سمير صالحة

سمير صالحة


المثير أنه..
- في الوقت الذي كانت فيه تل أبيب تعلن استعدادها لتليين مواقفها وتبديل سياساتها في التعامل مع المطالب التركية في موضوع الاعتداء على أسطول الحرية..

- وفي الوقت الذي كانت فيه اللجنة الوزارية الإسرائيلية المصغرة تعلن تأييدها لمطلب التحقيق الدولي الذي أصرت عليه الأمم المتحدة بعد رفض إسرائيلي قاطع بهذا الاتجاه، سبقه تصعيد وتحد مباشر من خلال إجراء تحقيق عسكري داخلي ثم تشكيل لجنة منفصلة برئاسة تيركل لدراسة شرعية الهجوم..

- وفي الوقت الذي كان الإعلام الإسرائيلي يتحدث فيه عن اقتراب موعد إعادة السفن التركية التي شاركت في أسطول الحرية واحتجزت في إسرائيل..

- وفي الوقت الذي كانت أنقرة ترحب فيه بالدعم الغربي والعربي لمواقفها ومطالبها حيال العدوان الإسرائيلي على أسطول الحرية، والتراجع الإسرائيلي الأخير لأنه سيشكل "خطوة مهمة لتصحيح الظلم الذي واجهته تركيا خلال الهجوم" على سفينة المساعدات كما قالت الحكومة التركية..

- وفي الوقت الذي كنا نستعد فيه لمناقشة الأسباب التي دفعت حكومة نتنياهو إلى تبديل مواقفها وتليين أسلوب تعاملها مع المطالب التركية، ومحاولة الإجابة على الاستفسار: هل ستقود المواقف والتصريحات الإسرائيلية الأخيرة لعودة المياه إلى مجاريها بين أنقرة وتل أبيب؟..

في هذا الوقت.. وجدنا أنفسنا أمام توتر جديد فجره هذه المرة وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك الذي وقف يعبر أمام محازبيه من اليهود عن قلقه "من تولي هاقان فيدان لمنصب رئيس المخابرات التركية، لأنه قريب من إيران وقد يسلمها وثائق مهمة عن إسرائيل والتعاون الأمني التركي الإسرائيلي، مما يهدد أمن الدولة العبرية".

"
تل أبيب تريد تحسين علاقاتها مع أنقرة، لكنها تتمسك برأيها في صعوبة التعاون والانفتاح على حكومة العدالة والتنمية، وتعلن عدم الثقة في رئيس جهاز مخابراتها الجديد
"
ورغم أن الخارجية التركية استدعت على الفور السفير الإسرائيلي في أنقرة غابي ليفي وسلمته رسالة احتجاج شديدة اللهجة، وطالبته بتوضيحات عاجلة وفورية لهذه الحملة الإسرائيلية الأخيرة على الرئيس الجديد للمخابرات التركية.. ورغم أنها ليست المرة الأولى التي يستدعى فيها السفير الإسرائيلي إلى وزارة الخارجية التركية ليسلم احتجاجات من هذا النوع، فهو يردد أنه نصف تركي ويتفهم ما يقوله الأتراك ولا يزعجه إطلاقا الظهور أمام عدسات الكاميرا على هذا النحو، فإن أسباب هذا التصعيد الإسرائيلي الجديد الذي يقوده باراك "المعتدل" بالمقارنة مع وزير الخارجية ليبرمان، يستحق التوقف عنده مطولا وتحليل أسبابه وأبعاده والنتائج التي قد يقود إليها في مسار العلاقات المتدهورة أصلا بين البلدين.

باراك يصف تركيا بأنها "صديق وحليف إستراتيجي كبير"، لكنه يعتبر رئيس جهاز مخابراتها "صديقا لإيران". وتل أبيب تريد تحسين علاقاتها مع أنقرة فتعلن تراجعها عن تصلبها وتخليها عن عنادها حيال المطالب التركية في موضوع أسطول الحرية، لكنها تتمسك برأيها في صعوبة التعاون والانفتاح على حكومة العدالة والتنمية، وتعلن عدم الثقة في رئيس جهاز مخابراتها الجديد.

الحرب النفسية التي لجأت إليها تل أبيب هذه المرة لعبة رخيصة جدا سببها مرض الشيزوفرانيا الذي تعاني منه في علاقتها مع الأتراك، فهي ترتدي ثوب التمسك بتركيا شريكا وحليفا في ساعات النهار، لكنها عندما يحل الظلام تتخلى عن كل ما تقوله وترتدي لباسا آخر تقول فيه إنها لا تريد أن ترى حكومة العدالة والتنمية في الجهة التي تجلس أمامها للتفاوض وتحديد مسار العلاقات التركية الإسرائيلية.

