توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


حين أصدر المتقاعدون العسكريون بيانهم الأول في الأول من مايو/أيار المنصرم، كنا في مقدمة من رحب به انطلاقا من إيماننا بحق كامل الشعب الأردني في المشاركة في صياغة سياسات البلد وتصويبها والمحاسبة على أخطائها والمعاقبة على خطاياها.

ولكن ترحيبنا لم يخل من نقد لبعض ما شاب البيان من أخطاء دستورية وعيوب في الصياغة تجاوز بعضها الهنات الناتجة عن قلة الخبرة السياسية لمحترفي العسكرية، إلى ما توقعنا أنه خلط متعمد قام به بعض من "ركبوا موجة البيان" لتحقيق طموحاتهم الشخصية، أو لتغليب رؤيتهم وأيديولوجياتهم بتسجيل أهداف بالتسلل.

ولكون طرف آخر دخل على البيان غير أصحابه العسكر يتضح من وقوع البيان في عدد من التناقضات مع نفسه، أبرزها أنه يدعو لتوحيد الصفوف، ولكنه يتبع هذا بما لو شرع في تطبيقه، فإنه سيشق الصف الوطني إلى نصفين.. وهذا ما جعل جزءا كبيرا من "الشرق أردنيين"، يرفضون هذا البند باعتباره ضارا بالأردن وبالأمة العربية.

وخير من عرض وجهة النظر هذه الكاتب والمناضل علي حتر، وتحديدا في سلسة من ثلاثة مقالات نشرتها له مؤخرا أسبوعية السبيل الصادرة عن حزب جبهة العمل الإسلامي، تحت عنوان "أسئلة للمتقاعدين العسكريين ومقالة روبرت فيسك".

وقد أغناني ما ورد في مقالاته الثلاثة ببلاغة وإيجاز، عن محاولتي شبه المستحيلة الإحاطة بموضوع تشعب وتشتت وتناقض كما لم يحدث من قبل لأمر، لكون تناوله بات إما مغيبا أو حصريا، وذلك لعلاقته بالمتقاعدين العسكريين. إذ دخول المتقاعدين العسكريين على مطالب الإصلاح مؤشر على توسع قاعدة الاحتجاج الشعبي لتشمل قطاعات لم تتعامل بالسياسة مباشرة من قبل.

"
دخول المتقاعدين العسكريين على مطالب الإصلاح مؤشر على توسع قاعدة الاحتجاج الشعبي لتشمل قطاعات لم تتعامل بالسياسة مباشرة من قبل
"
ولكن أثر هذا الدخول الفعلي وحجمه الحقيقي يبقى أمرا يحدده العسكريون أنفسهم، لكون الخلط الناتج عن القفز على بيانهم والتراجع عنه بفعل ضغوط مورست عليهم، أصبحت تحير مؤيديه قبل معارضيه.

وهنا يمكن اعتبار أسئلتي الموجهة للعسكريين استكمالا لأسئلة علي حتر، وكلانا لا يزيد عن أن يطرح أسئلة الشارع الأردني.

مصدرو البيان عادوا، بعد إصداره بقليل، وأكدوا أنهم لم يطالبوا بسحب جنسيات قطاع من الأردنيين، بل إن الناطق الرسمي باسمهم قال لصحيفة "العرب اليوم" حرفيا "من يحمل الرقم الوطني أردني.. يا إلهي، كيف يمكن أن نطالب بترحيل الفلسطينيين، هذا غير ممكن.. هنالك من لا يقرأ، وهنالك من اتخذ موقفا مستندا على ما قيل له بأننا قلناه، وهذا لا يجوز".

واتهم الناطق أطرافا "عمدت لركوب موجة البيان"، مستعملا نفس التعبير الذي قلناه لنفس الصحيفة في نفس التحقيق وقبله، وحاولت الجهات التي ركبت موجة البيان تفسير قولنا بأنه تصد من قِبَلنا لبيان العسكر.

وكان يفترض أن يحسم الأمر هنا، لولا أن ركوب موجة العسكريين تجاوز التنظير لهم إلى تحديد وتغيير أولوياتهم ووجهتهم وصولا، ليس فقط للتعامل معهم "مفتاحا انتخابيا"، بل بافتراض أن قواعد هؤلاء المتقاعدين، العسكرية والعشائرية، بات يملكها هؤلاء المنظرون، وتشكل (حتى قبل البدء بتنظيمها) ما يشبه "الحزب الحاكم" في نسخته العربية.

ويعزز هذا شروع في إقصاء وإنكار الوجود السياسي للآخرين، بل وشتمهم وتخوينهم وصولا لتهديدهم، ليس فقط بالمتقاعدين العسكريين، بل و"بالأجهزة الأمنية".. وكأن كامل الجسم العسكري والأمني العامل والمتقاعد بات يقوده هؤلاء المنظرون المنصبون أنفسهم ممثلين حصريين للوطنية، وقادة حصريين للوطن!

فهناك كم كبير من الكتابة المنشورة محليا تمثل مسار هذا التطور العجيب المناقض للدستورية والديمقراطية التي طالب بها المتقاعدون العسكريون في بيانهم الأول، في حين لزم علي حتر اللجوء لجريدة حزب إسلامي معارض -وعلي حتر يساري مسيحي- لنشر ردوده على هذا الذي يكتب، وتحديدا على أحد أبناء عمومته، بينما الأخير يملك موقعا تصدر هذا النهج.

يقول صاحب هذا الموقع، بعد أيام فقط على صدور بيان لجنة المتقاعدين العسكريين "لا أظنّ -بل أجزم- أن أعضاء اللجنة لم يكونوا يعلمون أنهم مقدمون على فعل تاريخي.

كانت تتجمع لديهم بالطبع مشاعر قلقة وأفكار وهواجس ومخاوف وانشداد للعب دور في مواجهة التحديات، يعبّر عن الضمير والشجاعة، بأكثر مما يعبّر عن إستراتيجية في السياسة.

لكن أبناء شرق الأردن كانوا يتطلعون إلى جهة تنظّم هواجسهم وتطرح مطالبهم في رؤية. الرؤية لم تكن غائبة، ولكنها كانت رؤية مثقفين متماسكة وحيوية، ولكنها بلا جسد.. الحكم والمعارضة معا مفلسان إزاء رؤية وطنية متماسكة تحوّلت بين عشية وضحاها إلى ثقافة شعبية".

هذه "الرؤية" تختص تحديدا بالجزئية موضع الالتباس المذكور أعلاه، من بيان العسكر.. وهي حقيقة رؤية هذا الكاتب شخصيا للعلاقة بالأردنيين من أصل فلسطيني المعروفة منذ عقود، لكونه ما فتئ يعيد إنتاجها في مقالاته.

وهو يعترف هنا أن "رؤيته" تلك كانت بلا جسد شعبي يحملها، ولكنها تحولت بفعل البيان إلى ثقافة شعبية حلت عند الشعب محل مجمل رؤى الحكم والمعارضة اللذين اعتبرهما مفلسين.

ولكن منطق السياسة يقول إن البيانات العسكرية لا تصنع "ثقافة" شعبية بين عشية وضحاها. وإذا كان الحكم والمعارضة مفلسين كما يقول الكاتب، وكانت رؤيته هو تعالج هواجس الأردنيين وتجسد مطالبهم بصورة "متماسكة وحيوية" فالمفترض أن يكون الأردنيون اصطفوا وراءه منذ أمد في تنظيم يبز كل تنظيمات المعارضة الأردنية وكل قوى الحكم.. خاصة أن الرجل صحفي قديم يملك منابر متعددة أغلبها محلي، مما يفترض أن يخدمه أكثر من أي صاحب رؤية في التاريخ كله ممن تحولت رؤاهم لثقافات شعبية في سنوات معدودة.

"
ركوب موجة العسكريين تجاوز التنظير لهم إلى تحديد وتغيير أولوياتهم ووجهتهم وصولا، إلى التعامل معهم "مفتاحا انتخابيا"، بل بافتراض أن قواعد هؤلاء المتقاعدين بات يملكها هؤلاء المنظرون
"
ما يفعله أي بيان عسكري هو أن يعد بتغييرات تتجاوب مع ما كان أصبح هواجس ومطالب شعبية محددة.

وإمكانية تقدم أصحاب البيان إلى موقع قيادي شعبي أو إمكانية بقائهم فيه (ومعهم من يركبون موجته)، مرهون بمقدار ما يحققه هؤلاء من تلك الوعود.

وبالعودة إلى بيان المتقاعدين العسكريين نجد أن سر تأييده يكمن في وعود في مجالات ثلاثة، أولها التأكيد على الدستور والمطالبة بتطبيقه نصا وروحا، مع تحديد أن هذا التطبيق يلزم بألا يكون لغير الملك أي سلطة مهما كانت درجة قرابته منه، وأن يمارس الملك سلطاته من خلال حكومة تحصل على ثقة مجلس نواب منتخب بنزاهة.

والمطلب الواعد الثاني للمتقاعدين يتمثل في شن حملة "حقيقية وشاملة" على الفساد و"مصادرة ثروات الفاسدين" واستعادة الملكية العامة للقطاعات الاقتصادية الإستراتيجية، وفرض نظام ضريبي تصاعدي يحقق العدالة وفق الدستور.

والمطلب الثالث هو دعم القوات المسلحة وتسليحها بمنظومة صواريخ فعالة وتفعيل قانون الجيش الشعبي لمواجهة أخطار العدوان الصهيوني المتوقع.

والرابع (جرى لاحقا إسقاط تفاسير مغرضة عليه)، ينص على إعادة الاعتبار للهوية الوطنية الأردنية وإطلاق حرية التنظيم السياسي والإعلامي والشعبي للحركة الوطنية الأردنية، وضرب القوى المرتبطة بالمشروع الصهيوني.

وقبل ورود مجمل تلك التفاسير اللاحقة، كانت هذه كلها مطالب مجمع عليها من كافة الشعب بقواه الوطنية المنظمة وغير المنظمة.

ولهذا قوبلت بتأييد وترحيب كان يمكن أن يكون شاملا لولا المطلب المتبقي في البيان، وهو "دسترة قرار فك الارتباط" غير الممكن دستوريا، كما أوضحنا من قبل في مقالتنا "عن الهبة الأردنية".

وأكثرية الأردنيين يعارضون فك الارتباط ليس فقط لكونه غير دستوري، بل لأنهم يعتبرون ما جرى وما قد يجري باسمه معينا للعدو الصهيوني الذي يريد تصدير أزمته إلينا.. بدليل أن بيانا يعارض هذه الجزئية تحديدا من بيان العسكر ويؤيد بقية البنود الإصلاحية فيه صراحة أو ضمنا، أصدره القيادي الأردني الأستاذ أحمد عبيدات، وقعه الألوف خلال أيام معدودة.

وبقي هنالك آخرون لم يرضوا بالبيانين، لأن سقفهم الوحدوي والنضالي أعلى من البيانين، كما عبر عنهم علي حتر. وهذه حقائق يجب الإقرار بها من قبل أي سياسي عينه على الشارع والقواعد الشعبية حقيقة.

وبالنسبة للمتقاعدين العسكريين تزداد أهمية إدراك هذه الحقائق لأن مصير تجربتهم الفتية متعلق بها، وسيكون من المؤسف أن يسمح بإجهاضها من الداخل، وبخاصة أن جهودا عليا كثيرة تبذل لإجهاضها.

ومن حقنا وحق أصحاب البيان في آن أن نسألهم، متجاوزين وصاية أي كان عليهم، فيما اختلط علينا من مواقفهم قبل أن نحدد، أو نعيد تحديد، موقفنا من حراكهم.

وبداية نسألهم من هم؟ فاتّباع نص على الورق يستحيل إن لم يُعرف صاحبه.. فالنصوص متشابهات، وكما يقول المثل الإنجليزي، المغني وليس الأغنية.

والموقعون على بيان عبيدات أوردوا أسماءهم الصريحة، ولكننا لا نعرف من هم أصحاب بيان العسكر الستون (ويقال إنهم اثنان وخمسون) سوى أسماء بضعة نفر.

"
هناك آخرون لم يرضوا بالبيانين لأن سقفهم الوحدوي والنضالي أعلى من البيانين، كما عبر عنهم علي حتر
"
وما تكرر من قول العسكر إنهم سيعلنون أنفسهم لاحقا أدى إلى شكوك في أن بعضهم يخشى العلنية، وهو ما سهل قفز غيرهم لاحتلال واجهتهم ونسبة أي تأييد يأتيهم لهذا الغير.. والأسوأ ما تشيعه جهات بعينها من أن هؤلاء المتقاعدين أبقوا باب التفاوض الفردي معهم مفتوحا.

وإزاء هذا يصبح حذر المتقاعدين لا مبرر له، خاصة أن الحديث عن بيان وليس عن منشور سري، إضافة لكون الحكومة والجهات الرسمية تحديدا تعرف كل واحد من مصدريه.

السؤال الثاني هو عن بيان العسكر الثاني وما سبقه من توضيحات للبيان الأول، فمع أنه سجل لمصدريه أنهم أعلنوا مقاطعتهم للانتخابات رافضين بذلك مطلب المنظر سابق الذكر الذي كتب مفصلا في مزايا المشاركة، ومبرزين بهذا درجة من الاستقلالية بما يحيي إمكانية التعامل معهم كجسم مستقل ذي طرح مستقل، وليس كجسم ألبس ثوبا قديما ووضع له رأس جاهز.. إلا أن هنالك مجددا، ما يسجل على صيغة البيان الثاني مثل التصريحات.

فكل ما صدر عن لجنة المتقاعدين بعد البيان الأول خلا من ذكر الالتزام بالدستورية، وفصّل فقط في طرق تطبيق فك الارتباط.

والفارق أن "دسترة فك الارتباط" تراجعت إلى "قوننته وتنظيمه"، مع العلم أن القوانين والأنظمة المتعارضة مع أحكام الدستور باطلة، مثلها مثل قوانين الضريبة والانتخابات المؤقتة التي اعترض عليها بيان العسكر.

وبنفس القدر خلا بيانهم الثاني وتوضيحاتهم من أي ذكر لتسليح الجيش وتشكيل الجيش الشعبي.. كما غاب أي تفصيل أو تجديد لطلب "الحملة" على الفساد ومصادرة ثروات الفاسدين. لا بل إن آخر بيان للعسكر (لحين إقفال مقالتي هذه) وعد بتقديم "رؤى" لمحاولة "التخفيف" من الوضع المعيشي السيئ للمواطنين "دون تكليف الدولة شيئا"!

وهذا قول يطمئن المسؤولين الفاسدين ويقلق المواطنين الذين عولوا على "رؤية" صريحة للمتقاعدين في بيانهم الأول تتعلق بالثروات المتحققة من الفساد واستعادة الأصول المبيعة لشركات أو عبر وساطات مسؤولين بأسعار بخسة.

ورفاه المسؤولين يتأتي من أموال الخزينة فكيف لا يمسها "التخفيف" من الوضع المعيشي "السيئ" لمفقرين يرفدون خزينة الدولة بالضرائب والرسوم المتأتية من جيوبهم بقوة قانون الضريبة المؤقت غير الدستوري المحابي للأغنياء.

ونختم بما استجد على حركة المتقاعدين العسكريين، وهو تصدرهم لعقد "مؤتمر وطني" يقولون إنه "المؤهل وحده لإصدار الوثائق السياسية المعتمدة وطنيا" وإنه لا يستثني أيا من المواطنين من "الانخراط في جهود المؤتمر وفق قرار فك الارتباط" (أي أنهم استثنوا أكثر من نصف الأردنيين من أصول فلسطينية).. وأن المؤتمر "سيمثل الأردنيين بلا تمييز إلا على أساس الالتزام بثوابت نداء الأول من مايو/أيار".

وهذا "تمييز" آخر يستثني من فوره جزءا آخر أكبر من الأردنيين حين يحدد لهم مسبقا فحوى الوثائق التي ستصدر.. ومن صياغات كهذه يستشف ركوب أخطر لموجة المتقاعدين يعيد إنتاج ما نفاه المتقاعدون واستنكروا أنهم قـُوّلوه!

وما يؤكد هذا الاستنتاج أن هذا كله يتزامن مع إدانة ومحاولة إقصاء متصاعدة لكامل الجسم السياسي الحالي التي يقوم بها من فرضوا أنفسهم منظرين للمتقاعدين العسكريين من خارج لجنتهم، يذكر بتصنيفات "أعداء الثورة".

وقد بدأ منذ الآن تهديد من يُقصَون والتلويح، ليس بسيوف المتقاعدين العسكريين فقط، بل وبـ"الأجهزة الأمنية" بعمومها!

فمنظّر الحركة الذي ألبسها "رؤيته" يقول إنه في العقد الأخير، انتقلت كل القوى التي كانت تشكل المعارضة كالحركة الإسلامية والأحزاب القومية واليسارية والنقابات المهنية والشخصيات القيادية المستقلة.. انتقلت موضوعيا إلى خندق المشروع الأميركي الكمبرادوري في الأردن "من خلال اصطفافها وراء شعار الوحدة الوطنية المزيف وهو ليس سوى ستار لعملية التجنيس والتوطين والمحاصة والخضوع لنظم السوق المعولم وسيطرة الكمبرادورية والنيو ليبرالية وقوى الفساد"، حسب قوله.

"
كل ما صدر عن لجنة المتقاعدين بعد البيان الأول خلا من ذكر الالتزام بالدستورية، وفصّل فقط في طرق تطبيق فك الارتباط
"
ويعتبر أن "الحركة الوطنية"، ويعني تنظيمه الذي ينوي تشكيله (والمتنازع على تسميته مع تنظيم آخر قائم قبله وتعتبره الحكومة غير مشروع) بالاستناد إلى قواعد المتقاعدين العسكريين وبعض التحركات المطلبيّة المستقلة (منهم المعلمون وعمال المياومة)، مضافا إليها "عشرات التجمعات العفوية الناشئة في الجامعات والعشائر" (مع أن هذه باتت تعتبر بما يشبه الإجماع مصدر العنف الجامعي والعشائري المدان الذي شاع مؤخرا).. يعتبر أن حركته هذه غير المتشكلة بعد، تعبّر وحدها عن المعارضة الآن، والأهم، عن "الحركة الوطنية الأردنية" التي هي تاريخ أردني جمعي غني لا يحق ولا يمكن لأحد اختزاله في نفسه وفي صحبه!

وفي مرحلة لاحقة، وفي "شيء من الغضب" تلا إعلان المتقاعدين العسكريين قرارهم مقاطعة الانتخابات، يقول هذا المنظر إن الطروح السياسية لتياره غير المتشكل تمثل "أرقى الأشكال فكرا وممارسة"، وأن ليس مقابلهم "سوى الكذب والبهتان والتزوير وعلك الشعارات الفارغة وخلط الأوراق والحقد والسماجة والعمالة والانحطاط الثقافي". وأن ليس هنالك مجال للطعن في حركته "اللهم إلا من شبكات الموساد السرية والعلنية، مهما تزيت بأثواب زائفة، قوموية وليبرالية وإسلاموية، لكنها زائفة، يرتديها فاسدون ومتواطئون"..

ويقول مهددا "زمر الصغار من المرضى بالمازوشية والانتهازيين والأميين والحاقدين والمرتشين وتجار العقارات والشعارات وعملاء دايتون تجاوزت الحد، وآن الأوان لنريها العين الأردنية الحمراء!"

عين من؟ قد يدلنا مقال آخر لكاتب آخر لا ينشر له في غير هذا الموقع، ولا يكتب إلا في هذا المحور وحوله، عنوان المقال يقول صراحة "رؤوس قد أينعت وحان قطافها"! ويتصدى فيها لكاتب تحدث عن الحقوق المنقوصة في موقع خارجي لا يذكره لنا ولا يذكر اسم الكاتب.

ولكن الأهم أن تهديده أشمل وأوسع من هذا الذي يبدأ برأسه، إذ يقول "وإلى الذين تجرؤوا على الوطن يوما ومن يفكر بذلك نقول، وقت الدبلوماسية قد ولى وبدون عودة، ووقت المجاملات انتهى.. وقد حان وقت الفرز فإما مع الوطن وإما على الوطن.. وزمن الادعاء بالحقوق المنقوصة وعدم المساواة والتخوين والعمالة قد عفا عليه الزمن".

حق التخوين الحصري الذي يطول الرأي وحتى النوايا، لم يرد بهذه الفجاجة في خطاب أي حكومة طوال فترة الأحكام العرفية -وإن مارسته حكومات- ويسعد الحكومة حتما أن يلقي بنفسه على ظهر بيان عسكريين أحرجوها بدعوتهم للدمقرطة والدستورية والحريات.

فالرجل يختم بما ينطبق عليه قول سيف الدولة في مفاخرة أبي فراس الحمداني به "ما زاد على أن جعلني شرطيا عنده".. إذ يقول "وأخيرا إنني باسم كل أردني وكل منتم وكل مخلص لهذا الوطن أتوجه بنداء إلى مؤسستنا العسكرية وإلى أجهزتنا الأمنية أن ضعوا حدا لمن يتجرأ على هذا الوطن وقيادته ووحدته، وأن اجعلوا منهم عبرة لمن يقف خلفهم.. ولتكن رسالة قوية أن الحرية والديمقراطية هي للمنتمي للوطن والمضحي من أجل الوطن ولمن يخشى على وحدة الوطن، وليست للمندسين والعملاء والممتهنين للإساءة لوطننا ومؤسساته"!

سؤالنا الأخير والأهم لمتقاعدي جيشنا الذين وحدهم (هم وعاملوه) كما قلت في مقالة في تسعينيات القرن الماضي، من يمكن أن ندير ظهورنا لهم وهم يحملون السلاح، لنتفرغ لجبهات وطنية أخرى ونحن مطمئنون وواثقون كل الثقة أن ظهورنا محمية بهم.. أين تقفون من أقوال كهذه؟ أنيرونا لنعرف أين نقف منكم، فقد التبست علينا السبل والمواقف.

المصدر : الجزيرة

التعليقات