غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


يشي الحراك الذي تشهده المنطقة باقتراب استحقاقات مهمة في الأفق، ولعل هذا الزخم السياسي على خطوط العواصم الإقليمية -وخاصة تلك التي جرت تسميتها بعواصم القرار- يذكرنا بمرحلة كان للفعل العربي فيها تأثير واضح في سياق الأحداث التي تشهدها المنطقة، فهل ثمة عودة للروح الدبلوماسية العربية الفاعلة؟

شهدت منطقة الشرق الأوسط في الأيام الماضية انعقاد سبعة قمم:
- قمة شرم الشيخ الثنائية، جمعت الرئيس المصري حسني مبارك والملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز.
- قمة بيروت الثنائية، جمعت بين الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس اللبناني ميشال سليمان.
- قمة دمشق الثنائية، جمعت بين الرئيس السوري بشار الأسد والملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز.
- قمة بيروت الثلاثية، جمعت بين الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس اللبناني ميشال سليمان والملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز.
- قمة عمان الثنائية، جمعت ملك الأردن الملك عبد الله الثاني مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
- قمة بيروت الثنائية، جمعت الرئيس اللبناني ميشال سليمان مع أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
- قمة عمان التي جمعت الملكين الأردني والسعودي.

"
لا يمكن الوصول إلى حلول لمسائل الإرهاب والأزمة المالية مثلا من دون تبريد بؤر الأزمات التي تشهدها مناطق آسيا والشرق الأوسط، وخاصة قضية الصراع العربي الإسرائيلي
"
تمثل هذه القمم الوقائع التي تمت على المستوى المعلن, وتجدر الإشارة إلى أن كل واحدة من هذه القمم سبقها العديد من تحركات كبار المسؤولين والسفراء والدبلوماسيين.

هناك نظريتان يمكن الركون إليهما لفحص فعالية الدور العربي ومعرفة مدى تأثيره في توجيه دفة الأحداث الجارية والتحكم تاليا بنتائجها أو أقله تجنب -ما أمكن- الآثار الضارة بالواقع العربي، انطلاقا من حقيقة أن السياسة في معناها ومبناها هي فن الممكن.

النظرية الأولى ترى أن الحراك العربي الحالي يمثل انعكاسا أو استجابة متأخرة لمتغيرات في البيئة الدولية، طالت مستوى الإدراك السياسي لدى النخب الفاعلة والمؤثرة في عملية صنع القرار في الغرب، بعد مرحلة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة والأزمة المالية العالمية التي باتت تبدي أن ثمة تلازما عضويا بين الأزمات بمختلف أنماطها ومستوياتها، مما يستدعي إيجاد حلول شمولية لهذه الأزمات.

فلا يمكن الوصول إلى حلول لمسائل الإرهاب والأزمة المالية مثلا من دون تبريد بؤر الأزمات التي تشهدها مناطق آسيا والشرق الأوسط، وخاصة قضية الصراع العربي الإسرائيلي.

ووفقا لذلك، فإن ثمة حراكا دوليا ضاغطا باتجاه إيجاد حل للموضوع الفلسطيني، تقبله الأطراف المتنازعة، وبطريقة أخرى إنهاء قضية الملف النووي الإيراني.

من هنا فإن التحرك العربي الراهن لا يعدو كونه مجرد محاولات شكلية، الهدف منها الإيحاء بأن النظام العربي فاعل وشريك في صنع التطورات.

وتستند هذه النظرية إلى جملة من الحقائق ترسخت في الواقع الإقليمي العربي على مدار السنوات السابقة:
- اندماج النظام العربي في إطار النظام الدولي باعتباره نظاماً فرعيا منه، وخاصة لجهة التزامه بكل ما تصدره مؤسسات المجتمع الدولي من قرارات، ونتيجة ضعف البناء العربي أصبحت المنظومة العربية هي المنظومة الفرعية الأكثر اختراقا من بين منظومات النظام الدولي.

"
نتيجة لحالة الضعف العربي تزايدت أقلمة القضايا العربية، مما أدى إلى مزيد من ترهل النظام العربي، وجعل اختراق مجاله السياسي والقفز فوقه أمرا معتادا
"
- فقدان النظام العربي للحدود الدنيا من الذاتية والاستقلالية نتيجة زيادة فعالية نظام التغلغل والاختراق وتعاظم تأثيراته تعاظماً كبيرا، إن على مستوى النظام ككل، أو بالنسبة لوحداته على المستوى الجزئي، وكذلك امتداد النظام الدولي إلى داخل النظام الرسمي العربي.

فمثلاً أصبحت الولايات المتحدة بعد احتلالها العراق مكوناً في النظام العربي، وربطته مباشرة بالنظام الدولي، مما تجاوز الضغوط والاختراق والتأثير، لتصبح واشنطن صاحبة القرار في إحدى الدول الأساسية المكونة للنظام.

- تنامي الدور الإقليمي في تطورات أحداث المنطقة تناميا كبيرا كما ونوعا، وكاد أن يصبح عنصرا أساسيا مقابل التراجع الملحوظ للدور العربي الإقليمي في التأثير على القضايا الإقليمية.

فنتيجة لحالة الضعف العربي تزايدت "أقلمة" القضايا العربية، مما أدى إلى مزيد من ترهل النظام العربي، وجعل اختراق مجاله السياسي والقفز فوقه أمرا معتادا وأتاح ذلك الفرصة لزيادة مساحة تأثير القوى الإقليمية على القضايا العربية، ولتحل محل الأدوار العربية.

تلقى هذه النظرية رواجا واسعا لدى نخب المعارضة في العالم العربي، وعند قطاع كبير من الشارع العربي المتأثر بالأحداث التي شهدتها المنطقة في العقد الأخير، وبالتالي فإنها لا ترى في الحراك الحاصل الآن مؤشرا إيجابيا لصالح القضايا العربية، وإن ما يحصل مجرد محاولات لتهيئة المناخ العربي لمزيد من الاستتباع للنظام العربي.

النظرية الثانية ترى أن الحراك العربي على المستوى الرسمي في هذه المرحلة، يشكل حالة صحية ضرورية ومطلوبة، بهدف دعم الحراك الدولي باتجاه المنطقة وتصويب مساراته والتقليل من الآثار السلبية التي قد تترتب عليه.

ولا تنكر هذه النظرية حقيقة الاندماج العربي في النظام الدولي، بل تعتبر أن الأمر الطبيعي هو تدعيم هذا الاندماج باعتباره أحد السمات البارزة في السياسة الدولية الحديثة.

"
يعتقد البعض أن التطبيق العملي للسياسة بوصفها فن الممكن، يتأتى بموازنة الخيارات والقبول بالممكن والمستطاع، في ظل أوضاع عربية متردية لا يمكن إصلاحها الآن
"
وحقيقة أن النظام العربي نظام فرعي وتابع للنظام الدولي لا تقلل من مدى فعالية هذا النظام، بل العكس هو الصحيح.

فبقدر ما يتأثر النظام العربي بقرارات النظام الدولي، يؤثر في توجهاته وسياساته، ولا أدل من ذلك -حسب أصحاب هذه النظرية- على أن القرار الدولي بشأن حل الصراع العربي الإسرائيلي ينطلق ويتأسس على مبادرة السلام العربية التي أقرها النظام العربي في قمة بيروت 2002، وتمسك بها العرب رغم كل الضغوط التي واجهوها.

كما يعتقد أصحاب هذه النظرية أن التطبيق العملي للسياسة بوصفها فن الممكن يتأتى بموازنة الخيارات والقبول بالممكن والمستطاع، في ظل أوضاع عربية متردية ليس بالإمكان إصلاحها الآن.

كما أن تسارع المتغيرات الدولية لا تمنح رفاهية انتظار تحسين تلك الأوضاع لتمكين العرب من تحقيق وقائع تفاوضية لصالح العرب.

من الواضح بشكل جلي أن القراءات العربية للحراك الحاصل باتجاه الملفات الساخنة في لبنان وفلسطين والعراق، تتأثر بشكل مباشر براهنية الوقائع التي تأسست وتكرست في البيئة العربية على مدار مرحلة زمنية هي الأكثر تعقيدا في تاريخ النظام العربي، وربما على المستوى الدولي، حيث شهدت البيئة العربية في هذه المرحلة تهديدات خطيرة مست كياناتها الوطنية (في العراق ولبنان والسودان واليمن وفلسطين)، ووضعت الإجماع الأهلي فيها أمام منعطفات حاسمة.

من هنا فقد اصطبغت الاستجابات العربية بألوان طيف هذه المرحلة غير الزاهية.

بالطبع، لا يمكن نكران حقيقة أن المنطقة تتهيأ في هذه اللحظات التاريخية لأحداث مهمة، والمطلوب الاستفادة من التراث التفاوضي العربي، للاستفادة من الزخم الدبلوماسي الدولي باتجاه قضايانا، وكذلك توظيف مناخ التصالح العربي بما يساعد على تدعيم الوضع العربي، وذلك -بلا شك- لا يمكن تحقيقه بدون صياغة رؤية سياسية عربية شاملة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك