مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


- فوضى المشروع الاحتلالي

- قيادة المشروع.. المهمة الأخطر
- أسباب التوازن المركزي

الكشف عن الرسالة السرية للرئيس الأميركي باراك أوباما الموجهة إلى المرجع علي السيستاني، تكشف عن مسار دقيق للغاية تواجهه العملية السياسية التي باشرها الاحتلال في العراق في نُسخ عدة لم تستطع أن تصمد فيه حتى من خلال مواءمة ذات التشكيل الذي أُصطحب مبكراً في الشراكة الأميركية الإيرانية ليؤسس قاعدة المشروع السياسي.

والرسالة في ذاتها تحمل دلالة مهمة تستدعي التاريخ الأول الذي شكلت فيه لقاءات بول بريمر ومندوبيه العراقيين والأميركيين مع السيد السيستاني برنامج التيسير لإجراءات العملية السياسية، وخاصة في نموذجها الانشطاري الطائفي الذي قاد إلى كوارث خطيرة ضربت لحمة الشعب العراقي ونظامه الاجتماعي المركزي لمؤسسته الديمغرافية.

فعودة أوباما إلى استخدام الاتصال عبر الحالة الطائفية المغلقة التي اتبعها بريمر تشير إلى الفشل الذريع الذي يحيط بهذه العملية، هذا من جانب ومن جانب آخر تدلل فحوى الطلب في الرسالة من السيد السيستاني التوجيه الضمني للطرف الطائفي المؤيد لإيران بأن يتوحّد على موقف مع أو ضد المالكي إلى أزمة معقدة للغاية تواجه المشهد السياسي للاحتلال.

فهذه الرسالة تحمل ضمناً إشكالية أميركية لانشطار القوى الموالية لإيران في العراق، وهو ما ذكرناه في أكثر من مناسبة بأن هذه القوى لا تزال مادة المشاركة الرئيسية للمصالح العليا لأقطاب الاحتلال دولياً وإقليميا، وهي مفارقة عجيبة لكن مدارات الأحداث تعود لتوثيقها.

فوضى المشروع الاحتلالي
ومن المؤكد أن بعض هذه القوى تمردت نسبيا على القرار المركزي الإيراني، وإن كانت طهران لا تزال تُمسك بخيوط اللعبة, غير أن واشنطن أيضاً لم تستطع أن توائم بين تشكيلات الفرقاء في قوى الولاء لإيران وبين تشكيلاتهم، ولا بينهم وبين القوى الأخرى التي يعطي الانطباع قربها من الحالة الإقليمية العربية والدولية.

"
رسالة أوباما بالعودة للجوء إلى الطائفي المرجعي في ظل انهيار أكبر تمر به قواته في أفغانستان والعراق، يُعطي انطباعاً بحجم الفوضى التي يعيشها مشروع الاحتلال
"
ورسالة أوباما بالعودة إلى الطائفي المرجعي في ظل انهيار أكبر تمر به قواته في أفغانستان والعراق يُعطي انطباعاً بحجم الفوضى التي يعيشها مشروع الاحتلال، وإن لم يُسلّم بالهزيمة ولم تُؤمَن مخططاته لدفع العراق إلى مشهد جديد يؤدي إلى حالة احتراب دموية تعيق القوى الوطنية المتحدة مع المقاومة عن ملء هذا الفراغ.

في نفس الوقت، أثبتت المتابعات الإحصائية عودة قوية لبرنامج المقاومة العراقية وفصائلها الرئيسية وأعطت قراءات لحجم الاستنزاف المكثّف لقوات الاحتلال في مواقعه ودورياته العسكرية.

تزامن ذلك مع تزايد الشكوك في أن حجم الاعتداءات الضخمة على المدنيين يرتبط بهذا الطرف الإقليمي أو الدولي الذي يخشى انحصار البعد العسكري في يد المقاومة المشروعة.

فمن المستغرب أن تُعلن كل الأطراف عن ضعف القاعدة الإستراتيجي ثم تعود لتضرب الجسم المدني بهذه القوة، إلا أن يكون التفسير هو أن هناك قواعد وليست قاعدة واحدة تتشكل منها مجاميع مخترقة تختلف عن الجماعة الأصلية وإن رفعت نفس الشعار.

هذا الانحدار في سجل الأمن الأميركي وعمليته السياسية يُعزز -بصورة مكثفة- مسؤولية المباشرة بوضع التصور الإستراتيجي للمشروع الوطني للعراق بعد التحرير، وتركيز قوته الأصلية التي أعطت الأحداث صورة جلية عنها حتى يُغطّي هذا المشروع ما تترتب عليه الأحداث والتطورات بما فيها إعادة انتشار القوات الأميركية التي أعلن أوباما أنها ستنهي مهمتها القتالية في نهاية أغسطس/آب الجاري وهو أمر مشكوك فيه، والمرجح أن يبقى هذا الإعلان سياسيا دون برنامج تنفيذي على الأرض.

قيادة المشروع.. المهمة الأخطر
في مسارات قوى التحرر الوطني تنعقد عدة عوامل لتدفع تلقائياً وعبر ساحة الكفاح ضد المستعمر وساحة النضال في سبيل الوحدة وتاريخ القوة الوطنية المركزية، إلى تشكيل ذلك التصدر الذي يترتب في سلّم الحراك الوطني.

وليس من الضرورة أن تبرز حالة التعبير عن الصدارة الشعبية أو الجماهيرية لهذه الجهة الوطنية في ذات التوقيت الزمني، خاصة حين يكون حجم الصراع من قوى الهيمنة عنيفا ومتعددا، وحين تكون هذه القوة تحمل في ذاتها أصالة مستقلة عن تقاطعات إمبراطوريات الصراع وأجنحتها الإقليمية.

"
ليس من الضرورة أن تبرز حالة التعبير عن الصدارة الشعبية أو الجماهيرية لجهة معينة في توقيت محدد حين يكون حجم الصراع عنيفا ومتعددا وحين تكون هذه القوة تحمل في ذاتها أصالة مستقلة عن تقاطعات إمبراطوريات الصراع وأجنحتها الإقليمية
"
ثم يتعزّز هذا العزل لقوة البعد الأيدولوجي المستقل الذي تعتمره هذه الحركة الوطنية كمخزون تاريخي يلتقي مباشرة ضمير الشعب القُطْري والأمة الجمعية, وهو ضمير مُتقد كان يبحث عن هوية الخلاص والتحرر قديماً على مستوى الأمة باشتراط عنصرين رئيسيين: العدالة السياسية والحقوق الإنسانية.

والمنهج الدستوري التاريخي هو الإسلام ووعاؤه العروبي كقالب تاريخي وحدوي وحيوي لا قومية عنصرية تعزل الأعاجم أو تحاصر خطابها عبر شوفينية تترتب عليها صناعة عقيدة تنحرف عن بعد العروبة المتوازن ثم تنخرط في صراعات فئوية تتخذ من الشعار القومي برنامج حرب لتصفيات داخلية لا يستقر فيها القُطر ولا يلتئم مع الأمة.

ولصناعة ثقافة تحمي هذا التطرف والإرث الدموي، تتجه ثقافة الإعلام الانشطاري القائم على تصفية الشريك الوطني المقاوم أو المناضل عبر خطاب يُقدّس القيادة ويرفض النقد والشراكة ويشترط الإرث السياسي السلطوي حتى لو كان في صفوفه مناضلون أحرار أدموا العدو، إلا أن استثمار تضحياتهم للتقديس الذاتي للقيادات الرافضة للنقد يُحوّل الأمر إلى كارثة وقد تنفطر الأمور قبل تمام العقد الوطني.

ولذلك فإن خلو هيئة علماء المسلمين من هذه النزعة الفتاكة، وقيامها في سجل تاريخي ناصع خال من التصفيات ومنضبط في التعبير وجامع لأصول القضية ورافض للصراعات الجانبية، جعلها تتصدر ثقة جبهات المقاومة الرئيسية، خاصة في مثل هذا التوقيت الدقيق الذي سيعطي مساحة مهمة لاندفاع المشروع الوطني المعتمد على أيدولوجية وبرنامج للمقاومة وقاعدة صلبة للمشروع السياسي.

أسباب التوازن المركزي
وما يُعزز هذا التوازن المركزي المهم أن الهيئة جمعت ثلاثة مسارات مهمة جدا للغاية في حركة نضوج المشروع الإسلامي العروبي المقرر لحقوق الشراكة الوطنية.

الأول سلامة الهيئة وشخصياتها الكبرى من الانطواء الحزبي المصلحي الذي أفسد عدداً من الحركات الحزبية الإسلامية التي قد تتحد في أصول العقيدة لكن نزعتها الحزبية أثّرت عليها في ميدان الصراع مما جعلها في مناطق عدة تُقدم مصلحة الحزب على مصلحة الشعب والأمة، مع قضية عقائدية وفكرية مهمة أن هيئة علماء المسلمين تُشكّل بالفعل منهجية المدرسة السنية الدقيقة في التصور العقائدي والفقهي والتربية الروحية والتنوير التشريعي المتراكم لحضارة الأمة في مدارس أهل السنة الرئيسية.

والمسار الثاني أن هيئة علماء المسلمين اتخذت مواقف مبدئية رئيسية التقت مع المقاومة مبكرا وكانت سندا معنويا ضخماً لها وذات تأثير مركزي للتبشير بمفهوم المقاومة والصمود حتى قبل إعلان مشروع التخويل التاريخي.

وكانت في نفس الوقت تنتهج مسار التنقية والتصفية توضيحاً ودفاعاً عن المقاومة وعن المشروع حين برمجت خطابها التاريخي على نبذ العنف الطائفي ضد المدنيين وفضحه في الساحة السنية والشيعية معاً والتمسّك بخيار المقاومة في أوقات حالكة من حصار المشروع الوطني العراقي المقاوم.

"
الساحة تشهد تزايدا كبيرا في تفويض الهيئة وأمينها العام بقيادة هذا المشروع الذي يتصدر الساحة عبر قدرات توازن فرضت نفسها على الواقع وفي ضمير المقاومة والشعب ولم تصعد وفقا لتقاطعات الصراع وتجاذبات الحالة الإقليمية
"
والثالث يبرز في منهجية مهمة وضرورية لرسم مسار الخيار الدستوري لمستقبل العراق، فإن القاعدة الفكرية التي تنطلق منها هيئة علماء المسلمين وتبدو بارزة في شخصية الأمين العام الشيخ حارث الضاري ونائبه الشيخ عبد السلام الكبيسي ومساعديه الشيخ محمد بشار الفيضي ومثنى الضاري وعدد آخر من هذه القيادات.. كُلّها تُعطي في مجموع خطابها ووحدويته ومنهجيته رسالة استعداد كبرى لتشكيل مركزية المشروع الذي ضحّى أبناء العراق لهويتهم الإسلامية ولعراقيتهم في سبيله.

وهو أيضاً خطاب ومنهج مهيأ لوضع التوازن الفقهي الدقيق الذي يُحقق الفقه الشرعي الدستوري بمعيار حضاري ووطني يجمع أطياف الشعب ويربطهم بمفهوم العدالة الإسلامية الدستورية لا الطائفية ولا الشعاراتية التي تنتهج مفهوم البيعة المطلقة دون وجود أرضية أو مسوغات شرعية تنطبق عليها حالة الفتوى، فضلا عن أن البعض لا يؤمن أو لم تتضح لديه فكرة أن الإسلام مرجعية عدالة دستورية لا بيعة تزكية مطلقة.

وهذه إشكالية عميقة لا تدركها بعض الأطراف، في حين تتضح صورة الوعي بها لدى هيئة علماء المسلمين وتتفق عليها في مفهوم الديمقراطية الإسلامية التي تنطلق من مفهوم الشورى الشرعي مع الأطياف الإصلاحية في القومية العربية الديمقراطية واليسار التقدمي، وخاصة في نبذ سلطة الفرد والحزب المقدسة التي جَرّت الويلات على التاريخ المعاصر للوطن العربي.

لكن مسار حرية الشعوب ومستقبلها العدلي لا يقف عند تحشيد العواطف لعبادة سلطة الفرد حتى لو كان مقاوما.

إن القضية ليست في كارزمية وشعبية الشيخ حارث الضاري، وليست مجاملة لصمود هذه الهيئة وخلوها تاريخيا من أي مسؤولية عن الدماء العراقية البريئة قبل وبعد الاحتلال, لكنها أيضاً في مسار تحقيق القاعدة المركزية للمشروع الوطني العراقي الذي تلتقي فيه قاعدة الانتماء لهوية التضحية والفداء للمقاوم العراقي الذي يراقب مسيرة الآخر وسبيله الفدائي، وهو أيضاً فكر وثقافة وتعاون وتواضع -ربما مبالغ فيه أحياناً- جعل الهيئة محل احترام كبير وقاعدة أولى لقيادة هذا المشروع.

والأصل أن كل سياسي ومقاوم شريف مهما كان إرثه أو سِجله عليه أن ينظر أين تقع مصلحة العراق، والخيار الأفضل لوصوله إلى بر الأمان.

ورغم كل المحاولات من أطراف إقليمية عربية وأجنبية بتصدير حالات ومشاركات قاصرة عن روح هذا المنهج، فإن الساحة تشهد هذا التزايد الكبير لتفويض الهيئة وأمينها العام بقيادة هذا المشروع الذي يتصدر الساحة عبر قدرات توازن فرضت نفسها على الواقع وفي ضمير المقاومة والشعب ولم تصعد وفقاً لتقاطعات الصراع وتجاذبات الحالة الإقليمية.

وكلنا أمل ورجاء أن يبارك الله هذا الحشد فيخرج به العراق المنتصر لحريته ولإرادته ولوحدة شعبه وعدالة نظامه السياسي الذي يحترم الإنسان أولا ليكفل له التحرر من الاستبداد كما حرره من الاحتلال.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك