راشد الغنوشي

راشد الغنوشي

زعيم حركة النهضة التونسية

 

يبدو أن السؤال الاستنكاري لا يحمل قدرا كافيا من الجد يستحق معه بحثا وتمحيصا، بل هو أقرب إلى المزاح أو الافتراض المجاني، ولكن الحقيقة خلاف ذلك، كيف؟

1- أنه يقيم مقارنة بين مفهومين منفصلين يتحرك كل منهما في مجال مختلف، يتحرك أحدهما في مجال العقائد والديانات ويتحرك الثاني في مجال الهويات السياسية والثقافية. وإنما تكون المقارنة بين الأشياء والمفاهيم التي تنتمي إلى نفس الجنس، وهذان جنسان مختلفان.

2- إن إمكان الأمر لا يحتاج إلى جهد فكري استكشافي وأدلة إثبات بسبب أنه قائم فعلا، يشهد عليه وجود الملايين من المواطنين المسلمين البريطانيين يقيمون صلواتهم في أكثر من ألف مسجد، ولهم مدارسهم ومراكزهم ومشاركاتهم في مختلف جوانب الحياة البريطانية، وهم يتحملون مسؤولية المواطنة حقوقا وواجبات، بما في ذلك حق المشاركة في تسيير الشؤون العامة من خلال الانتخابات البلدية والتشريعية.

ولا تكاد سلطة من سلطات الدولة تخلو منهم، بل إن وجودهم وتأثيرهم في تنام متصاعد، فتمثيلهم في البرلمان مثلا بدأ أول مرة عام 1997 بنائب واحد، وفي انتخابات 2001 تضاعف فانضاف عضو آخر.

وفي انتخابات 2005 تضاعف فأصبحوا أربعة، وفي انتخابات هذا العام قفزوا إلى تسعة، إلى جانب العشرات من رؤساء وأعضاء بلديات، وهم موجودون في كل الأحزاب عدا العنصرية، فهل هناك شهادة أبلغ من شهادة الواقع؟

3- فما الدواعي التي دفعت بعض الأطراف المتشددة -من داخل الإسلام أم من خارجه- إلى طرح هذه الإشكالية؟ لاسيما أن حقائق الواقع والتاريخ تشهد أن الإسلام -وإن كان واحدا في مصادره (القرآن والسنة)- قد تعددت فهومه، ولم يعرف كنيسة ناطقة باسمه، مما سمح بتشكل مذاهب وثقافات متعددة داخله، فكانت إلى جانب الثقافة العربية الإسلامية ثقافات أخرى فارسية وهندية وتركية ومالاوية وأفريقية. وذلك من خلال تفاعل نص الوحي الثابت مع معطيات حضارية وثقافية لبيئة معينة مختلفة.

"
المتشددون من المسلمين وغير المسلمين وهم فئة قليلة مهما علا صراخها يوجد أمثالها في كل دين ومذهب، يخلطون بين الدين والمواطنة، بمعنى حمل جنسية دولة معينة، وذلك في إساءة فهم لكل منهما
"

ولئن كانت بعثة نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام قد شرف بها العرب فكان منهم جل صحبه ومؤسسو دولته وحضارته وقادة فتوحه، فقد كان من بين الفئة الأولى التي آمنت به آحاد من غيرهم فرس وأحباش وروم رمزا لعموم بعثته للناس كافة "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (الأنبياء: 107). ما الداعي إذن لطرح هذا الإشكال؟

- المتشددون من المسلمين وغير المسلمين "العنصريون" وهم فئة قليلة مهما علا صراخها يوجد أمثالها في كل دين ومذهب، يخلطون بين الدين والمواطنة، بمعنى حمل جنسية دولة معينة، وذلك في إساءة فهم لكل منهما.

- يسيئون فهم المواطنة الذي انتهت إليه في العصور الحديثة أساسا للدولة القومية الديمقراطية التي نشأت نتيجة صراع الملوك مع الكنائس والأباطرة، حتى لو استخلصت السيادة وانتقلت إلى الشعب بعدما أصبح الشعب يعتبر الدولة دولته ويطالبها بحق الاعتراف بحقوقه، ومنها المشاركة السياسية وذلك منذ القرن الثالث عشر الميلادي في بريطانيا كما عبرت عنها الماغنا كارتا عام 1215م وما تلاها من استمرار الصراع حتى قامت الثورة التي أدت إلى اتساع قاعدة المشاركة في القرن السابع عشر، ثم حتى شملت جميع الموطنين دون تمييز بمن فيهم النساء.

إن المواطنة -حسب الموسوعة البريطانية- مرادفة للجنسية، وتسبغ على المواطن -أي حامل الجنسية- حقوقا سياسية مثل الانتخاب وتولي المناصب العامة.

في الدولة الديمقراطية يتمتع كل من يحمل جنسية الدولة بحقوق المواطنة ويعاملهم القانون على قدم المساواة، كما تتضمن المواطنة إلى جانب التمتع بالحقوق الدستورية والسياسية الحد الأدنى من الضمانات الاجتماعية، وذلك جزء من العقد الاجتماعي المشترك يجعل المواطنة لا غيرها أساسا للحقوق والواجبات.

ورغم محاولة المتشددين هنا وهناك إلباس مفهوم المواطنة لبوسا عقديا معينا كالمسيحية مثلا (حيث لا يزال التحاق تركيا بالاتحاد الأوروبي يقف في وجهه اعتبار أوروبا ناديا مسيحيا) أو اليهودية (حيث يصر قادة الدولة العبرية على دولة لليهود تقصي غير اليهود وتعاملهم كمواطنين من درجة منحطة وتعرضهم حتى للاستئصال والتهجير القسري، أو الإسلام حيث يؤكد مخطئا بعض المفكرين "أن جنسية المسلم عقيدته" (سيد قطب: معالم في الطريق)، مع أن دولة المدينة اتسعت فيها المواطنة لتشمل غير المسلمين حسبما نص عليه دستور المدينة، حيث اعتبرت القبائل اليهودية مع المؤمنين من المهاجرين والأنصار "أمة من دون الناس" (سيرة ابن هشام).

والمقصود بها أمة السياسة وليست أمة العقيدة، بينما لم يعتبر مواطنا في دولة المدينة إلا من التحق بها، أما الذين ظلوا في مكة من المسلمين فليس لهم حق المواطنة مثل النصرة إلا ضمن مصالح ومعاهدات الدولة "وَالذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنُ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيء حَتَّى يُهَاجِرُوا. وَإِنْ اسِتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاق" (الأنفال: 71).

وهكذا يغدو الانتماء إلى الجماعة -وهو المواطنة- هو الذي يكسب المنتمي حقوقا كالحماية والرعاية ويفرض عليه واجبات مثل دفع الضريبة والدفاع عنها، وليس مجرد الانتماء إلى دين، وعلى أساس ذلك كان يهود المدينة جزءا من الأمة بحسب دستور المدينة، وإنما تم إجلاؤهم بسبب خيانتهم لتعهداتهم.

"
في الخلط بين الانتماء للدولة والانتماء للعقيدة نوع إقصاء من حق المواطنة لمن لا يشترك في دين معين، بمثل ما يفعل الغلاة من كل ملة يهودا أو مسلمين أو نصارى، وحتى غلاة العلمانية
"
إن في الخلط بين الانتماء للدولة والانتماء للعقيدة نوعَ إقصاء من حق المواطنة لمن لا يشترك في دين معين، بمثل ما يفعل الغلاة من كل ملّة يهودا أو مسلمين أو نصارى، وحتى غلاة العلمانية الذين يخلطون بين مفهوم العلمانية ومفهوم المواطنة والديمقراطية إذ يلبسونه لبوسا علمانيا متشددا يحجبها عمن لا يلبس ذلك اللبوس، مع أن الديمقراطية كالمواطنة جملة من العقود والترتيبات الحسنة تيسر التعايش بين المختلفين في نظام دولة تتأسس على مبادئ سيادة الشعب والمساواة في الحقوق والواجبات أمام القانون ومنها المشاركة في الشأن العام.

- وقد يتأتى عسر هضم قبول وضعية مسلم بريطاني، ليس فحسب من جهة استيعاب مبدأ المواطنة الذي تتأسس عليه الدولة الديمقراطية الحديثة، ومعناه الانتماء إلى جماعة يكسب المنتمين إليها حقوقا متساوية بصرف النظر عن مللهم، وذلك ضمن إطار دستوري تنصهر فيه كل الانتماءات العرقية والدينية والسياسية، بل أيضا من القصور في استيعاب مبادئ الإسلام.

  • الإسلام دين ومنهاج حياة.. دين يتأسس على الاعتقاد في وحدانية الله المطلقة وأنه خلق السماوات والأرض وسخر كل ما فيهما من خيرات للإنسان، وأن الناس جميعا من أصل واحد وأسرة واحدة. أرسل الله إليهم -رحمة منه- عبر سلسلة من الرسل آخرهم محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام جملة من التوجيهات والقيم، عونا لهم على معرفة ربهم وعبادته وعمارة الأرض وتنظيم التعايش بينهم على أساس الأخوة والعدل والمساواة، وأنهم سيبعثون بعد الموت في مستوى آخر من الحياة بلا موت شقاء أو سعادة، بحسب مدى التزامهم بمقتضيات ما جاءتهم به الأنبياء والرسل.
  • وإذا كانت النبوءات السابقة موجهة إلى أقوام معينين، فقد جاءت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مستشرفة طورا من تقدم البشرية ووسائل تواصلها، فكانت العالمية سمة لها منذ البداية وليست أمرا لاحقا لها شأن المسيحية. فكان خطابها "يأيها الناس" "يا بني آدم" داعيا إياهم إلى الإيمان بالرسالة الجديدة تاركا لهم حرية اعتناقها أو الإعراض عنها، مقرا لأول مرة في تاريخ الحضارة حرية الاعتقاد "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (البقرة: 256).

    وبذلك اعترف الإسلام خارجه بتعدد الديانات سواء كانت ذات أصل سماوي أم كانت وثنية، كما أقره داخل المؤمنين به، فمن حق كل مؤمن تفسير النص الديني "القرآن" بحسب مبلغه من العلم متحمّلا مسؤوليته أمام خالقه مباشرة، كما يعبده، دون وسيط، وذلك في غياب أية سلطة مرجعية ملزمة تهب فرمانات الدخول للجنة أو تحرم منها. فلكل مسلم الحق في الاجتهاد بحسب مبلغه من العلم، فهو وحده المسؤول أمام الله "استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك".
  • ومما ميز مسيرة الإسلام التاريخية أنه لم ينشأ في ظل دولة تفرض عليه سياساتها كما حصل للمسيحية التي اعتنقتها الإمبراطورية الرومانية فتروّمت المسيحية بدل أن تتمسح روما.

    فقد نشأ الإسلام متحررا حتى تمكن من إقامة دولته التي مثلت تجربته التطبيقية النموذجية في مجتمع تعددي عرقيا ودينيا، وتشكلت من مختلف أشتاته -بما في ذلك القبائل اليهودية- هويةٌ مجتمعية سياسية وثقافية واحدة على أساس دستور تعددي "الصحيفة"، اعترف بحقوق المواطنة لكل السكان، مع احتفاظ كل مجموعة عرقية أو دينية بخصوصياتها في ظل الدولة الواحدة.

    ورغم أن هذه التجربة النموذجية الشورية لم تعمر طويلا متأثرة بالمواريث القبلية الضيقة وبالنماذج الإمبراطورية السائدة للحكم الثيوقراطي، فقد ظلت المجتمعات الإسلامية على امتداد تاريخ الإسلام مجتمعات تعددية برئت من الاضطهاد الديني وحروب الإبادة العرقية، حتى أن أقدم الكنائس المسيحية والبيع اليهودية إنما توجد في دار الإسلام، ولذلك لم يتعرض اليهود في إسبانيا للاضطهاد إلا بعد سقوط الأندلس، ولم يجدوا ملجأ من الاضطهاد الأوروبي إلا في دار الإسلام.

    ومن المفارقات العجيبة أن اليهود جعلوا الجهة التي أحسنت إليهم تدفع ثمن ما تعرضوا له من اضطهاد في أوروبا، ولا تزال سراييفو نموذج التعدد وسط عنصريات.

"
المجتمعات الإسلامية على امتداد تاريخ الإسلام ظلت مجتمعات تعددية برئت من الاضطهاد الديني وحروب الإبادة العرقية، حتى أن أقدم الكنائس المسيحية والبيع اليهودية إنما توجد في دار الإسلام
"
4-
إن الوجود المجتمعي للمسلمين خاصة في هذا العصر امتد عبر القارات الخمس كما لم يحصل في أي مرحلة تاريخية سابقة، حتى عندما كانت السيادة العالمية للدولة والحضارة الإسلاميتين، مستفيدا من اتساع التحولات الديمقراطية وتقدم وسائط الاتصال وما وفره مفهوم المواطنة الحديث المنفتح نسبيا من حقوق وحريات وضمانات ومنها حرية الاعتقاد وممارسته ونشره والاشتراك في الشؤون العامة.

ولقد بلغ هذا التمدد في ظل الديمقراطيات المعاصرة دون حاجة إلى جيوش أن غدا الإسلام أسرع الديانات انتشارا، وتنامت أقلياته حتى شكّلت ما يربو على ثلث المسلمين، معظمهم -وبالتحديد حيث تقوم المجتمعات على مبدأ المواطنة- يعيشون في وئام مع مجتمعاتهم، يمارسون بحرية نسبية شعائرهم الدينية ويعيشون هموم مجتمعاتهم، مع حرصهم على المحافظة على خصوصياتهم الثقافية في المظهر والطعام وشؤون الأسرة.

وقد استطاع بعض المؤلفين المسلمين أن يعتبر مثل هذه المجتمعات التي تأسست على مبدأ المواطنة، حاملة لأوصاف أساسية لمفهوم دار الإسلام، وذلك إحياء لمضمون هذا المفهوم كما عرّفه أحد أشهر مذاهب المسلمين المذهب الشافعي.

دار الإسلام حيث يمكن للمسلم أن يجاهر بشعائر دينه آمنا على نفسه، فدار الإسلام هي دار الأمان، دار الحرية، على اعتبار الحرية وتوفير الأمن والعدل وحرية السير في الأرض دون حواجز مقصدا عظيما من مقاصد الإسلام، وهو ما يجعلها مثل كل البلاد التي تأسست على مبدأ المواطنة والحرية في حكم البلاد المفتوحة، أي البلاد الحرة.

ويغدو الحديث عن فتحها بالجيوش جهلا فادحا من قبيل فتح المفتوح، إلا أن يكون المقصود جيوشا من الدعاة والإعلاميين والمفكرين.

5- يعزز جدارة المجتمع البريطاني لحمل المسلم جنسيته -رغم ما اقترفه ولا يزال كثير من سياسييه الاستعماريين من مظالم في حق المسلمين وفتح جراحات في جسمهم لا تزال تنزف وتوسع الهوة بين الإسلام والغرب جملة، مثل مظلمة فلسطين وكشمير والعراق وأفغانستان، وفرض التجزئة والانقسام بين المسلمين.. يعزز ذلك أمور منها:

- أن العلمانية في هذا المجتمع علمانية معتدلة في موقفها من الدين جملة، خلافا لبعض العلمانيات الغربية وبالخصوص الفرنسية حيث العداء للدين جملة متجذر فيها وبالخصوص للإسلام، وهو ما كشف عنه ضيق "التنوير" الفرنسي ودعاواه في الحرية والتسامح بحق المسلمة في التعبير عن ضميرها الديني من خلال المظهر الذي تعتقد أنه يرضي ربها، فكان الحظر هو ما تورط فيه هذا التنوير، بما يؤسس لحرمانها من حقوق أخرى مثل حق التعلم والعمل.

بينما بلغ تسامح المجتمع البريطاني في هذا الشأن حد تفصيل زي إسلامي للشرطيات المسلمات، كثير منهن يستقبلن الزائرين في الموانئ وفي النوافذ التي تتعامل مع الجمهور، شاهدات على مبلغ التسامح في هذا المجتمع.

"
المجتمع البريطاني تشكل في أساسه من جملة من القوميات اعترف لها بخصوصياتها الدينية والثقافية، بما جعل هذا الإطار التعددي في منشئه قابلا للاتساع ليحتوي في صلبه هويات ثقافية أخرى
"
-
إن المجتمع البريطاني تشكل في أساسه من جملة من القوميات اعترف لها بخصوصياتها الدينية والثقافية، بما جعل هذا الإطار التعددي في منشئه قابلا للاتساع ليحتوي في صلبه هويات ثقافية أخرى، وذلك ما التزم أصحابها بمقتضيات عقد المواطنة حقوقا وواجبات ومنها احترام القوانين ورعاية النظام العام كدفع الضريبة والحرص على خير هذا المجتمع وأمنه ورفاهه.

وذلك جزء من عقد المؤمن مع ربه الذي يأمره بالوفاء بعقوده مع المسلم وغير المسلم، فقانون العدل في الإسلام قانون مطلق لا يوقفه حاجز ديني ولا حتى عداوة. "يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ لِله وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ" (النساء: 135).-

- إن المجتمع البريطاني بخصوصياته هذه من أكثر المجتمعات الغربية إن لم يكن أكثرها على الإطلاق -رغم بعض السياسات الفجة التي لن تصمد طويلا- تهيؤا لتقديم تجربة نموذجية لتعددية مجتمعية حضارية معاصرة، تعددية دينية وثقافية وعرقية تندمج كلها اندماجا إيجابيا لتثري المجتمع البريطاني وتجدده وتنأى به عن الشيخوخة والتحلل.

- إن الإسلام بما يتوفر عليه من منظور كوني توحيدي شامل للحياة المادية والمجتمعية والروحية، جدير -كما نوه بذلك ولي العرش البريطاني الأمير تشارلز في محاضرته الشهيرة بأكسفورد- "بالإسهام الفاعل في استعادة بعض ما فقدته المجتمعات الغربية ومنها المجتمع البريطاني من أبعاد خلقية روحية تؤنسن حياة اقتصادية تتوحش أكثر فأكثر وترتق نسيجا مجتمعيا أسريا آخذا في التلاشي"، تاركا وراءه حطاما من الأفراد المغتربين المحبطين تلتهمهم عولمة مجنونة.

- كما أن للإسلام أيضا فرصا كثيرة في مجتمع بريطاني هو في قمة التطور العلمي والاقتصادي والتنظيمي، فرصا للتعلم من أجل تقديم نموذج لمجتمع إسلامي عصري.

ولك أن تقول: نموذج لتدين إسلامي بريطاني، ولم لا؟ وبالخصوص إذا وعت النخبة السياسية والثقافية في هذا البلد أن جذور التطرف والعنف والإرهاب التي تفشت في شريحة من فتيان المسلمين في هذا البلد تعلمت في مدارسه، عائدة إلى ضروب الحيف الاجتماعي والتهميش اللذين يرزح تحت وطأتهما قطاع واسع من الشباب تعلم في المدارس البريطانية قيم العدل والمساواة، بينما لا يكاد يفتح عينيه إلا على نقيضهما.

وذلك فضلا عما تثيره السياسات البريطانية المنحازة ضد قضايا المسلمين بل الموغلة في العدوان عليهم، من ردود أفعال غاضبة لا سبيل لتجنبها إلا بأن يدرك ساسة بريطانيا حقائق واقع مجتمعاتهم الجديدة، ومنها أن الإسلام غدا مكونا من مكوناته لا مناص من أن يقرؤوا له حسابا في كل سياسة يسنونها تجاه المسلمين، كما يفعلون إزاء كل سياسة تتعلق بإسرائيل المتعبدين في محرابها.

وهناك مؤشرات إيجابية تدل على أن ساسة بريطانيا يتجهون هذا الاتجاه بحرص كل الأحزاب على استقطاب الصوت الإسلامي وإفساح المجال لمسلمة في مجلس الوزراء، مديرة للحزب الأكبر.

الثابت أن ضروب تطرف قطاع من شبيبة المسلمين ليست كامنة في نصوص الإسلام بقدر كونها تخلقت في مناخ السياسات العدوانية على أمة الإسلام ومناخ البطالة وقلة الفرص في العمل بسبب التمييز العنصري والديني ضدهم.

"
تطرف قطاع من شبيبة المسلمين ليس كامنا في نصوص الإسلام بقدر كونه تخلق في مناخ السياسات العدوانية على أمة الإسلام ومناخ البطالة وقلة الفرص في العمل بسبب التمييز العنصري والديني ضدهم
"
إذا وعت النخبة ذلك وكفت عن اتهام الإسلام وكفت عن سياسات المتابعة العمياء لعميان المحافظين الجدد في أميركا وامتداداتهم في كل الغرب متحالفين مع الصهاينة المتخصصين في إيقاد نيران الحروب بين الشعوب والديانات، يقودون العالم إلى كارثة مستعيدين خطابات أمراء الحروب الصليبية، إذن لن تظفر خطابات التطرف والعنف بسماعين لها.

- إن مما يعزز هذا التفاؤل بمستقبل واعد لترسخ مبادئ المواطنة وازدهار مقومات العيش المشترك بين المسلمين في هذه البلاد ومواطنيهم من غير المسلمين في مدن بريطانية مثل لندن ومانشستر وبرمنغهام.. التي غدت حواضر كوسموبوليتية يوشك عدد الملونين فيها أن يضاهي عدد السكان الأصليين.

وما شهدته العاصمة من مسيرات مليونية احتجاجا على سياسات بريطانية ظالمة لبلاد إسلامية كان معظم من سار في تلك المظاهرات الرائعة من غير المسلمين وكان معظم خطبائها خطباء مفوهين وزعماء شعبيين ومسؤولين في الصف الأول من قادة هذا المجتمع ومؤسساته النقابية والسياسية والدينية والحكم المحلي.

إن كل ذلك يبشر بمستقبل زاهر للتعارف الإنساني وللمواطنة الفاعلة. قال تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" (الحجرات: 13).

6- على النخبة الإسلامية في هذا البلد الديمقراطي العريق:

- أن تتعمق في دراسة التاريخ البريطاني وآدابه وفلسفاته وإسهاماته المعتبرة في تطور الحضارة البشرية، وأن تثري اكتشافات فطاحل علماء الاستشراق النزهاء لإسهامات الحضارة الإسلامية الكبرى في التقدم الغربي والبريطاني في سائر حقول المعرفة، بما يجعل هذا التقدم مستحيلا دون اعتبار تلك الإسهامات، حتى تتخفف الأجيال المسلمة البريطانية من الشعور بالغربة وبالتطفل على تاريخ وحضارة هذه البلاد، وتندمج في صناعة الحاضر والمستقبل واثقة من نفسها ومن إسهامها في بناء حضارة وأمجاد هذه البلاد، وتتهيأ للإسهام في خيرها ورفاهيتها وأمنها، فهي وطنهم، فإنما الأرض لله يورثها الأصلح لعمارتها "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذٍّكر أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ" (الأنبياء: 105)

- على النخبة الإسلامية وبخاصة أئمة المساجد وأصحاب القلم أن يعمقوا قيم المواطنة في الثقافة الإسلامية بما يدرأ أي تعارض بين دائرة المواطنة ودائرة الديانة، إذ "لا توجد مواطنة تفترض إسقاط الدين" (الشيخ عبد الله ابن بية في محاضرة بهاي ويكم). وليس في الدين ما يفرض حمل مواطنة محددة أو يحظرها، رغم ما حصل في بعض البلاد الإسلامية مثل تونس خلال الاحتلال الفرنسي من إرادة استعمارية في فرض المواطنة الفرنسية على التونسيين لتذويب مقومات هويتهم، فجاء رد فعل بعض العلماء بتكفير من يحمل الجنسية الفرنسية، وانتهت الفتوى بانتهاء ملابساتها.

"
على النخبة الإسلامية وبخاصة أئمة المساجد وأصحاب القلم أن يعمقوا قيم المواطنة في الثقافة الإسلامية بما يدرأ أي تعارض بين دائرتي المواطنة والديانة
"

- على قادة الرأي العام الإسلامي وسط الأقلية الإسلامية أن يبينوا لها الفروق بين الواجبات العينية في الإسلام التي تجب على كل مسلم مثل الشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج وما إليها من الأخلاقيات والواجبات الشخصية والأسرية، وبين الواجبات الكفائية أو المجتمعية السلطانية التي تجب على المسلمين باعتبارهم جماعة ذات سلطان مثل إقامة الشريعة وتطبيق الحدود. فإن إقامة الشريعة أي تطبيق القانون الإسلامي ليس مسؤولية الأقلية، وإنما مسؤولية الأكثرية ذات السلطان فهي التي تقيم القانون العام الجنائي والإداري والدستوري، بينما الأقليات ليس لها غير القانون الخاص، مثل تنظيم أحوالهم الشخصية ومدارسهم ومساجدهم.

- عليها أن ترفع من أذهان الجمهور الإسلامي جملة من الالتباسات ترسبت في الأذهان ومثلت عوائق خطرة في طريق استقرار وازدهار الأقليات المسلمة، مثل مفهوم الولاء والبراء وهو مفهوم غير شرعي ودخيل على الفقه الإسلامي، فالولاية القرابة "وَأُولُو الأَرْحَامٍ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله" (الأنفال: 75).

ولذلك لم يكن مفهوم الولاء والبراء معروفا عند أهل السنة في القرون الأولى كما ذكر الإمام أحمد الذي روى عن أبي سعيد الخدري التحذير من هذه البدعة التي ابتدعها الغلاة، فليس الولاء والبراء عقيدة أو جزءا من عقيدة المسلم.

والبراء في أكثر استعمالاته براء من الأعمال وليس من الأشخاص "فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ" (الشعراء: 216) "وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرٍيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ" (هود: 54)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد".

فلا علاقة بين مفهوم الولاء والبراء وبين ما تقتضيه المواطنة من محبة المسلم لوطنه ودفاعه عنه وإرادة الخير له وحقه في أن ينتمي لأي وطن يجد فيه راحته وأمنه على دينه ومقومات حياته. وجاء في حديث فديك "يا فديك أقم الصلاة وآت الزكاة، واهجر السوء واسكن من دار قومك حيثما شئت تكن مهاجرا" رواه البيهقي.

وروى الإمام أحمد "البلاد بلاد الله والناس عباد الله فحيث أصبت خيرا فأقم". واتفق علماء الإسلام أن للمسلم أن يقيم حيث شاء ما أمكن له أن يقيم شعائر دينه في أمان (ابن بية المصدر السابق).

ومن سعادة جيلنا أن يشهد امتداد الإسلام في العالم على نحو غير مسبوق بما يبشر بتحقق نبوءات القرآن والسنة في أن شمس الإسلام ستضيء الكون كله "لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ" (التوبة: 33).

المصدر : الجزيرة

التعليقات