طلعت مسلم

طلعت مسلم

لواء أركان حرب متقاعد


- أهم ما في المعاهدة

- المنضمون إلى المعاهدة
- ملاحظات على المآخذ
- الموقف العربي من المعاهدة

دخلت معاهدة حظر القنابل العنقودية -وهي نوع من الأسلحة ينشر كمية كبيرة من الذخائر الثانوية على مساحة من الأرض- حيز التنفيذ اعتبارا من أول أغسطس/آب 2010 بعد ستة أشهر من تلقي وثائق التصديق عليها من ثلاثين دولة. وقد احتفى بها البعض بينما تجاهلها البعض الآخر، وارتبط ذلك بدرجة كبيرة بمدى انضمام الدول إلى المعاهدة سواء عن طريق التوقيع عليها، والتصديق عليها، وكذلك مدى الاهتمام بحقوق الإنسان.

وقد ذكرت جودي وليامز الحاصلة على جائزة نوبل أنها أهم اتفاقية إنسانية في مجال نزع السلاح وقعت خلال ما يقرب من عقد من الزمان.

أما الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون فلم يتحدث فقط عن "الاشمئزاز العالمي الجماعي من هذه الأسلحة المقيتة" فقط، بل أيضا عن "التعاون بين الحكومات ومنظمات المجتمع المدني والأمم المتحدة لتغيير السلوكيات والسياسات التي تهدد الجنس البشري".

أهم ما في المعاهدة
تنص المعاهدة على أن الدول التي تصدق عليها لا تقوم تحت أي ظرف باستخدام أو تطوير أو إنتاج أو امتلاك أو تخزين أو نقل الذخيرة العنقودية إلى أي شخص بشكل مباشر أو غير مباشر، أو الاحتفاظ بها أو مساعدة أو تشجيع أو إقناع أي أحد بالانخراط في أي نشاط ممنوع إلى دولة عضو في المعاهدة.

لكن تسمح المعاهدة بأنواع معينة من الأسلحة التي لها ذخائر ثانوية ترى أنها ليست لها آثار غير مميزة، أو أنها تفرض نفس المخاطر التي لدى الأسلحة الممنوعة، وهي تسمح بالأسلحة التي تشتمل على ما لا يزيد عن عشر ذخائر ثانوية، على أن يزيد كل منها عن 4 كلغ على الأقل، وعلى أن تكون لدى كل من هذه الذخائر الثانوية القدرة على الاشتباك بهدف وحيد، وأن تكون بها آليات التدمير الذاتي وإبطال المفعول ذاتيا.

"
عارضت الاتفاقية عدة دول، خاصة تلك التي تنتج أو تخزن كميات كبيرة من هذه القنابل مثل إسرائيل وباكستان والبرازيل وروسيا والصين والهند والولايات المتحدة
"
كما تستبعد من المعاهدة الذخائر الثانوية التي يزيد وزن الواحدة منها عن 20 كلغ. وتبيح المعاهدة امتلاك عدد من الأسلحة الممنوعة لأغراض تدريب وتطوير وكشف التقنيات والإجراءات المضادة وتطهير وتدمير هذه الأسلحة.

وتسمح المعاهدة للدول المنضمة إليها، بناء على مفاوضات بين الولايات المتحدة ودول أبدت قلقا بخصوص المعاهدة وخاصة أستراليا وكندا واليابان، بالتعاون العسكري مع دول غير منضمة إليها بما يوفر غطاء قانونيا للعسكريين في الدول الموقعة عليها للانخراط في عمليات عسكرية مع الولايات المتحدة ودول أخرى لم تنضم إلى المعاهدة التي يمكن أن تستخدم ذخائر عنقودية.

أما أستراليا فقد صرحت بأن المعاهدة لا تنطبق على دانات المدفعية الذكية من عيار 155مم حيث تطلق كل دانة ذخيرتين ثانويتين موجهتين لدى كل منهما وسيلة تدمير ذاتي.

المنضمون إلى المعاهدة
وافق 107 وفود على المسودة النهائية للمعاهدة بعد اجتماع استمر عشرة أيام، وبذلك جرت الموافقة على نص المعاهدة رسميا يوم 30 مايو/أيار 2008 في دبلن بإيرلندا من قبل 107 دول، بما فيها سبع دول من مجموع 14 دولة استخدمت قنابل عنقودية، و17 دولة من مجموع 34 دولة أنتجتها.

وعارضت الاتفاقية عدة دول، خاصة تلك التي تنتج أو تخزن كميات كبيرة من هذه القنابل مثل إسرائيل وباكستان والبرازيل وروسيا والصين والهند والولايات المتحدة.

فتح باب التوقيع على المعاهدة في احتفال بأوسلو يومي 3 و4 ديسمبر/كانون الأول 2008، وقد وقع عليها قبل نهاية الاحتفال 94 دولة أودعت أربع منها -هي إيرلندا وسيراليون والنرويج وهولي سي (حكومة الكنيسة الكاثوليكية العالمية بالفاتيكان)- وثائق التصديق عليها.

ومن ضمن الموقعين عليها دول الاتحاد الأوروبي الـ27، و18 من دول حلف شمال الأطلسي الـ26، إلى جانب دول كثيرة تأثرت بهذه الذخائر وعلى رأسها لاوس ولبنان.

وقد أصدر البرلمان الأوروبي في نوفمبر/تشرين الثاني 2008 قرارا يدعو كل حكومات الاتحاد الأوروبي إلى التوقيع والتصديق على المعاهدة، لكن كثيرا من دول الاتحاد لم تعلن نيتها في ذلك، بينما أعلنت فنلندا أنها لن توقع.

يلاحظ أيضا أن دولا عربية وقعت على الصيغة النهائية للمعاهدة ولم تصدق عليها، وهي تونس وجيبوتي ولبنان والصومال والعراق وموريتانيا، في حين تشير المصادر إلى أن الدول العربية التي تعرضت للقنابل العنقودية هي سوريا والسعودية والعراق وفلسطين والكويت ولبنان وليبيا ومصر واليمن، ومنطقة الصحراء الغربية.

ويشير عدم انضمام دول عربية إلى المعاهدة والتصديق عليها إلى عدم الاقتناع بجدواها حيث لا تلزم إسرائيل، وهي مصدر رئيسي لتلويث المنطقة بهذا النوع من السلاح باعتبار أنها لم تنضم إليها، وربما لوجود قوات أميركية على أراضي بعض الدول العربية بما قد يتعارض ضمنيا مع متطلبات المعاهدة.

وصل عدد الدول المصدقة على المعاهدة عند دخولها حيز التنفيذ 38 دولة، بينها دولة عربية واحدة هي جزر القمر، و14 دولة أوروبية، وتسع دول أفريقية، بينما وصل عدد الدول الموقعة عليها ممن لم تصدق عليها إلى 70 دولة.

"
السماح للدول المنضمة إلى المعاهدة بالتعاون مع دول غير منضمة إليها قد يؤدي إلى استخدام هذا النوع من الذخائر وفقد المعاهدة الكثير من تأثيرها
"
مآخذ القنابل العنقودية

كان الحافز لعقد المعاهدة هو القلق من المخاطر والدمار الشديد الذي تلحقه الأسلحة الانفجارية بالمدنيين أثناء الهجمات وبعدها، حيث غالبا ما لا تنفجر كميات متفاوتة من الذخائر الثانوية عند اصطدامها بالأرض ويمكن أن تبقى كامنة بدون انفجار لسنين إلى أن تستثار.

كما أن بعضها له لون ساطع وغير مخفي ولكنه يبدو أشبه بلعب الأطفال أو بيض أعياد الفصح، مما يجذب الأطفال للعب بها. ويزعم بعض نشطاء حقوق الإنسان أن ربع الخسائر الناجمة عن الذخائر الثانوية التي لم تنفجر من الأطفال الذين غالبا ما يلتقطون حاويات المفرقعات ويلهون بها بعد انتهاء النزاع بوقت طويل.

وقد كانت حرب يوليو/تموز 2006 في لبنان حافزا لحملة منع القنابل العنقودية لكثرة ما ألقته إسرائيل على لبنان من هذه القنابل.

المآخذ الكثيرة على القنابل العنقودية دفعت الدول إلى الدعوة لتحريم إنتاجها وتخزينها واستخدامها. ويمكن تلخيص هذه المآخذ في ما يلي:

أولا- عدم التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية، بمعنى أنها تصيب أهدافا مدنية إلى جانب الأهداف العسكرية وأحيانا تصيب أهدافا مدنية فقط، خاصة أن مفعولها غالبا ما يتجاوز فترة الصراع المسلح بين الأطراف، وقد تشكل صعوبة أمام الأطراف لتنفيذ تسوية سياسية للصراع الذي استخدمت فيه.

ثانيا- الانشطار إلى عدد كبير من القنابل الصغيرة التي تصل إلى 300 قنبلة صغيرة في الحاوية الواحدة، وهي التي تصبح كل منها مصدرا جديدا للانفجار الذي يؤدي إلى إصابة أهداف جديدة. وهي تشبه شظايا دانات المدفعية وقنابل الطائرات من حيث انشطارها إلى شظايا، ولكن الشظايا إما أن تصيب أو لا وتنتهي، بينما القنابل التي لا تنفجر تصبح مصدر خطر جديد محتمل. والمشكلة أنه لا يمكن القطع بأن منطقة ما تم تطهيرها من القنابل العنقودية، لأنه لا يمكن حصر عدد القنابل التي أسقطت وتحديد ما انفجر منها وما لم ينفجر.

ثالثا- استمرار نسبة كبيرة منها دون انفجار بحيث تظل فترة طويلة تهدد أبرياء ليست لهم علاقة بالصراع. وقد تكون نسبة ما لا ينفجر مباشرة أكبر من غيرها.