لماذا هذا الهجوم المباشر على الرئيس الجديد للمخابرات التركية فيدان المؤتمن الأول اليوم على أسرار العلاقات التركية الإسرائيلية؟

ما الذي يقصده باراك عندما يقول إننا نخشى على أسرارنا مع تركيا؟ وما هي نوعية الأسرار التي قد يكشف عنها الأتراك للإيرانيين وتهدد أمن واستقرار إسرائيل على هذا النحو المخيف؟

هل حقا أن ما يقلق إسرائيل هو احتمالات تسريب معلومات عسكرية تتعلق بالقدرات الإسرائيلية إلى طهران؟ وما قيمة وأهمية هذه المعلومات التي قد تكشفها أنقرة لإيران وهي تعرف موقعها ومكانتها ودورها في الحلف الغربي، وتدرك معنى ذلك وانعكاساته على علاقاتها الإستراتيجية بأميركا وأوروبا؟

لنتفق أولا على أن اختيار شاب في منتصف العمر لهذا المنصب الحساس له مبرراته وأسبابه، ففيدان كان منذ البداية ضمن الحلقة الأقرب إلى وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو وساهم في إعداد الملفات وخطط العمل والإستراتيجيات الأمنية والإنمائية، وشارك في أكثر من هيئة وحلقة نقاش وجلسات عمل دولية ضمن الوفود الرسمية التركية، بينها قمة الأمن النووي في أميركا وهيئة إعداد الاتفاقية النووية الثلاثية بين تركيا وإيران والبرازيل لائتمانها على أهم أسرار الدولة التركية.

وهو رغم تجربته الميدانية المحدودة في هذا الحقل، نجح في ترك أثر إيجابي بالغ لدى أردوغان من خلال النتاج الفكري والأكاديمي، حيث كتب أكثر من بحث ودراسة عن ضرورة إطلاق حملات التغيير والتحديث في عمل جهاز المخابرات التركي.

وهكذا صدر قرار التكليف لهذه الشخصية التي ستتولى قيادة عمليات التغيير والتحديث وإعادة برمجة أولويات هذا الجهاز من خلال شخصية يعرفها أردوغان عن قرب وتعاون معها في السنوات الثلاث الأخيرة وسلمها مسؤولية أكثر من ملف أمني وسياسي وإستراتيجي.

"
ما أقلق إسرائيل وأغضبها.. استعداد جهاز المخابرات التركي بقيادة فيدان للكشف عن نشاطات الموساد داخل الأراضي التركية وعمليات هذا الجهاز في تجنيد الأتراك والعرب
"
ما فهمناه أيضا أن ما أقلق إسرائيل وأغضبها إلى جانب كل هذه النقاط التي أشرنا إليها أعلاه، هو استعداد جهاز المخابرات التركي بقيادة فيدان للكشف عن نشاطات الموساد داخل الأراضي التركية وعمليات هذا الجهاز في تجنيد الأتراك والعرب والإفشاء بعمليات تجسس وجمع معلومات كثيرة نفذها الموساد واكتشفها جهاز المخابرات التركي في السنوات الأخيرة.

بصورة أوضح، المؤشرات تؤكد أن ما يقلق تل أبيب أن الرئيس الجديد للمخابرات التركية يستعد لإطلاق حملة اصطياد ومطاردة وتنظيف شامل تطال نشاطات المخابرات الإسرائيلية داخل الأراضي التركية، مما سيعني قمة التفجير والتراجع في العلاقات.

تفجيرات جديدة من هذا النوع في مسار العلاقات التركية الإسرائيلية ستكون الضربة الأكثر إيلاما لإسرائيل بعد عمليات الاصطياد الرائعة التي تنفذها أجهزة الأمن اللبنانية. وهي لذلك نراها تتحرك بكل اتجاه لقطع الطريق على عمليات من هذا النوع بتصعيد وتحرش واستفزاز على هذا النحو.

الموساد الإسرائيلي الذي صنف نفسه الأقوى والأكفأ بين أجهزة المخابرات العالمية يتلقى كل يوم ضربة بعد أخرى، أهمها حفلات الصيد التي تنظمها أجهزة الأمن اللبنانية على شرفه رغم طاقاتها وقدراتها المتواضعة.

وهو عرضة هذه المرة لضربة من العيار الثقيل وهي تضييق الحصار عليه في الأراضي التركية الشاسعة التي كان طيلة العقود الماضية يستغلها ويستثمرها لا للتعاون مع الأجهزة التركية وتبادل الخبرات والخدمات معها فقط، بل كجسر عبور لتجنيد عملاء محليين وأجانب في أرض وافرة غنية لا تقل قيمة عن العواصم الأوروبية، حيث تتوافر النوعيات الكثيرة ومن مختلف الانتماءات والميول الجاهزة للتعاون معه بعدما رخصت أثمانها وفقدت كل ما تملكه من كرامة وشرف ووطنية.

عشرات الملفات والحالات المعلن عنها حتى الآن تؤكد أن الموساد الإسرائيلي كان وما يزال يستفيد من المخزون والاحتياط التركي إلى أبعد الحدود، وأن عملاء وجواسيس كثرا قدموا له خدمات لا تقدر بثمن.

إسرائيل تشعر اليوم أن الطبخة التي وضعتها على نار هادئة قبل عقود طويلة تكاد تحترق على مرأى ومسمع أمهر طهاتها بسبب عناد أردوغان وتصلب داود أوغلو.

فتركيا كانت حتى الأمس القريب محطة إستراتيجية للموساد الإسرائيلي يصول ويجول فيها كما يحلو له ينفذ داخلها أهم عملياته، يجند فيها أبرز العملاء ويعقد فيها أهم الصفقات، لكن الإسرائيليين اكتشفوا أنهم لن يتمكنوا بعد الآن من الاستمرار في لعب ورقة الأراضي التركية إلى ما لا نهاية.

اختيار فيدان وتزويده بالتعليمات والصلاحيات المطلقة لقطع الطريق على الإسرائيليين، تذكرنا بما قاله أردوغان عشية مهاجمة أسطول الحرية عندما حذر حكومة نتنياهو من أنها ستدفع ثمن فعلتها هذه، وأنها تعرف أن أنقرة قادرة على فعل ذلك.

"
ما قد يوقف تأزم العلاقات بين أنقرة وتل أبيب هو انسحاب أو تراجع أو سقوط إحدى الحكومتين في البلدين، والأقرب إلى المخرج الأنسب هو حكومة إسرائيلية جديدة تقول عكس ما تقوله حكومة نتنياهو
"
تعنت إسرائيل طيلة الشهرين الماضيين في رفض الاستجابة للمطالب التركية والتعامل معها بجدية، أغضب حكومة العدالة والتنمية ودفعها لكبس الزر في توجيه ضربات مباشرة وغير مباشرة لحكومة نتنياهو طيلة هذه الفترة، ويبدو أن أكثرها إيلاما لم يظهر إلى العلن بعد، ولن تتراجع تركيا عنه إلا عندما تتراجع تل أبيب عن مواقفها وسياساتها وأساليبها في التعامل مع أنقرة بأسرع ما يمكن.

حكومة نتنياهو التي تسعى لتصوير الأمور كأنها تسير بشكل طبيعي، وأنها ما زالت رغم كل شيء الشريك الإستراتيجي صاحب الحق في التحرك والتصرف كما يحلو له مع الأتراك.. هناك ما يقلقها حتما ويقودها إلى بعثرة متجر الزجاجيات، وهي مسألة أبعد وأهم من موضوع الترويج لاحتمالات تسريب معلومات عسكرية سرية حول قدرات وبنية الجيش الإسرائيلي إلى إيران!

وما يدور يتجاوز ما نشرته قبل أسابيع صحيفة صنداي تايمز البريطانية نقلا عن مصادر أمنية إسرائيلية أن هناك مخاوف جدية لدى إسرائيل من إغلاق أردوغان محطة استخبارية إسرائيلية قائمة على الأراضي التركية، تعتبر مهمة جدا بالنسبة لإسرائيل في مواجهة إيران.

ما يجري إعلان مكشوف للحرب على فيدان، والحرب عليه تعني إعلان الحرب على أردوغان في أحسن الأحوال، فهو الذي يحاول قطع شرايين وأوردة أهم أجهزتها ومصدر بقائها على قيد الحياة داخل تركيا.

وتصريحات باراك إشارة واضحة إلى أن المنازلة بين الموساد وجهاز المخابرات التركية باتت واقعة لا محالة، لكن ما لا نعرفه حتى الساعة هو حجم المواجهة ورقعتها الجغرافية، وبالتالي انعكاساتها على الجانبين أولا وعلى علاقاتهما مع الغرب ثانيا.

الخيار الذي قدمه وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان عن ضرورة إسقاط العدالة والتنمية وإبعادها عن الحكم في تركيا لإنقاذ العلاقات من الأزمات التي تعاني منها، رافقه -كما يبدو- رد تركي عاجل وبالبريد السريع والمضمون يقول إن أنقرة لن تكتفي بعد الآن بتغيير النهج والأسلوب والإستراتيجيات في إسرائيل، بل هي متمسكة بتغيير أصحاب القرار الذين يقودون اللعبة اليوم.

بعد هذه الساعة ورغم كل محاولات الترميم والتلميع، نرى أن ما قد يوقف تأزم العلاقات بين أنقرة وتل أبيب هو انسحاب أو تراجع أو سقوط إحدى الحكومتين في البلدين، والأقرب إلى المخرج الأنسب هو حكومة إسرائيلية جديدة تقول عكس ما تقوله حكومة نتنياهو وتكون جاهزة لوضع الأصابع تحت حجر السلم الإقليمي للمساهمة في رفعه عن حق.

سياسات تركية من هذا النوع تدغدغ مشاعر العرب والعالم الإسلامي، وتكسب تركيا عموما وحزب العدالة والتنمية خصوصا، المزيد من الشعبية التي ستسهم في دفع العلاقات العربية التركية أميالا إلى الأمام. والدم التركي الذي سال فوق مياه شرق البحر المتوسط يكتب فصلا جديدا في تاريخ المنطقة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك