بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

ا

انبعث التوتر ولاحت مجددا نذر المواجهة بين شطري كوريا بعدما خلص تحقيق دولي أشرفت عليه كوريا الجنوبية إلى أن غواصة كورية شمالية أطلقت طوربيدا على البارجة الكورية الجنوبية "شيونان" يوم 26 مارس/آذار الماضي بمنطقة الحدود البحرية للبلدين في البحر الأصفر، مما أدى إلى غرقها ومقتل طاقمها المكون من 46 بحارا كانوا على متنها.

ورغم أن بيونغ يانغ تنفي بشدة تورطها في الحادث متهمة سول بتلفيق أسانيد الاتهامات، تعالت نبرة التهديدات وتبودلت الإجراءات التصعيدية بين الكوريتين باتجاه اشتعال الموقف في شبه الجزيرة الكورية، ما بين تجميد لاتفاقات حسن الجوار أو التخلي عن الاتفاقات التي تحول دون وقوع المواجهات البحرية العرضية على طول الحدود البحرية الغربية بين شطري كوريا، أو تلك التي تمنع اندلاع الحرب عن طريق الخطأ بينهما، ولا سيما أن البلدين لا زالا في حالة حرب من الناحية الفنية، منذ الحرب الكورية التي دارت رحاها خلال الفترة من عام 1950 وحتى 1953، استنادا إلى أن تلك الحرب قد وضعت أوزارها في حينها على أثر اتفاق هدنة لا يزال ساريا وليس بموجب اتفاق سلام.

"
يبدو أن تصعيد التوتر المزمن بين الكوريتين لم يكن ليطوي بين ثناياه فرصا أكبر لاندلاع أية مواجهة عسكرية شاملة جديدة في شبه الجزيرة الكورية، وإن فتح الباب على مصراعيه أمام حروب كلامية كما جولات جديدة من العقوبات التي تثقل كاهل الدولة الشيوعية
"
وبينما تصر واشنطن وسول هذه الأيام على المضي قدما في إجراء مناوراتهما العسكرية المشتركة وسط استياء وغضب بالغين من قبل بيونغ يانغ، التي اعتبرت تلك المناورات بمثابة تهديد مباشر لأمنها الوطني ومن ثم هددت بشن حرب نووية مقدسة ضد واشنطن وسول، وبرغم تصاعد حدة الحرب الكلامية والتهديدات المتبادلة بينهما وبين بيونغ يانغ، يبدو أن هكذا تصعيد للتوتر المزمن بين الكوريتين لم يكن ليطوي بين ثناياه فرصا أكبر لاندلاع أية مواجهة عسكرية شاملة جديدة في شبه الجزيرة الكورية، وإن فتح الباب على مصراعيه أمام حروب كلامية كما جولات جديدة من العقوبات التي تثقل كاهل الدولة الشيوعية.

فثمة مؤشرات عدة تشي بعدم وجود رغبة حقيقية أو نية جادة لدى أي من أطراف الأزمة الراهنة في الزج بتلك المنطقة القلقة والملتهبة إلى هكذا مآل. فبادئ ذي بدء، سبق للجميع أن استوعبوا خطوة كورية شمالية غاية في الإثارة تمثلت في ولوجها النادي النووي قبل سنوات قلائل بعد تحللها من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وتجميد تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإجرائها تفجيرات نووية، إذ لم يكن أمام العالم وقتذاك من خيار ممكن سوى تشديد العقوبات المفروضة أصلا على بيونغ يانغ.

وفي حين دأبت دوائر إعلامية وأمنية غربية على اتهام نظام بيونغ يانغ بالسعي لتفجير الأوضاع في شبه الجزيرة الكورية بغية ابتزاز القوى الدولية والإقليمية اقتصاديا وسياسيا بما يعين ذلك النظام على التحرر من قبضة الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية المزمنة عبر الخروج من عزلته وعبور نفق الفقر المظلم، لم يتورع النظام ذاته، والذي سبق وأن أعلن تجميد كافة الوشائج التقاربية والخطوات التفاهمية مع الشطر الجنوبي، عن انتهاج سياسات من شأنها تطمين كوريا الجنوبية وحلفائها الغربيين من جانب، كما تتيح مساحة من المناورة التفاوضية والمساومة السياسية لحلفاء بيونغ يانغ في بكين وموسكو إزاء واشنطن في إدارة الأزمة من جانب آخر، حينما أبقى على السماح بدخول العمال والخبراء والمستثمرين الكوريين الجنوبيين إلى المنطقة الصناعية المشتركة، في بلدة كايسونغ الكورية الشمالية التي تحوي عددا من المشاريع الاستثمارية والمصانع الكورية الجنوبية التي تعتبر شريانا حيويا يمد الاقتصاد الكوري الشمالي المتهاوي ببعض مصادر الحياة كما تفتح أبوابها يوميا لما يربو على أربعين ألف عامل كوري شمالي.

وعلى الجبهة الأخرى، بدت ردود أفعال كوريا الجنوبية غير المستعدة أو الراغبة في أية مواجهات عسكرية شاملة مع الشطر الشمالي والتي ما كان لها أن تقدم على أي إجراء مضاد لما أسمته بالاستفزاز الكوري الشمالي، قبل الرجوع إلى حليفها الأميركي الملتزم بأمن الشطر الجنوبى من شبه الجزيرة الكورية والمحتفظ بقرابة ثلاثين ألف جندي أميركي على طول الحد الفاصل بين شطريها، كما لو كانت منحصرة في الفضاء السياسي الأممي.

فلقد هرعت سول نحو تجييش المجتمع الدولي سياسيا ضد بيونغ يانغ وأعلن رئيسها لي ميونغ باك بأنه سيعمل على إحالة القضية إلى مجلس الأمن الدولي. أما الولايات المتحدة، التي جددت دعمها لسول والتزامها الدفاع عنها، وأبدت على لسان قائد قواتها المتمركزة هناك الجنرال وولتر شارب موافقتها على إجراء مناورات عسكرية مشتركة معها هذه الأيام للتدريب على إجهاض هجوم كوري شمالي محتمل، فلم تتورع هي الأخرى عن التلويح بأن النهج الدبلوماسي سيكون خيارها الأرجح. إذ عكفت على العمل لتهدئة الأمور عبر مناشدة بيونغ يانغ وقف كل الأعمال "الاستفزازية" والالتزام بالاتفاقيات المبرمة سلفا لنزع فتيل التوتر في شبه الجزيرة الكورية.

"
يمكن تفهم النزوع الأميركي لكبح جماح الغضب الكوري الجنوبي جراء ما وصفته بالعمل العدواني المستفز وغير المسبوق من قبل كوريا الشمالية، في ضوء الحسابات الإستراتيجية الأميركية الرامية إلى تلاشي فتح جبهة جديدة للحرب في قارة آسيا إلى جانب أفغانستان والعراق
"
ويمكن تفهم هذا النزوع الأميركي لكبح جماح الغضب الكوري الجنوبي جراء ما وصفته بالعمل العدواني المستفز وغير المسبوق من قبل كوريا الشمالية، وتلافي أي تصعيد عسكري ضد الأخيرة في ضوء الحسابات الإستراتيجية الأميركية الرامية إلى تلاشي فتح جبهة جديدة للحرب في قارة آسيا إلى جانب أفغانستان والعراق، اللتين منيت فيهما واشنطن بنتائج غير مرضية، في الوقت الذي بلغ التوتر مع إيران مبلغا مقلقا مع تعقد فرص التسوية السياسية لأزمتها النووية وتفاقم المخاوف الإسرائيلية من إمكانية تحولها إلى دولة نووية عبر توفير مظلة مناسبة لأنشطتها النووية المتسارعة من خلال إستراتيجيتي خداع المجتمع الدولي وكسب الوقت.

ويعي صناع السياسة الأميركية أنه ليس في مصلحة واشنطن السماح بنشوب حرب بين الكوريتين تتوسع لاحقا لتطال أطراف إقليمية ودولية شتى بحكم تشابك التحالفات الجيوإستراتيجية بين كل من شطري كوريا من جهة وأطراف إقليمية ودولية أخرى من جهة ثانية.

وتظل واشنطن، كما باقي أطراف الأزمة الكورية، حريصة على تجنب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مع كوريا الشمالية، ما إن تبدأ تقليدية إقليمية حتى تتحول إلى غير تقليدية تطال العالم برمته، لا سيما بعد أن أضحت كوريا الشمالية الآن دولة نووية بحوزتها أدوات توصيل إستراتيجية مهمة لرؤوسها النووية أبرزها الصواريخ البالستية متوسطة وطويلة المدى.

وانطلاقا من تلك الاعتبارات وغيرها، بدت ردود الفعل الأميركية المقترحة حتى الآن على الأقل، أسيرة السعي نحو عقوبات دون المستوى العسكري تطال الشطر الكوري الشمالي، حيث أكد مسؤول أميركي أن بلاده تدرس خيارات إضافية لمحاسبة كوريا الشمالية وقادتها، لكنها لم تحدد بعد أي تفاصيل بهذا الشأن، بينما أعلن دبلوماسيون أميركيون كبار أنهم عاكفون على وضع إستراتيجية متعددة الجوانب لعزل كوريا الشمالية لا تقتصر على الدول الرئيسية في مجلس الأمن فحسب وإنما تسعى لإشراك آخرين في المنطقة.

وإذا أضفنا إلى ما ذكر آنفا أن أي تحرك أميركي عقابي غير عسكري ضد بيونغ يانغ عبر المنظمة الدولية أو خارجها، يستوجب توافقا دوليا بين القوى الكبرى، لا سيما تلك الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وهو ما يبدو من المتعذر تحصيله مع تنامي احتمالات ممانعة دول مثل روسيا والصين لهكذا تحرك.

فالصين التي تعد آخر حليف رئيسي لكوريا الشمالية، والتي استضافت في وقت سابق زيارة نادرة للخارج قام بها الزعيم الكوري الشمالي،لا تبدو مستعدة لدعم أي تصعيد عسكري ضد بيونغ يانغ، فحينما زارت كلينتون بكين للحصول على دعم صينى لإجراءات عقابية ضد بيونغ يانغ، أكدت بكين حرصها على الاستقرار وتفادي التصعيد في شبه الجزيرة الكورية.

وحينما أعطت مؤشرات على تعاطفها مع محاسبة بيونغ يانغ، أعلنت أنها قد تدعم نوعا من "التوبيخ" الذي يمكن أن يوجهه مجلس الأمن لكوريا الشمالية، حالة ثبوت تورط تلك الأخيرة. وخلال القمة الثلاثية التي ضمت رؤساء الصين واليابان وكوريا الجنوبية في سول قبل أيام، تفادت بكين الانضمام إلى إلقاء اللوم على بيونغ يانغ ودعت جميع الأطراف للهدوء وضبط النفس رافضة تدويل القضية.

أما روسيا -التي تربطها علاقات مصلحية وثيقة مع كوريا الشمالية- فمن المتوقع ألا تتسرع هذه المرة وتبادر بالموافقة على أية إجراءات عقابية جديدة ضد بيونغ يانغ من دون مقابل ملائم تتكبده واشنطن على صعد أخرى تتصل بالملفات والقضايا الخلافية العالقة بين موسكو وواشنطن، خصوصا بعد أن قابلت واشنطن تجاوبها معها بشأن تغليظ العقوبات على إيران بخطوات استفزازية من قبل إدارة أوباما تمثلت أبرزها في قيام وزيرة الخارجية الأميركية بجولة أوروآسيوية جددت خلالها تطلعات بلادها لمزاحمة موسكو في الفضاء ما بعد السوفياتي، وكذا إبرام إدارة أوباما مع وارسو يوم 26 مايو/أيار الماضي صفقة بطاريات صواريخ باتريوت في قاعدة جوية بمدينة موراغ شمال بولندا التي لا تبعد عن الحدود الروسية سوى ستين كلم فقط.

"
قد ترى كوريا الجنوبية وحلفاؤها كما روسيا والصين، في الإجراءات العقابية ترضية مناسبة ومخرجا ملائما من الخيار العسكري، الذي لا يبدو أي طرف دولي أو إقليمي، بما في ذلك كوريا الجنوبية نفسها، مستعدا للانزلاق إليه
"
وعلى الرغم من أن هذه الخطوة تأتى بموجب اتفاق وقع بين وارسو وواشنطن عام 2008 خلال ولاية الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، فإن تنفيذها وسط هذه الأجواء الدولية والإقليمية الملبدة بالغيوم، من شأنه أن يحمل في طياته تداعيات سلبية على مساعي التقارب الروسية مع واشنطن ووارسو والحلف الأطلسي، التي خيمت عليها توترات مزمنة طيلة عقود، ستنعكس لا محالة على الموقف الروسي من الأزمة الكورية الراهنة.

ذلك أن اشتراط موسكو بداية ضرورة التأكد من ضلوع بيونغ يانغ في الحادث قبل رفع الملف إلى مجلس الأمن الدولي، ينذر بألا يتخطى الدعم الروسي، حالة ثبوت ذلك الضلوع، تأييد تشديد مستوى العقوبات على بيونغ يانغ لكن من دون الوصول بالطبع للمستوى العسكري.

وتأسيسا على ما سبق، لا يلوح في أفق الأزمة الكورية الجديدة خيار أمام الطرف المتضرر فيها، برغم تأكده من ضلوع بيونغ يانغ في حادث إغراق السفينة الكورية الجنوبية، سوى إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع واشنطن, ترمى حسب تصريحات المسؤولين الأميركيين، إلى حض بيونغ يانغ على وقف سياساتها ومواقفها الاستفزازية حيال سول، مع السعي لفرض حزمة جديدة مغلظة من العقوبات على الدولة الشيوعية، وهو الحل الذي قد يرضي جميع الأطراف ما لم يصل إلى مستوى التصعيد العسكري.

فليس من شأن هذه الإجراءات العقابية منخفضة السقف أن تثير حفيظة كوريا الشمالية إلى حد الجنوح للمواجهات العسكرية، كونها قد ألفت هذا النوع من المناورات واعتادت على التعايش مع العقوبات منذ سنوات. أما كوريا الجنوبية وحلفاؤها كما روسيا والصين، فربما يلتمسون في مثل هذا الإجراء ترضية مناسبة ومخرجا ملائما من مغبة الحسابات المعقدة والقيود المتشابكة التي تحيط بالخيار العسكري، الذي لا يبدو أي طرف دولي أو إقليمي، بما في ذلك كوريا الجنوبية نفسها، مستعدا للانزلاق إلى غياهبه المظلمة أو تحمل تبعاته المؤلمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك