بشير الأنصاري

بشير الأنصاري

بشير الأنصاري


- الخلفية التاريخية
- الدخول من النافذة
- الاستقلال بين العنف واللاعنف
- ما أشبه اليوم بالبارحة
- رقصات الاستقلال

في 19 أغسطس/آب من كل عام يحتفل الأفغان بذكرى استقلال بلادهم من الاستعمار البريطاني، إذ في مثل هذا اليوم من عام 1919 وفي أعقاب الملاحم البطولية التي بدأت عام 1839 وانتهت عام 1919، سجل التاريخ هزيمة أعتى قوة استعمارية في قلب القارة الآسيوية وعلى جبال أفغانستان.

الخلفية التاريخية
بعد وفاة الأمير تيمور شاه الذي ورث الملك من أبيه أحمد شاه الأبدالي الذي كان يحكم إمبراطورية تبدأ حدودها من إيران وتمتد إلى آسيا الوسطى وتنتهي في قلب شبه القارة الهندية، بدأ الصراع على السلطة بين أبنائه الأربعة والثلاثين. وكان ابنه شاه شجاع عنصرا أساسيا في حلبة الصراع على السلطة.

وفي ذروة التنافس السياسي بين الإخوة الأعداء الذين سمل بعضهم عيون البعض الآخر، لجأ شاه شجاع إلى مؤسسة الهند الشرقية التي كانت سيطرت على شبه القارة وبدأت تحلم بالزحف نحو أفغانستان.

ففي عام 1839 وبعد إبرام اتفاقية بين الملك شاه شجاع وسلطات الاستعمار في مدينة بيشاور، تمكنت القوات البريطانية لأول مرة من أن تدخل العاصمة الأفغانية برفقة حفيد الإمبراطور، مما أدى إلى اندلاع سلسلة من الحروب اشتهرت في تاريخ العالم بالحروب الأنجلوأفغانية (بين عامي 1839 و1919).

وعندما دخلت القوات البريطانية مدينة كابل عام 1839 لم تواجه مقاومة في بداية الأمر، ولكن بعد مدة قصيرة بدأت رايات المقاومة ترفرف في أيدي الفرسان وأصوات الجهاد تنطلق مدوية في سماء البلاد.

لم تمض ثلاث سنوات على احتلال كابل حتى وصلت المقاومة الشعبية ذروتها، ففي الأيام الأولى من يناير/كانون الثاني 1842 وفي فترة أعياد بداية السنة الميلادية في الغرب، شهدت جبال كابل تحطيم الأسطورة البريطانية.

لقد انتهت المعركة بإبادة الجيش البريطاني الذي كان قوامه 18 ألف شخص عن بكرة أبيه. والقائد البريطاني الذي قاد المعركة كان اللواء وليام ألفنستون أحد أبطال الحرب العالمية الأولى وقائد الفرقة 33 للمشاة الذي لعب دورا أساسيا في سحق جيش نابليون بونابرت في "معركة واترلو" الحاسمة.

"
في ذروة التنافس بين الإخوة الأعداء الذين سمل بعضهم عيون البعض الآخر، لجأ شاه شجاع إلى مؤسسة الهند الشرقية التي كانت سيطرت على شبه القارة وبدأت تحلم بالزحف نحو أفغانستان
"
وقد وقع القائد ألفنستون في أسر الأفغان، وبعد ثلاثة أشهر قضاها في سجنه بكابل مات أسيرا، وأرسلت جثته إلى الحامية البريطانية في مدينة جلال آباد ليدفن في مكان مجهول.

بعد مرور 37 عاما على هذه المعركة التي لطخت سمعة بريطانيا العظمى القتالية، جاء الإنجليز مرة أخرى ليستدعوا الملك الأفغاني الجديد محمد يعقوب خان للتوقيع على اتفاقية التنازل عن استقلال البلاد، وقد اختاروا موقعة "غَندُمَك" للتوقيع على المعاهدة، وهي نفس الموقعة التي شهدت إبادة جيش ألفنستون.

ولكن الرياح بدأت تجري بما لا تشتهي السفن، حيث لم تمض ستة أشهر على توقيع هذا الاتفاق حتى انتفض سكان كابل مرة أخرى وحاصروا القلعة التي كان يسكنها ممثل الدولة البريطانية وأحرقوا المندوب البريطاني كيوناري الذي وقع على الاتفاق نيابة عن بريطانيا العظمى.

أما الحرب الأخيرة فقد بدأت في مايو/أيار 1919 واستمرت إلى يوليو/تموز من نفس العام، ولولا استعجال الملك أمان الله التوقيع على اتفاقية الهدنة مع الإنجليز وإعلان الاستقلال، لتمكن الأفغان بالتعاون مع المقاومة الإسلامية في الهند من طرد الاستعمار البريطاني إلى ما وراء البحار.

الدخول من النافذة
بعدما خرج الاستعمار من الباب، بدأ يخطط للعودة إلى المنطقة بأسلوب جديد وهو الاستعمار المقنع والتبعية المغلفة وانتهاج سياسة "فرق تسد"، وذلك بإثارة الفتن القبلية والعرقية وصناعة "القادة" و"الأبطال" الذين فتحوا له الطريق ليتمكن من الدخول عبر النافذة.

فلم يمض وقت طويل على الاستقلال حتى وجد الملك أمان الله نفسه في مواجهة مؤامرات الاستعمار من جهة، والموجة الشعبية العارمة التي كانت تعارض سياساته العلمانية من جهة أخرى، ففشل في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، مما جعله يضطر لمغادرة البلاد.

وفي هذه الفترة بدأت الدولة البريطانية التي كانت الحرب العالمية الأولى قد أنهكت قواها تتبنى سياسة الهيمنة الدبلوماسية في مواجهة الدولة الأفغانية، واختار الإنجليز محمد نادر شاه الذي كان يخدم في جيش الملك أمان الله ليتولى هذه المهمة.

بدأ نادر شاه نشاطه السياسي وتحركه العسكري بالتنسيق مع مؤسسة الهند الشرقية ومندوبها ريتشارد مكوناتشي الذي كان يمثل الاستعمار في منطقة "كُرُم" القبلية المتاخمة لحدود أفغانستان. وعندما سيطر الملك الجديد على الحكم، انتقل مكوناتشي إلى كابل ليمثل الحكومة البريطانية.

وهكذا أصبحت بريطانيا أول دولة يؤسس الملك الجديد علاقات البلاد معها، والدعم المالي الذي بدأ الملك نادر شاه يتلقاه من لندن حل محل جيوش الاحتلال، وبالتالي فإن المكسب السياسي العظيم الذي قدم الأفغان تضحيات عظيمة في سبيله، ضاع في لحظة الغفلة.

"
الدعم المالي الذي بدأ الملك نادر شاه يتلقاه من لندن حل محل جيوش الاحتلال، وبالتالي فإن المكسب السياسي العظيم الذي قدم الأفغان تضحيات عظيمة في سبيله، ضاع في لحظة الغفلة
"
الاستقلال بين العنف واللاعنف

على مرمى حجر من أفغانستان كانت شبه القارة الهندية هي الأخرى تعاني من وطأة الاستعمار، ولكن الهند سجلت تجربة تختلف عن تلك التي مرت بها شقيقتها الأفغانية.

وإذا كانت التجربة الأفغانية في مقاومة الاستعمار رمز التجارب القتالية بأسرها، فإن التجربة الهندية يمكن اعتبارها النموذج الأبرز في تاريخ اللاعنف والكفاح السلمي لطرد الاستعمار.

ومن قبيل الصدف أن تحصل كل من الهند وأفغانستان على الاستقلال في شهر أغسطس/آب. ولكن عندما حصلت الهند على استقلالها من الاستعمار البريطاني عام 1947، كان قد مر على استقلال أفغانستان 28 عاما.

إن المهاتما غاندي ورفاقه -مثل نهرو وأبو الكلام آزاد وغيرهما- قادوا كفاحهم السلمي الذي بني على رؤية إستراتيجية واضحة وتصور سياسي متطور، في حين استمدت المقاومة الأفغانية رصيدها من العاطفة الجياشة والنخوة القبلية الممزوجة بالسذاجة والفرقة والانفعال.

ولقد أثبت تاريخ حركات التحرر أن صوت غاندي الهادئ والرزين في الهند كان أعلى من زغردة البندقية المدوية فوق جبال أفغانستان.

وقد نجح خيار الكفاح السلبي والعصيان المدني وإستراتيجية اللاعنف التي خطط لها غاندي، وصارت الهند دولة حرة مستقلة، بل أصبحت تقود منظومة عدم الانحياز، ولكن بلاد الأفغان التي شهدت مقتل أكثر من أربعين ألف مقاتل تابعين للجيش البريطاني، لم تذق حلاوة الاستقلال بما تعنيه الكلمة، وظلت تعاني من الاحتلال المباشر أو استبداله باحتلال آخر حينا، والتبعية المقنعة أحيانا أخرى.

لعله من السذاجة أن ننادي بتطبيق التجربة الهندية في الأمكنة والأزمنة التي تختلف اختلافا كليا عن مجتمع غاندي، لأن تجارب حركات التحرر العالمية أثبتت أن إستراتيجية الكفاح السلمي في مواجهة الهيمنة الاستعمارية بأنواعها المختلفة غير ناجحة في كل الحالات، والأوضاع المختلفة تتطلب إستراتيجيات مختلفة.

إن جبهة الكفاح ضد الاستعمار قبل أن تكون بحاجة إلى من يمارس هواية القتال، تحتاج إلى قيادات واعية تنتهج أنسب الخيارات من بين أساليب المقاومة، وتخطط لمرحلة ما بعد التحرير.

ما أشبه اليوم بالبارحة
إذا تصفحنا تاريخ العلاقات الأفغانية البريطانية سنجد أن ما يجري الآن على أرض أفغانستان يشبه ما جرى عليها في القرن التاسع عشر.

إن المراقب لا يحتاج إلى كبير عناء حتى يشاهد حضور الرموز الاستعمارية التي مر عليها أكثر من قرن في ذاكرة الجندي البريطاني. فالقاعدة العسكرية البريطانية في كابل اليوم معسكر سوتر، أخذت اسمها من أحد قادة المشاة في الجيش البريطاني الذي أسره الأفغان عام 1842 ثم مات في السجن.

وعندما وصلت القوات البريطانية إلى منطقة ناد علي بولاية هلمند في جنوب أفغانستان، أصرت أن تستقر في قلعة شوكت وترفع العلم البريطاني على أسوار تلك القلعة التاريخية التي كانت القوات البريطانية خرجت منها قبل قرن.

ومن جانب آخر، إن الأصوات البريطانية المنادية بعبثية الحرب في أفغانستان اليوم ومن ثم الانسحاب منها، ليست إلا صدى لما قاله عقلاء القوم قبل 176 عاما.

في عام 1843 وبعد عودته من أفغانستان، كتب ريورند غريغ أحد قساوسة الجيش البريطاني الذي نجا من الحرب الأفغانية البريطانية الأولى ضمن مجموعة صغيرة.. كتب في مذكراته عن تجربته الحربية في أفغانستان قائلا إن "هذه الحرب التي تتصف بمزيج غريب من الجبن والتهور بدأت لنيل أهداف غير معقولة، ولم تحقق لنا سوى المعاناة والكوارث، ولم تأت بفائدة تذكر، لا للحكومة التي خططت لها ولا للجيش الذي خاض غمارها. إن انسحابنا من تلك البلاد لم يكن إلا هزيمة عسكرية".

"
المغامرة البريطانية المعاصرة محكومة بالفشل كما فشلت اللعبة الكبرى في القرن التاسع عشر، ولكن هل بإمكان أفغانستان أن تحصل على الاستقلال بما تحمله الكلمة من معنى؟
"
التضارب في النوايا البريطانية يعتبر خصوصية مشتركة لكلتا المرحلتين، فبينما يصرح قائد الجيش البريطاني في أفغانستان الجنرال ديفد ريتشاردز بأنه لا مجال مطلقا للانسحاب، وأن العملية قد تستغرق ثلاثين أو أربعين عاما (صحيفة ذي تايمز، 8/8/2009)، نجد سياسيين آخرين يظهرون نوايا الانسحاب.

ففي المفاوضات التي جرت يوم 23 ديسمبر/كانون الأول 1841 بين الوفد الأفغاني برئاسة الوزير محمد أكبر خان والمندوب البريطاني في كابل مكناتن، كشف الوفد الأفغاني عن اتفاقيتين متناقضتين كان قد وقع عليهما المندوب البريطاني مكناتن مع أطراف أفغانية.

ففي الوثيقة الأولي تعهدت بريطانيا بالانسحاب وفي الثانية أكدت على بقائها في أفغانستان، الأمر الذي أثار حفيظة رئيس الوفد الأفغاني محمد أكبر خان فأخرج مسدسه وقتل المندوب البريطاني أثناء المفاوضات.

وعندما اشتدت حركة المقاومة ضد الاستعمار البريطاني وأصبح الملك شاه شجاع الذي جاء به الإنجليز يشعر بحجم المعارضة الشعبية، بدأ يقلب لأصدقائه البريطانيين ظهر المجن.

ففي 15 ديسمبر/كانون الأول 1941 أعلن الملك الجهاد من قلعة بالاحصار التاريخية في كابل ضد الإنجليز وبدأ يركب الموجة، بل أصبح يرأس المجموعات الأفغانية المقاتلة ضد القوات البريطانية.

والغريب أن حامد كرزاي الذي يعيش اليوم في كنف الحماية الأميركية مَثَله كمثل سلفه شاه شجاع، بدأ منذ سنة يحوّل وجهته وأخذ يعلن في مجالسه الخاصة والعامة أنه الشخص الوحيد الذي يقف في وجه الدول الغربية وطموحاتها الاستعمارية.

ولكن ثمة فرقا أساسيا بين الفترتين الاستعماريتين يجدر ذكره، ففي الفترة الأولى كانت بريطانيا تسعى لتثبيت حكم شاه شجاع الذي كان يتمتع بنوع من الشرعية لكونه حفيد الإمبراطور الأفغاني أحمد شاه الأبدالي، في حين جاءت هذه المرة لتشارك في تنصيب رجل مغمور لم يكن يعرفه أحد.

رقصات الاستقلال
في الذكرى الحادية والتسعين لاستقلال أفغانستان، نحن أمام مشهد امتزج فيه الحزن بالفرح والبكاء بالضحك، واختلط فيه الاستقلال بالاحتلال وجعل النفاق يظهر في أسوأ مظاهره.

إن الإنسان الأفغاني الذي يستمع إلى برقيات التهنئة والبيانات الرسمية، أو يشاهد حفلات اليوم الوطني التي تشهد انتحار المعنى، يسأل نفسه: هل لليوم الوطني من مغزى؟ وهل يمكن للاستقلال والاحتلال أن يتعايشا؟

إن المغامرة البريطانية المعاصرة محكومة بالفشل كما فشلت اللعبة الكبرى في القرن التاسع عشر، ولكن هل بإمكان أفغانستان أن تحصل على الاستقلال بما تحمله الكلمة من معنى؟

الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل كان يقول إن الأحداث الكبرى والشخصيات التاريخية تتكرر مرتين، في المرة الأولى تظهر في شكل مأساة, وفي المرة الثانية في شكل مهزلة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك