عادل لطيفي

عادل لطيفي

كاتب وباحث أكاديمي


- ظاهرة دستورية أم تجارب دستورية؟
- موقع الإسلام بين المشرق والمغرب
- قراءة في الاختلاف

تولدت هذه الملاحظات على هامش عمل بحثي في طور الإعداد يتعلق بالنقاش الذي احتضنه المجلس القومي التأسيسي في تونس غداة الاستقلال بين عامي 1957 و1959 حول وضع دستور جديد للبلاد.

ورغم أن هذه الملاحظات تتعلق أساسا بموقع الإسلام في الدساتير الأولى التي تم تبنيها فجر الاستقلال، فإن أهميتها المعرفية تتعدى ظرف البناء الوطني لتجد مكانها في الحاضر السياسي للعالم العربي.

ظاهرة دستورية أم تجارب دستورية؟
هناك إشكاليات مهمة قلما تناولها البحث الأكاديمي العربي، كما ندر أن خرجت من مؤسسات البحث إلى القارئ العادي.

ربما يتعلق الإشكال الأول بتاريخ تشكل الظاهرة الدستورية في العالم العربي، لكن قبل ذلك ما مدى شرعية القول بوجود ظاهرة دستورية أصلا؟

أما فيما يتعلق بالإسلام وموقعه في النصوص الدستورية التأسيسية فبالإمكان طرح التساؤل حول فرضيتي أسلمة الدستور أو دسترة الإسلام ضمن هذه النصوص.

يتطلب التطرق لإشكالية الإسلام في الدساتير العربية وضعها ضمن سياقها التاريخي العام، غير أن مجال هذه الملاحظات لا يسع متطلبات الاستعراض البحثي المتأني.

"
يمكن القول بشكل ملخص واستباقي، إنه بالإمكان الحديث عن ظاهرة دستورية في العالم العربي بالمعنى التاريخي للكلمة
"
لذلك يمكن القول بشكل ملخص واستباقي إنه بالإمكان الحديث عن ظاهرة دستورية في العالم العربي بالمعنى التاريخي للكلمة، أي أن هناك تجارب دستورية قديمة ومتواصلة. لكنه في نفس الوقت من الصعب الحديث عن ظاهرة دستورية من وجهة نظر الفاعلية العملية لهذه النصوص.

وأكبر دليل على ذلك ابتذال التحويرات الدستورية، وخاصة في البلدان التي عرفت بعراقة تجاربها الدستورية مثل مصر وتونس وسوريا.

لا بد من التذكير في هذا الإطار أن أغلب التجارب الدستورية العربية تعود جذور نشأتها إلى التنظيمات التي عرفتها الدولة العثمانية مع منتصف القرن التاسع عشر.

وكانت الإيالة التونسية أول بلد في العالمين العربي والإسلامي يشهد ولادة نص دستوري عرف بدستور عهد الأمان عام 1857، لكن الباي التركي ألغى النص عام 1864 إثر ثورة الأرياف التونسية.

وعند دخول الاستعمار الفرنسي تحول هذا الدستور إلى رمز من الرموز التي طبعت العمل الوطني في تونس، وإلى مطلب أساسي للحركة الوطنية التونسية.

التجربة الدستورية في مصر لا تقل عراقة عن مثيلتها التونسية، إذ شكل الدستور في هذه الحالة كذلك مطلبا حيويا في وجه الاستعمار الإنجليزي منذ إصدار أول نسخة عام 1882.

لكن النص الدستوري الحقيقي أعلن عام 1922 ليتم إلغاؤه عام 1930 عندما أحس الملك بتعاظم دور البرلمان. وبعد ذلك انتظرت مصر إلى عام 1971 لتبني الدستور النهائي بعد تلاشي حلم الوحدة.

يمكننا أن نضيف إلى مثالي مصر وتونس حالات سوريا والعراق ولبنان، وذلك على مستوى العمق التاريخي لولادة النص الدستوري الذي ارتبط ببداية الانتداب.

لكن على خلاف المثالين الأولين، لم تجد المدونات الدستورية الأخرى طريقها إلى النخبة السياسية الفاعلة وبقيت إنتاجا استعماريا محضا.

أما في باقي البلدان العربية فتعود أغلب الدساتير -النهائية منها والمؤقتة- إلى بداية دولة الاستقلال.

لكن الملاحظ اليوم -سواء في حالة البلدان ذات العراقة الدستورية أو الحديثة منها- أن فاعلية الدستور على مستوى ضبط العلاقة بين السلطات أو على مستوى ضمان مرجعية قانونية عليا، تبقى محدودة أو لنقل منعدمة أحيانا.

دليلنا في ذلك أن النصوص القانونية ذات فاعلية أكبر من المرجعية الدستورية في كل البلدان العربية، حتى إن بعض الدساتير تكاد تكون على مستوى صياغتها رهينة "البدع" القانونية.

فكل شيء مضمون نظريا للمواطن، شريطة ألا يخلّ ذلك الحق أو تلك الحرية بقانون لم يشارك في وضعه هذا المواطن.

هذا ما يفسر سعة الهوة بين النصوص الدستورية الديكورية وبين واقع مؤطر بحزمة من القوانين تصل حد التعارض مع الدستور.

"
في المغرب العربي يكاد يقتصر حضور الإسلام الدستوري على بعده الثقافي والوجداني العام، حيث يتم التذكير في دساتير هذه البلدان بأن الإسلام واللغة العربية عنصران مؤسسان للهوية الوطنية
"
موقع الإسلام بين المشرق والمغرب

قبل التطرق إلى موضوع موقع الإسلام في الدساتير العربية، لا بد من الإشارة إلى أن أغلب الدول العربية اختارت لنفسها بعد حصولها على الاستقلال دساتير وضعية ليبرالية في أغلبها.

وهذا يعكس من ناحية انتشار الوعي بضرورة وجود تأطير دستوري ينظم حياة الدولة، ومن ناحية ثانية اقتناعا ضمنيا بضرورة تجاوز الأطر التقليدية لتنظيم الدولة.

ورد ذكر الإسلام في ثلاثة مواقع أساسية في أغلب الدساتير العربية: في المقدمة أو الديباجة أولا، من خلال التذكير بتمسك الشعب بالإسلام (تونس 1959 والجزائر 1963 وسوريا 1950). ثم ثانيا من خلال تعريف الإسلام على أنه دين الدولة، وهذا قاسم مشترك بين كل الدساتير العربية تقريبا (تونس الفصل الأول، والمغرب الفصل السادس، ومصر الفصل الثاني من دستور 1971). ثم أخيرا من خلال شرط الإسلام كدين لكل شخص يتولى هرم تسيير الدولة كما ورد في الفصل الثامن والثلاثين من الدستور التونسي والفصل الثالث من الدستور السوري.

يلاحظ من جهة أخرى أن أغلب الدساتير العربية ذكرت الإسلام ضمن إطاري الدولة والوطن وبعيدا كل البعد عن مفهوم الأمة الإسلامي.

فنحن أمام حالة "دولنة" (étatisation) وتأميم (nationalisation) للإسلام من طرف النخب السياسية التي انفردت بعملية البناء الوطني، وهي بذلك تضمن لنفسها شرعية دينية وثقافية، كما تضمن حق التصرف في الموروث الديني والتحدث باسمه.

ربما يفسر هذا التأميم وهذا التأميم النخبوي سعي التيارات الإسلامية لاحقا لقلب المعادلة عبر السعي لأسلمة الدولة والوطن ضمن إطار شعبي.

مقابل ذلك تبدو الفوارق أوضح وخاصة بين النماذج الدستورية المغاربية ومثيلاتها المشرقية، على مستوى فاعلية الحضور الدستوري للإسلام.

ففي بلاد المغرب، يكاد يقتصر حضور الإسلام الدستوري على بعده الثقافي والوجداني العام، حيث يتم التذكير في دساتير هذه البلدان بأن الإسلام واللغة العربية عنصران مؤسسان للهوية الوطنية، أي أن الإسلام في هذه الحالة هو أساسا ثقافة وهوية أكثر من كونه دينا.

ما عدا هذا الوجود الرمزي المؤطر للهوية الوطنية، لا نجد في الدساتير المغاربية أي فاعلية دستورية للإسلام، على عكس ذلك يسجل الإسلام الدستوري المشرقي فاعلية واضحة تتجلى في الإشارة الصريحة إلى أن الإسلام (الفقه أو الشريعة) هو المصدر الأساسي للقوانين، مثل المادة الثانية من الدستور المصري والمادة الثالثة من الدستور السوري.

تضيف هاتان الحالتان إلى ذلك وضع حقوق المرأة ومساواتها بالرجل ضمن ما تسمح به الشريعة (المادة الحادية عشر من الدستور المصري)، واعتبار الأوقاف الإسلامية ملكا للمسلمين (المادة الرابعة والثلاثون من الدستور السوري). لا تقتصر هذه الملاحظات على حالتي مصر وسوريا، ذلك أن أغلب البلدان العربية المشرقية حذت حذو هذين النموذجين.

على هذا النحو إذن يكتسب الإسلام فاعليته الإجرائية الدستورية في المشرق عبر تثبيته كقاعدة لبلورة القوانين، أي أن هناك امتدادا قانونيا صريحا للإسلام الدستوري لا نجد له مثيلا يذكر في الحالات المغاربية. كيف نفهم هذه الفوارق؟

"
ارتبط التأكيد على الفاعلية القانونية -وبالتالي الاجتماعية- للإسلام في المشرق العربي، بأهمية التنوع الديني والطائفي هناك
"
قراءة في الاختلاف

لا يتسع المجال هنا لتقديم أجوبة نهائية على جذور وأسباب هذه الاختلافات، لذلك سنكتفي بتقديم بعض الفرضيات التي قد تساعد القارئ على فهم هذا الإشكال.

ربما ارتبط التأكيد على الفاعلية القانونية -وبالتالي الاجتماعية- للإسلام في المشرق العربي بأهمية التنوع الديني والطائفي هناك.

ففي سياق هذا التنوع -المعترف به رسميا أو اجتماعيا- تخرج المنافسة بين المجموعات الاجتماعية من إطار الهوية ومجرد الاعتراف بها، إلى مستوى البحث عن الفاعلية الاجتماعية لهذه الهويات الدينية والطائفية، وهو رهان مطروح بإلحاح أكثر على الإسلام السني المهيمن، إذ لا بد له من تأكيد تفوقه السياسي والديمغرافي عبر ضمان فاعليته الاجتماعية المسنودة بإطار دستوري وقانوني واضح.

أما في الحالة المغاربية فإن مسألة التنوع الطائفي والديني تكاد تكون غير مطروحة في مغرب مسلم سني مالكي في غالبيته الساحقة. الاختلاف الوحيد المطروح هنا هو بين ما هو مسلم وما هو غير مسلم، وهذا ما يفسر حضور الإسلام كرمز وكهوية وكثقافة في الدساتير المغاربية.

تتمثل الفرضية الثانية في وجود علاقة ما بين النموذج الاستعماري الذي هيمن على البلدان العربية وبين نماذج الدساتير التي تولدت عن حركات الاستقلال.

والحديث مركز هنا على الاختلاف بين النموذجين الاستعماريين: الإنجليزي الذي هيمن على بلاد المشرق، والفرنسي الذي هيمن على بلاد المغرب. فمن المعروف لدى جمهور المؤرخين أن النموذج الاستعماري البريطاني عرف بسلاسته في التعامل مع مسائل الهوية والثقافات المحلية للشعوب المستعمرة. وتعد هذه السياسة نتيجة لتقاليد فدرالية بريطانية عريقة.

ربما لهذا السبب لم يخلف هذا النموذج وراءه إشكالية الهوية الوطنية المهددة من الخارج والتي كانت ستعد تحديا للمشرعين الدستوريين زمن البناء الدولتي الوطني في المشرق.

على العكس من ذلك، عرف النموذج الاستعماري الفرنسي بشيء من الصرامة والعنف في تعامله مع التنوع الثقافي والديني، فقد كان الساسة الفرنسيون حريصين على تركيز النموذج الفرنسي على أنقاض ما وجده من ثقافات محلية، كما حصل في الجزائر وكذلك في تونس والمغرب ولو بحدة أقل.

ضمن هذا الإطار نفهم إشكالية الهوية الوطنية التي هيمنت على العمل الوطني المغاربي والتي نجد لها صدى واضحا في أول دساتير الاستقلال.

لم يكن القصد من هذه الملاحظات إصدار حكم ما على ضرورة التنصيص الدستوري على الإسلام من عدمه، كما لم يكن القصد الحكم على موقع الشريعة الذي يمكن أن تتبوّأه في المنظومة الدستورية العربية. وهي أسئلة ملحة بالفعل، خاصة أمام تعارض الصبغة البشرية للنص الدستوري مع الصبغة الإلهية المطلقة للشريعة وما يتبعها من خلافيات.

بل تعلق الأمر في الأساس بإبراز الإسلام الدستوري كمؤشر على التنوع الاجتماعي والتاريخي العربي، وهو عنصر مهم لفهم جانب من جوانب الواقع السياسي العربي الحالي.

المصدر : الجزيرة

التعليقات