رابعا- ليست هناك وسيلة لاكتشاف القنابل العنقودية إلا بالتفتيش الدقيق لكل شبر من المنطقة التي سقطت فيها، وهي منطقة يصعب تحديد حدودها بدقة، حيث لا تسقط القنابل الصغيرة المتناثرة من الحاوية وفق نظام محدد ودقيق يمكّن من العودة إلى خرائط أو تسجيلات تحدد أماكنها بحيث تسهل على وحدات إزالة وتطهير الألغام البحث عنها وإزالتها.

ملاحظات على المآخذ
في مقابل عدم التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية الذي يؤخذ على هذه القنابل، يجب التنبيه إلى أنه ليس هناك سلاح يميز العسكري والمدني. والواقع يقول إن الذي يميز هو مستخدم السلاح وليس السلاح نفسه، حتى لو اشتمل على وسيلة للتوجيه والتوجيه الذاتي.

ويلاحظ أن الأسلحة الأميركية في أفغانستان والعراق -سواء كانت عنقودية أو غيرها- لا تميز بين هذه الأهداف، رغم ما تشتمل عليه من تقنية.

"
رغم أن دولا عربية كثيرة تعرضت لاستخدام القنابل العنقودية ضدها أو على أراضيها، فإنه من الواضح أن الدول العربية تكاد تكون قد تجاهلت المعاهدة
"
أما بالنسبة للقنابل التي لا تنفجر فليست مقصورة على القنابل العنقودية، لأن هناك أيضا أنواعا من دانات المدفعية والدبابات وقنابل الطائرات التي تنفجر في الجو، وهناك منها ما لا ينفجر عن غير قصد، ويظل مصدرا للخطر.

لكن هنا يلفت النظر إلى أن القنابل العنقودية ربما لم يقصد أن لا تنفجر نسبة كبيرة منها، كما أن كثيرا من دانات المدفعية والدبابات لا تنفجر مباشرة وقد تفشل في الانفجار وتصبح مصدرا محتملا للخطر، ويصعب التأكد من اكتشاف جميع القنابل التي لم تنفجر.

لا يعني ما سبق أن القنابل العنقودية ليست خطيرة، بل إنها بالتأكيد أخطر من الألغام المضادة للأفراد التي يطلق عليها الألغام الأرضية، حيث غالبا ما يمكن معرفة مكانها وخاصة حينما يجري العثور على خرائط وتسجيلات هذه الحقول. أما القنابل العنقودية والدانات والقنابل التي لم تنفجر فتظل لفترات غير محدودة ويصعب اكتشافها.

وتعتبر القنابل العنقودية نوعا من الأسلحة التقليدية الخطرة التي يجب تحريمها قانونا وليس بمعاهدة يجوز الانضمام إليها فقط، لما تسببه من مخاطر خارج إطار الصراع المسلح، ويصعب تجنب مخاطرها على الأبرياء، كما يجب أن لا يكون ذلك مانعا لتحريم باقي الأسلحة الأخرى التي تسبب أضرارا مشابهة.

كما أنه يجب عدم الركون كثيرا إلى التحسينات التقنية التي تدخل عليها على نحو ما سمحت به المعاهدة من أسلحة معينة بشروط معينة، حيث تشكل هذه الاستثناءات مدخلا للتحايل على أهداف ونصوص المعاهدات والقوانين.

وأخيرا فإن السماح للدول المنضمة إلى المعاهدة بالتعاون مع دول غير منضمة إليها قد يؤدي إلى استخدام هذا النوع من الذخائر وفقد المعاهدة الكثير من تأثيرها.

الموقف العربي من المعاهدة
ليس هناك ما يشير إلى أن هناك موقفا عربيا موحدا من المعاهدة، حيث لم يتخذ قرار من أحد أجهزة جامعة الدول العربية بالانضمام إليها أو عدمه، وبالتالي هناك مواقف الدول العربية حيال المعاهدة وليس موقفا عربيا موحدا حيالها.

ورغم أن دولا عربية كثيرة تعرضت لاستخدام القنابل العنقودية ضدها أو على أراضيها، فإنه من الواضح أن الدول العربية تكاد تكون قد تجاهلت المعاهدة، فقليل منها وقع عليها، ولم تصدق عليها غير دولة عربية واحدة، وهي خارج إطار الصراع العربي الإسرائيلي.

ولا شك أن عدم انضمام إسرائيل إلى المعاهدة يجعل انضمام الدول العربية إليها في صالح إسرائيل دون أي التزام إسرائيلي ودولي عليها، كما أن عدم انضمام الولايات المتحدة إلى المعاهدة يفقدها أهميتها بالنسبة لدول عربية قد تتعرض لتهديد أميركي، بينما قد يشكل عائقا أمام الدول العربية التي تربطها بالولايات المتحدة علاقات ذات طبيعة عسكرية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك