندة السياسية التفاوضية السابقة -غير المباشرة- تبلورت على أساس "أربعة أشهر محادثات تقريبية"، وبعد ذلك ينتقل إلى "المفاوضات المباشرة" إذا ما تحقق تقدم، وإذا ما أجاب نتنياهو على "أسئلة الأمن والحدود" كما طالب الفلسطينيون، ولم يمض أكثر من شهرين حتى انتقل الإسرائيليون والأميركيون إلى المطالبة بالدخول في المفاوضات المباشرة، دون أن تتقدم تلك المحادثات التقريبية إنشا واحدا حسب شهادات واعترافات الفلسطينيين والعرب.

بل أخذنا نتابع هجوما ثلاثيا أميركيا إسرائيليا أوروبيا مركزا منسقا على السلطة والعرب لإجبارهم على الذهاب إلى المفاوضات المباشرة.

فما الذي يجري إذن؟! ولماذا هذا التكالب الثلاثي على إجبار الضحية على الذهاب إلى المسلخ...؟!

الحكومة الإسرائيلية تستحضر في هذا السياق مقولة لوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كسينجر قال فيها "أوهم الآخرين بأنك تتحرك في حين تكون ثابتا"، وهذه المقولة كما يبدو غدت أساس التحركات الأميركية-الإسرائيلية المشتركة في حكاية المفاوضات، وذلك ليس تطورا طارئا على السياسات الإسرائيلية، بل هو الإستراتيجية السياسية الإسرائيلية بعينها منذ إقامة تلك الدولة.

العرب.. من اللاءات إلى المفاوضات

"
جاء مؤتمر الرياض عام 2007 وقلب اللاءات الثلاثة لمؤتمر الخرطوم إلى نعمات ثلاثة، وتبنى "صناعة السلام خيارا إستراتيجيا" بدلا من إزالة آثار العدوان أو التحرير، غير أن الحسابات العربية لم تسر كما يرغب العرب
"
فمنذ نشأتها تراهن الدولة الصهيونية على الزمن وشراء -أو كسب- الوقت لغاية إقامة المزيد والمزيد من حقائق الأمر الواقع الاستيطاني على الأرض أولا، ولإحكام القبضة الصهيونية على الأرض والمنطقة ثانيا، ولإجبار الفلسطينيين والعرب على التأقلم مع الواقع الناشئ ثالثا، في مسعى صريح لتغيير الأولويات الفلسطينية العربية باتجاه التأقلم مع واقع الاحتلال والهيمنة الصهيونية رابعا، ويبدو أن هذا ما يتحقق عمليا في السنوات الأخيرة.

فالذي حدث بعد عدوان واحتلال عام1967 أن تبنى مؤتمر الخرطوم اللاءات الثلاثة الشهيرة التي تمسك بها العرب طويلا.. حتى جاء مؤتمر الرياض عام 2007 وقلب اللاءات إلى نعمات ثلاثة، وتبنى "صناعة السلام خيارا إستراتيجيا" بدلا من إزالة آثار العدوان أو التحرير.

غير أن الحسابات العربية لم تسر كما يرغب العرب، فحتى المبادرة العربية المستندة إلى النعمات العربية لـ"إسرائيل" لم تجد نفعا، ولم تثمر قبولا وانسحابا إسرائيليا وسلاما وتطبيعا شاملا بفعل الرفض والمخططات والإجراءات الإسرائيلية على الأرض.. وكما تنتظر "إسرائيل"، فإذ بالعرب يغيرون أولوياتهم في الآونة الأخيرة، ويتحولون لتبني المفاوضات خيارا إستراتيجيا على حساب اندثار اللاءات و"صناعة السلام" استنادا إلى المبادرة العربية.

تصوروا الحالة العربية!

فكيف انتقلنا عربيا ولماذا، من لاءات الخرطوم والمطالبة بإزالة آثار العدوان إلى صناعة السلام خيارا إستراتيجيا، ثم إلى المفاوضات المباشرة خيارا إستراتيجيا؟

نتنياهو يصر على المفاوضات المباشرة لأنها بلا أي رقيب دولي.. ولأنها مفاوضات بلا مرجعية أو جداول زمنية أو مواعيد مقدسة ملزمة.. وستكون فالتة مفتوحة بلا قوانين سوى قانون القوي والضعيف!

فلماذا إذن يشرعن العرب الانتقال إلى المفاوضات المباشرة هكذا بلا مرجعيات أو جداول زمنية!

دراما المفاوضات المباشرة
وفي ظل هذا المشهد العربي البائس، ورغم وضوح المشهد التفاوضي على هذا النحو الصارخ السافر، أمسكت هستيريا المفاوضات المباشرة بالإدارات الأميركية الإسرائيلية الأوروبية التي أعلنت حربا من الضغوط والتهديدات الابتزازية ضد الفلسطينيين والعرب لإجبارهم على الانتقال إلى المفاوضات المباشرة، وهذا الذي جرى ويجري في قصة المفاوضات يرتقي إلى ما يمكن أن نطلق عليه "دراما المفاوضات المباشرة"، فالإدارات الثلاث رمت بكل ثقلها ووظفت كل أسلحتها وضغوطها وتهديداتها للنيل من الفلسطينيين والعرب وإجبارهم على الموافقة على الانتقال للمفاوضات المباشرة.

ورغم أن المشهد السياسي التفاوضي عبثي عقيم مغلق، والمسؤولية في ذلك إسرائيلية بالكامل، فإن الرئيس الأميركي أوباما، قد "نفد صبره -من الفلسطينيين- تصوروا...- حسب نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفد هيل" الأحد 1/8/2010"، بدل أن ينفد صبره من "إسرائيل" التي تدوس على كل الوثائق والقرارات والمواثيق الأممية وعلى حقوق الإنسان، لدرجة أن تحولت إلى أكبر وأخطر دولة خارجة على القانون الدولي!

والسلطة الفلسطينية تقر برسالة التهديدات التي تلقاها رئيسها محمود عباس من الرئيس الأميركي أوباما، واعترف كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات بفحوى الرسالة الابتزازية، ومسؤول فلسطيني آخر يشير إلى احتواء الرسالة تهديدات للسلطة وتحذيرات على شاكلة "أن أوباما لن يقبل إطلاقا رفض اقتراحه الانتقال إلى المفاوضات المباشرة، وأنه ستكون هناك تبعات لهذا الرفض تتمثل في انعدام الثقة بعباس".

الواضح إذن، أن الضغوط والتهديدات الثلاثية المشار إليها، أثمرت وأرعدت وأنتجت موافقة عربية وغطاء عربيا للسلطة، إذ قالت لجنة المتابعة العربية في بيانها "إن العرب مستعدون للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل على أساس ضمانات مكتوبة لتحقيق الثوابت والمرجعيات الخاصة بعملية السلام وجدول زمني محدود الأجل وليس مفتوحا" القدس-29/7/2010.

جدران وقوانين حديدية للمفاوضات

"
القانون الحديدي الذي يحكم قبضته على المفاوضات هو أن السياسيين في الشرق الأوسط ملزمون بإجراء مفاوضات ولكن من المحظور عليهم الوصول إلى الهدف، فالتفاوض يعني البقاء والحكم، أما اتخاذ القرارات فيعني الموت السياسي
"
غير أن الموافقة العربية على المفاوضات المباشرة، والمباشرة الفلسطينية فيها قريبا، كما أعلن نتنياهو، تأتي كذلك في ظل هيمنة جدران وقوانين حديدية على السياسات الإسرائيلية التفاوضية وعلى المشهد التفاوضي برمته، فالواضح من مسيرة المفاوضات الجارية منذ مدريد 1991، مرورا بمحطات المفاوضات المختلفة من أوسلو إلى كامب ديفد2 إلى القاهرة إلى طابا إلى واي ريفر وغيرها، تسير وفق السيناريو أعلاه، والسياسات الإسرائيلية على امتداد الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، واقعة تحت تأثير نظرية "الجدار الحديدي لجابوتنسكي"، وفي ذلك جاء في مقال لأستاذ علم النفس بجامعة تل أبيب "كارلو سترنغر" في صحيفة ذي غارديان البريطانية "إن هذه النظرية هي المسؤولة عن التطورات المذهلة للسياسة الإسرائيلية، فرغم أن إسرائيل ظلت لعقود تتوق إلى قبول العالم العربي بها، فإن أيا من زعمائها لم يعتبر أن مبادرة السلام العربية -مثلا- تستحق حتى أن ينظر فيها بجدية، فكأن نظرية جابوتنسكي ضاربة الآن في جذور الوجدان الإسرائيلي. الجزيرة-3/12/2009، وفي ذلك كان المحلل السياسي الإسرائيلي في هآرتس "الوف بن" قد كتب "أن شارون -كمثال- سوف يستنتج أن السلام سيصبح متاحا فقط عندما يقوم العرب بتربية أولادهم بروحية صهيونية".

وفي صميم فلسفة المفاوضات والتسوية الدائمة كان بن غوريون مؤسس الدولة الصهيونية قد صاغ نظريته وجدرانه أيضا مبكرا، وعبر عنها بعبارات أخرى حينما رسم طبيعة السلام الصهيوني قائلا "إن الاتفاقية الشاملة مع العرب غير مقبولة، لأنه فقط بعد اليأس الكامل من قبل العرب، يأس يأتي ليس فقط نتيجة لفشل أعمال العنف ومحاولات التمرد -من العرب- بل أيضا نتيجة لتنامي وجودنا في البلاد يمكن للعرب أن يذعنوا في أرض إسرائيل اليهودية".

إلى ذلك، هناك القانون الحديدي الذي يحكم قبضته على حكاية المفاوضات منذ البدايات، وهذا ما وثقه المحلل الإسرائيلي أليكس فيشمان في يديعوت–12/9/2008، "إذ قال "الأميركيون يفهمون القانون الحديدي الذي تجذر منذ أوسلو، السياسيون في الشرق الأوسط ملزمون بإجراء مفاوضات، ولكن من المحظور عليهم الوصول إلى الهدف، فالتفاوض يعني البقاء والحكم، أما اتخاذ القرارات فيعني الموت السياسي، وهذه الوصفة الموثوقة لضمان حياة طويلة للسياسيين... إنها المفاوضات العقيمة".

تخليد الاحتلال والسلام المستحيل
إلى كل ذلك، فالعودة إلى الجذر والأصل في الأدبيات والمخططات والأهداف الصهيونية تفيد كثيرا في محاكمة عملية المفاوضات والسلام، فالأصل في الوعي السياسي الإسرائيلي المتبلور أن "هناك إجماعا في إسرائيل على تخليد الاحتلال للضفة"، كما أكد الكاتب والمحلل الإسرائيلي ألوف بن في هآرتس، مضيفا "يتبلور في إسرائيل إجماع على أن الانسحاب من الضفة الغربية لم يعد ممكنا، وأن الجميع يشتركون في هذا الاستنتاج، في جميع المعسكرات وفي جميع الأطراف السياسية، وأن المشترك لهذه المواقف من اليسار واليمين هو أنها تخلد الوضع القائم، مع عشرات المستوطنات، ومئات الحواجز وآلاف الجنود وراء الجدار".

وليس ذلك فحسب، بل يذهب نتنياهو إلى أوضح من ذلك ليؤكد أنه "لا بديل عن استمرار السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية"، وتحدى نتنياهو العالم العربي قائلا "لن تستطيعوا هزيمتنا طالما بقينا فوق جبال الضفة الغربية، ونحن لا يجب علينا أن ننسحب من هضبة الجولان بل علينا البقاء فيها".

ما يقودنا هنا إلى استخلاص كبير يتعلق باستحالة السلام مع تلك الدولة، والأدبيات السياسية الإسرائيلية التي تؤكد استحالة التسوية والسلام لا حصر لها، بل هي متفرخة يوما عن يوم، ومن أبرزها ما أكده وزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي موشيه يعالون قائلا "إن هناك توافقا بين أعضاء المنتدى الوزاري السباعي على استحالة التوصل إلى تسوية دائمة مع الفلسطينيين"، وكذلك الوزير الإسرائيلي بيني بيغن يستبعد "التوصل إلى أي حل دائم مع الفلسطينيين-2010"، ووزير الدولة لشؤون الاستخبارات دان مريدور يعززهم أن "الوضع الفلسطيني غير قابل للحل في الفترة الحالية"، وهناك جملة كبيرة من الأدبيات التي تعزز ذلك.

ولذلك نوثق أيضا أن الفرص الحقيقية للتسوية الدائمة لن تقوم لها قائمة، ولسوف تستحيل إمكانية التوصل إلى مثل هذه التسوية.

إلى كل ذلك، فـ"إن الفجوة السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين كبيرة"، كما صرح رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية العميد عاموس يدلين، مضيفا "لا أرى أملا في حل سياسي مع الفلسطينيين، فالفجوة السياسية بيننا وبين الفلسطينيين لا زالت كبيرة جدا، والمواقف الإسرائيلية في المفاوضات بعيدة سنوات ضوئية ليس عن المواقف الفلسطينية بل عن المواقف الإسرائيلية ذاتها في مفاوضات طابا عام 2001" كما وصفها مسؤول إسرائيلي آخر.

الخيارات الفلسطينية العربية في الأفق
لذلك فإن الاستخلاص الرئيس من كل حكاية المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة الجارية منذ 19 عاما -والحبل على الجرار ربما لعشرات الأعوام الأخرى-، بين الفلسطينيين والعرب من جهة، و"إسرائيل" ومعها الإدارة الأميركية من جهة أخرى، هو أن هذه المفاوضات إنما هي "طحن للمياه" ليس له أي سقف زمني أو جدول أعمال محدد أو خرائط واضحة أو نهاية مرضية إلا لـ"إسرائيل"!

فعند كبير المفاوضين الفلسطينيين باتت "الحياة مفاوضات"، وعند كثيرين حوله "المفاوضات هي الخيار الوحيد أمامنا"، فتحولت إلى فلسفة لديهم: فلسفة المفاوضات المفتوحة..أو فلسفة طحن المياه ..لا فرق!

فهم ليس أمامهم إلا المفاوضات.. من أجل المفاوضات.. بهدف المفاوضات..

فتسعة عشر عاما والفلسطينيون والعرب معهم يطحنون المياه منتظرين معجزة أميركية تنتشلهم من الغرق ولكن بلا طائل، فالإدارة والسياسة والأجندة والمصلحة واللوبيات الأميركية المؤثرة ليست لهم!

والمنطق أن يخرج العرب من دوامة الطحن بعد هذا الزمن، إلا أنهم يعودون لها بلا حول ولا قوة.

فغريب عجيب هذا المشهد الفلسطيني-العربي منزوع الإرادة والسيادة!

وفي صميم عملية المفاوضات نعتقد أن ما كان أعلنه عميد البيت العربي عمرو موسى قبل ثلاث سنوات كاملة بـ"أننا نسمع قعقة ولا نرى طحنا في عملية السلام"، عن وكالات 29/7/2007"، ما يزال ساري المفعول، وسيستمر الوضع كذلك إلى حين تتغير أحوال وإرادات العرب على نحو يرتقي إلى مستوى التحدي الصهيوني.

"
لو لبى الفلسطينيون شروط نتنياهو وباراك وليبرمان، وحتى لو اعترفوا بـ"إسرائيل دولة يهودية"، وحتى لو لبى العرب شروط إسرائيل ومطالبها, فإن "إسرائيل" لن تلتزم بالمطالب الفلسطينية العربية الدولية
"
نعتقد أنه حتى لو لبى الفلسطينيون شروط نتنياهو وباراك وليبرمان، وحتى لو اعترفوا بـ"إسرائيل دولة يهودية"، وحتى لو لبى العرب شروط إسرائيل ومطالبها المتعلقة بالتطبيع الشامل، فإن "إسرائيل" لن تلتزم بالمطالب الفلسطينية العربية الدولية حتى بوقف الاستيطان، ذلك أن الاستيطان هو العمود الفقري للمشروع الصهيوني، فإذا انكسر الاستيطان -من وجهة نظرهم- ينكسر المشروع الصهيوني برمته!

لنجد أنفسنا في الخلاصة المفيدة، أننا أمام مشهد سياسي ومسار تفاوضي عقيم حينما تكون كل المفاوضات والمؤتمرات السلامية بلا "جداول زمنية" ملزمة، وبلا "مواعيد مقدسة" تحترمها "إسرائيل" أو الإدارة الأميركية، فنحن بالتالي أمام طريق مسدود حتما، وأمام مفاوضات عقيمة متأزمة تتنفس تحت الماء، وأمام خيبات أمل فلسطينية وعربية متلاحقة، وحسابات فلسطينية مرتبكة، لم تتطابق فيها قط حسابات الحقل مع حسابات البيدر، الأمر الذي يبقي الملفات مفتوحة على كل الاحتمالات بما فيها الاحتمال المرجح دائما في ظل الاحتلال بلا أفق سياسي استقلالي، وهو حتما الانتفاضات والمواجهات واسعة النطاق.

والخيارات الفلسطينية العربية في ظل هذا المشهد يكثفها لنا أيضا عمرو موسى مثبتا "يجب إن نتبع القول الصادق "لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين" ولقد لدغتنا عشرات المرات .. وآن الأوان لعودة اليقظة والوعي العربي".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك